دويلات تنتظر سوريا

344

دويلات تنتظر سوريا
قيس عمر العجارمه
كغيرها من الثورات انطلقت شرارة الاحتجاجات في سوريا بقبسٍ من شعلة الحرية التي استضاء بها شارع الحبيب بورقيبة في تونس وميدان التحرير في القاهرة، الا أن تلك الشرارة سرعان ما تحولت الى نارٍ كبرى تحرق الأخضر واليابس لتشتعل بلهيبها ربوع وأرياف دمشق وحلب وحماة ودرعا وتكتوي بلظاها قلوب أبناء سوريا جميعاً على ما أصاب حاضرة بني أمية من مصيبة تستحضر معاني وعواطف شوقي الجيّاشة في رثاء دمشق عندما غزاها الفرنسيون هذه النار التي ألهبها وزاد سعيرها وقود السياسة العربية وهشيم المؤامرة الغربية، لن تهدأ أو تخمد حتى تجعل من سوريا دويلات طائفية تحكمها مليشات ومرتزقة ودمى سياسية ومتطرفون تتعدد أهدافهم وتتنوع بحسب مصادر تمويلهم.
لكّن المصيبة الأعظم تكمن في غياب الاستراتيجية لدى بعض ممولي وصانعي الحرب في سوريا خصوصاً دول الشرق الأوسط، الذين لا تتعدى نظرتهم لما بعد سقوط سوريا يوماً واحداً، فهم يهدفون الى اسقاط النظام ولا يفكرون بما ستؤول اليه الأمور بعد ذلك..التي حتماً سوف يتأثرون بها سلباً.
ان أي عمل أو برنامج أو مشروع سواء كان سياسيا ام اقتصاديا لا بد من دراسته دراسةً وافية تعتمد على تحقيق موازنة بين الايجابيات والسلبيات، بمعنى ان تحقيق الهدف لا يكفي بل يجب دراسة ما يترتب على ذلك من نتائج من خلال ما يسمى بالتغذية الراجعة Feedback أي التحكم في الأداء الديناميكي للبرنامج أو المشروع.
ولقد بدأت التغذية الراجعة لمشروع الحرب على سوريا أو الثورة السورية تظهر على الارض ترجمةً للأداء الديناميكي لها من خلال عوامل ومشكلات كبيرة بدءاً من نزوح اللاجئين التي ألقت بظلالها على الأردن وبدأت تفرض على كاهله أعباء اقتصادية وسياسية وأمنيّة كبيرة تتعدى طاقته، الا أن ما يخفف هذا العبء هو الواجب الأخلاقي تجاه الأشقاء والأمانة التاريخية التي يحملها الهاشميون تجاه العرب جميعاً، اضافةً الى معاني الايثار والشهامة العربية التي تجعل من حمل هذا العبء شرفاً يعتز به حامله. لكن الخطر الأكبر لتلك التغذية الراجعة يكمن في أفغنة سوريا باستقطاب المقاتلين والمتطرفين من كل حدب وصوب واغراق سوريا بحرب عصابات لن تنتهي عند الحدود السورية بل أنّها سوف تنتشر وتحاول التوسع افقياً، ولقد اثبتت تجارب مماثلة خطورة استخدام هذا السلاح الفتّاك فالعراق لازال سقيماً بمرض الارهاب الذي بدأت تظهر أعراضه في ليبيا وسيناء، أمّا الأردن الذي لازال أمةً وسطا يتخذ من الاعتدال والتوسط سياسة ومنهجاً استراتيجياً، فلا بد له من أن يتأثر بالتغذية الراجعة لهذا المخطط الغوغائي لاسيما وأن فلول التطرف والارهاب بدأت بالتحرش على الحدود الشمالية له، اضافةً الى محاولات النظام السوري تصدير الأزمة الى الأردن كنوع من أنواع توسيع دائرة الصراع وادخال أرقام جديدة على المعادلة. ربما ان جدّية هذه المخاوف تقلق الأردنيين خصوصاً في ظل حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة بأسرها يقابلها أي المخاوف مشاعر الثقة بحكمة القيادة في التعاطي المرن المستنير للسياسة الأردنية مع الأزمة السورية منذ بداياتها ترجم هذا مقاومة الأردن لكل أشكال الابتزاز السياسي والاقتصادي من أجل تغيير سياسته ومنهجه تجاه سوريا ونظامها الا أنّه لم يرضخ وتعامل بحذرٍ شديد وحكمة عالية مع هستيريا تصفية الحسابات السياسية بذريعة الحرية للشعب السوري التي اذا تحققت فلن تجد شعباً موحداً يعيشها أو حتى يحلم بها يقول الامام الشافعي ضاقت فكلما استحكمت حلقاتها فرجت…. وكنت اظنها لا تفرج….نأمل من الله العلي القدير أن يكون لخطاب الملك في الأمم المتحدة صدىً يُسمع عند اصحاب القرار العالمي ليقدّروا أن ثمن الحرية للشعب السوري اصبح باهضاً جداً يفوق قدرة السوريين والمنطقة بأسرها.
AZP07