ديباجة وطن: مساجلة العذراء والمجنون

د‭.‬خالد‭ ‬الخفاجي

تساءل‭ ‬المجنون

عن‭ ‬سرِّ‭ ‬العقل

لماذا‭ ‬تشاكسهُ‭ ‬الدهور

وتساءل‭ ‬العاقل

عن‭ ‬حريّة‭ ‬الجنون

فخسِرَ‭ ‬الثاني

وربحَ‭ ‬الشارد‭ ‬المسحور‭..‬

هذه‭ ‬الفلسفة‭ ‬الشهرزادية‭ ‬والشهريارية

التي‭ ‬عتَّقها‭ ‬التأريخ

بحمائم‭ ‬الماء

وفورة‭ ‬الدماء

وشهرزاد‭ ‬الذكية

التي‭ ‬قضت‭ ‬على‭ ‬المنيَّة

فأحبَّها

بقلبٍ‭ ‬تفجَّر‭ ‬نار

وأنصتَ‭ ‬لها‭ ‬بكلِّ‭ ‬عمرهِ

شهريار‭..‬

وغنى‭ ‬طويلا،‭ ‬ورقص‭ ‬عليلا،‭ ‬وثمل‭ ‬قنديلا،‭ ‬وعتّق‭ ‬الحزن‭ ‬إكليلا

وحشَّد‭ ‬العشّاق‭ ‬مؤذنا‭ ‬بهم

حيَّ‭ ‬على‭ ‬الجهاد‭..‬

هو‭ ‬المجنون‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬رحلته

بين‭ ‬الأعظمية‭ ‬والبياع

والمنصور‭ ‬واليرموك

والجهاد‭ ‬والسيدية‭..‬

وبغداد‭ ‬تعزفه‭ ‬فراتا‭ ‬ومذْهَباً

وتَحفِظَهُ‭ ‬أبا‭ ‬نؤاسا‭ ‬وكتبا

وتَفخرُ‭ ‬به‭ ‬متنبياً

وتحتَ‭ ‬كُحْلِ‭ ‬كهرمانة‭ ‬تُشيَّعَهُ

فشعر‭ ‬أنّ‭ ‬العالم‭ ‬كلّهُ‭ ‬معهُ

ورحل‭ ‬يفتُّش‭ ‬عن‭ ‬العذراء

يدور‭ ‬في‭ ‬يَباب‭ ‬المرايا

ودروب‭ ‬الضحايا

وسراب‭ ‬الشرْنقات‭ ‬

وفي‭ ‬غياهب‭  ‬الليالي،‭ ‬وسَهَر‭ ‬الثكالى

فاختنقت‭ ‬في‭ ‬جوف‭ ‬المعنى

كُلّ‭ ‬أوردة‭ ‬الأمنيات‭..‬

ومضى‭ ‬يتوسل‭ ‬خزائنَ‭ ‬الله

في‭ ‬حدائق‭ ‬وجهها‭ ‬الذهبيّ

وعينيها‭ ‬الناعستين

ورضاب‭ ‬شفتيها‭ ‬الثملتين

وشعْرَها‭ ‬المتدلي‭ ‬كصباحِ‭ ‬عروسين

ثم‭ ‬يُبحر‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض

ليُعتّقَ‭ ‬جُنونهُ‭ ‬على‭ ‬المنحنيات

ويجعل‭ ‬من‭ ‬خريف‭ ‬الحكومة

المدجج‭ ‬بلاّ‭ ‬ضمير

ولهفة‭ ‬الموجوعين

وهم‭ ‬ينتظرون‭ ‬آخر‭ ‬الشهر

حفنة‭ ‬دنانيرٍ‭ ‬تعينهم

على‭ ‬هذا‭ ‬الحصار‭…….‬

الحصار‭ ‬الذي‭ ‬فرضه‭ ‬أعداء‭ ‬النهار

وحملتْهُ‭ ‬الغربان‭ ‬القادمة

من‭ ‬أعالي‭ ‬الجنرالات‭ ‬والمخططين

أولئك‭ ‬الملثَّمون‭ ‬بالسيناريوهات‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬اغتصاب‭ ‬الحرية

وثروات‭ ‬الشعوب

وشنْقِ‭ ‬ضحكة‭ ‬البريَّة

هكذا‭ ‬كان‭ ‬المجنون‭ ‬يعزف‭ ‬بحثَهُ‭ ‬عن‭ ‬العذراء

في‭ ‬ربيعٍ‭ ‬لا‭ ‬تفسده‭ ‬الأورام‭ ‬السياسية

والنوايا‭ ‬الحزبية

ويلهث‭ ‬ُوراء‭ ‬غناء‭ ‬العصافيرٍ

ويمسحُ‭ ‬غبار‭ ‬الحروب‭ ‬والدموع

عن‭ ‬وجهِ‭ ‬دجلة‭ ‬البساتين

ثم‭ ‬أدركَ‭ ‬المجنون

لا‭ ‬حاجةَ‭ ‬له‭ ‬بالعقلِ

لأنهُ‭ ‬يُفسِد‭ ‬الجمال‭ ‬ويخنقُ‭ ‬الحياة

ويفرش‭ ‬الظلام‭ ‬على‭ ‬قبائل‭ ‬الصباح

وقرَّرَ‭ ‬أنْ‭ ‬يموت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجنون

وهناك‭ ‬عند‭ ‬شجرة‭ ‬الرجاء

سيلثمُ‭ ‬عذراءه‭ ‬مثل‭ ‬قمرٍ‭ ‬وسماء

ويعزفُ‭ ‬معلَّقَته‭ ‬على‭ ‬جباه‭ ‬العذارى

وحسرة‭ ‬الحيارى

بلا‭ ‬خوفٍ‭ ‬ولا‭ ‬مشانق‭ ‬ولا‭ ‬سجون‭…‬