

إياد العناز
تُبنى المجتمعات الحيوية على أسس ومرتكزات صلبة، تسعى إلى تثبيت معايير النهج القيادي للدولة في حماية شعبها وتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع أفرادها على اختلاف قومياتهم ومذاهبهم ومعتقداتهم، وتعطي مفهومًا صريحًا وثابتًا يحقق الفكرة الصائبة والرؤية الثاقبة التي تجعل الدولة بكل معانيها المدنية والاعتبارية ملك لجميع المواطنين، دون تمييز بينهم أو تباين في الصفات السياسية والاجتماعية والثقافية، وهو الملمح الرئيسي في تعزيز مفهوم ( دولة المواطنة).
تتميز معايير هذه الدولة بأنها تحدد علاقة جوهرية تسودها مفاهيم قانونية ومؤسساتية، تمنح أفرادها حقوقًا متساوية في التمتع بثروات البلاد واحترام ارادتهم ومعتقداتهم الفكرية ومشاركتهم الاجتماعية والإنسانية بالاستناد إلى عقد بينهما يضمن تحقيق التكافؤ المجتمعي ويضمن المساواة والعدالة بين الجميع، وإتاحة الفرص للمبدعين والعلماء والمفكرين والكُتاب والشعراء وجميع المختصين في علوم القانون والاجتماع والسياسة للمساهمة الفعلية الجادة للارتقاء بالدولة ورسم ملامحها التي تؤسس غايتها وأهدافها في تعزيز حقيقة المواطنة عبر الممارسة الحيوية والأدوات الفاعلة والتي تمثل المسؤولية الحقيقية والدور الريادي للدولة تجاه أبناء شعبها.
واذا ما تمعنا في مفهوم دولة المواطنة ومعناها السياسي فإننا سنكون أمام واجباتها تجاه أفراد مجتمعها بالحفاظ على حقوقهم المدنية وثوابتهم الإنسانية ومعاييرهم الفكرية وتوفير احتياجاتهم المعيشية ورفع مستواهم الاقتصادي، بما يحقق أهداف التعاون والتكامل والعمل الجماعي المشترك الذي يمثل إرادة المجتمع وتحقيق مفهوم الارادة المشتركة والتعايش السلمي بإرساء مبادئ العدالة التي لا تنتهك حقوق المواطنين وتمنع أي انتهاكات تجاههم.
دولة المواطنة، يعيش فيها أبنائها على ترابها ويتمتعون بارادتهم في السعي لتحقيق أهدافهم بالعمل المتواصل والمشاركة الصادقة في تحقيق افضل السبل للارتقاء بالدولة إلى أعلى مستويات العلم والمعرفة وتعميق الفكر الإنساني وتعزيز الانتماء إليها دون تمييز والابتعاد عن جميع أشكال التمايز الاجتماعي، بل العمل في إطار التنوع الفكري والإنساني الذي يمنح المجتمع تطورًا إيجابيًا ويضيف قوة معنوية له.
تعمل الوزارات والمؤسسات الحكومية في دولة المواطنة على تحقيق مفهوم المصالح العليا للمواطنين عبر دعم جميع أواصر التنمية المجتمعية المستدامة وإقامة نظام اقتصادي متوازن واجتماعي هادف وعادل قائم على احترام القوانين والأنظمة وحماية المال العام وتعزيز الرقابة القانونية ودعم حالة الإبداع والابتكار بما يحقق مستقبلًا زاهرًا وأملًا دائمًا للأجيال القادمة.
تتصاعد أهمية الحفاظ على أمن واستقرار المجتمعات الإنسانية كونها أساس لتكوين دولة المواطنة التي تحمي حرية الإنسان وتدافع عن وجوده وتحافظ على كيانه وتوفر كل الوسائل والسبل المتاحة لتأمين حالة الأمن والاستقرار وتعزيز مفهوم الحماية الذاتية باشاعة حزمة من الاطمئنان والراحة المجتمعية لكي يتمكن الفرد من القيام بواجباته ويستمر في حياته دون خوف أو تردد أو تحسب من أخطار قادمة ومشاكل تسبب له القلق وأحداث تؤثر على حياة ومستقبل أفراد عائلته وتساهم في سعادة المجتمع ورفع مستوى الحياة الكريمة وإيجاد الفرص الحقيقية لبناء مجتمع تسوده مفاهيم العدالة الاجتماعية والحفاظ على آدمية الإنسان وتعزيز حقوقه واحترام كرامته والدفاع عن وجوده، هي أسس وروابط ميدانية يتحتم على الحكومات والأنظمة السياسية الالتزام بها وتوسيع نطاق العمل بها ضمن إطار التماسك الاجتماعي واحترام إرادة الإنسان والحفاظ على حياته وتسهيل مستلزمات بقائه عبر العديد من الأهداف والمعطيات البناءة التي تسعى إليها الدول القائمة على أسس ومرتكزات تقدير القيمة الروحية والمكانة الإنسانية والدور الريادي الذي يساهم في تعزيز البناء المتماسك لأبناء المجتمع .
تعتبر أولى المهام التي ينبغي أن تتمتع بها الدول والحكومات والهيئات التابعة لها هي صيانة وتماسك المجتمع وتوطيد حالة الألفة والمحبة بين أبناء الشعب الواحد وتعزيز البنية المجتمعية التي تدعم أواصر التعاون للوصول إلى أعلى مراتب البناء والأعمار والإصلاح الاجتماعي الذي يمنح الحياة معنى إيجابي ورؤية صادقة وحياة ملؤها التكاتف والتازر ويتيح للمواطن أن يعيش في بيئة أمنية تسودها آفاق الاطمئنان والاستقرار النفسي القائم على الاهتمام ببناء الإنسان والاعتماد عليه في صيانة وادامة الحياة في المجتمع الذي ينتمي إليه، أي أن تكون الدولة هي الراعية الأساسية لحياة الفرد والمساهمة في إيجاد وسائل ومتطلبات اجتماعية وثقافية وأمنية تعزز حالة التواجد الإنساني لدى المجتمع.
لا تتحقق هذه الامنيات ولا يمكن بناء الصروح الاجتماعية وإقامة المشاريع الإنسانية إلا بوجود أدوات حقيقية تتفاعل مع المجتمع وتحترم حقوق الإنسان وتكفل له الرعاية الاجتماعية وتطبيق القوانين والأنظمة واحترام دستور البلاد والعمل على ضمان سلامة وحياة المواطنين ورسم معالم الحياة بصورة ميدانية تساهم في تعزيز البنية الأمنية التي تضمن العديد من الإجراءات والخطط السياسية والاقتصادية والثقافية الهادفة إلى توفير ضمانات شاملة تحيط بكل شخص في المجتمع بالرعاية اللازمة وتوفر له سبل تحقيق أقصى تنمية لقدراته في إطار الحرية السياسية والعدالة الاجتماعية، وهي بهذه الإجراءات تؤكد قدرة الدولة والهيئات العاملة معها على حماية كيانها المستقل واحترام إرادة شعوبها والالتزام بالحفاظ على سلامتهم وتوفير سبل العيش الكريم لهم .



















