دولة الزعماء لا دولة الشعب ـ صباح علي الشاهر

167

دولة الزعماء لا دولة الشعب ـ صباح علي الشاهر
انتهت انتخابات مجالس المحافظات، خسر فيها الأقوى، وفاز فيها الأضعف، وبذلك تكون هذه الانتخابات أول انتخابات تؤكد بشكل لا لبس فيه ولاغموض، عبثية العملية الانتخابية في العراق، وهي اذ تشير الى جملة مفارقات ومتناقضات، فانها تبين أيضاً أن ليس مهماً في حسابات القائمين على الشأن السياسي في العراق كم عدد الذين صوتوا لهذا المرشح، أو لتلك الكتلة.
لقد تم نحر الاستحقاق الانتخابي، وليست هذه هي المرّة الأولى في تأريخ العهد الجديد التي يتم فيها مثل هذا التجاوز، لكنه كان في السابق شطارة، مغلفة بأسانيد وتخريجات قانونية، أما الآن فهو دعارة مكشوفه.
في المرة الأولى تبارى الواحد والتسعين، والتسع وثمانين، تشطر التسع وثمانون، حتى جمع النصف زائد واحد، في حين ظل الواحد والتسعين يولول، ويطالب باستحقاقه، حتى بعد أن ضمر وتقلص، وصولاً الى مرحلة اللا مرتبة، وأصبح ظاهرة اعتراضية ليس الا، هذه المرّة تغابى الأقوى متكئاً على قوّته، ولعب الأضعف بثعلبية تليق بسياسيّ العملية السياسية، فصعد الى كرسي محافظة بغداد، مع أنه كان الأضعف، والأقل شأنا انتخابياً بين الأربعة الكبار.
بنفسي معرفة كم هي الأصوات التي حصل عليها محافظ بغداد الجديد، وكم هي الأصوات التي حصل عليها المحافظ السابق، لنعرف من تسلق، ومن زلق .
كان تنافس الواحد والتسعين، والتسعة وثمانين على الكرسي الأول في الحكم مُبررراً، فهما رأسان كبيران، جمعا عدداَ يكاد يكون متساوياً من النواب، وان كان من فاز بالكرسي أخيراً حصد ما يعادل ثلاث مرات ماحصده الآخر أو يزيد من عدد أصوات المقترعين، ولكن ما يحدث اليوم في انتخابات مجالس المحافظات مختلف تماماً، ففي بغداد وكذا البصرة جلس على كرسي المحافظ من كان حريّ به أن يجلس في مكان ما في المائدة المستطيلة التي اعتاد أصحاب الفخامة والوجاهة أعضاء مجالس المحافظات التحلق حولها، عندما يريدون اشهار أعمالهم المضنيّة، واظهارها عبر وسائل الاعلام الى الرعاع، عفواً الرعية.
ان ماجرى هو نموذج صارخ للوصولية والانتهازية، لكن هذه الوصولية والانتهازية، دقت مسماراً في نعش التقاسم الطائفي، وهذه مفارقة من مفارقات التطاحن والتنافس الحزبي والكتلوي، يمكن استثمارها والتأسيس عليها، ولكن بمبدئية، وبعيداً عن التوضيف الآني، والحسابات الشللية.
بعد عشر سنوات عجاف ينبغي الاجهاز على التقاسم الطائفي، والاستداره 180 درجة.
لم يعد يليق بالعراق ولا العراقيين التنابز بالطائفية والعنصرية، ليس فقط لأن الطائفية والعنصرية وجهان للرجعية والتخلف، وليس لأنهما يتعارضان مع معطيات العصر والتحضر، ولا لأنهما عار لا يليق بمن يعيش القرن الحادي والعشرين، وانما لأن الطائفية والعنصرية تعني موت العراق، والتخلص منهما حياة للعراق وكرامة لابنائه وبناته.
يجب أن يُقال بالفم المليان للطائفين من أية جهة، كفى.
لا تكتلات طائفية .. لا أحزاب طائفية. ليس المطلوب أن يقول الحزب الطائفي الشيعي أخواننا السنة ، ولا المطلوب أن يقول الحزب الطائفي السني أخواننا الشيعة ، فمثل هكذا قول مُراوغ، يتضمن في جوهرة الفرقة.
المطلوب أن نغادر جميعاً سنة وشيعة، الأحزاب والتنظيمات الطائفية. أن نلتحق بأحزاب وتنظيمات تضمنا جميعاً، توحدنا في اطار العمل المشترك، والنضال المشترك.
جراحات العراق نازفة من أقصى شماله، لأقصى جنوبه، ومن شرقه الى غربه، والدمار والخراب شامل، وانساننا العراقي مُتعب، ومحروم من أبسط ما يتمتع به غيره من شعوب الأرض.
ماذا ينفع العراق ان جلس في كرسي المحافظ في بغداد سنيّاً أم شيعياً، وما أهميّة أن يتبوء رئاسة مجلس المحافظة سنياً أم شيعياَ، مسلماً أم مسيحياً، كردياً أم عربياً أم تركمانياً، اذا كان هذا الجالس على الكرسي يعتبر الكرسي مغنماً، ووجاهة، وتحكماً، له ولكتلته أو حزبه، أو من جاء به الى الكرسي .
أليس من الغريب أن يكون لمحافظ أية محافظة عراقية نائباً أولا وثانياً، ونائباً ادارياً وفنياً، وليس لرئيس جمهورية أمريكا سوى نائب واحد.
ولماذا يكون للمحافظ نائب أصلاً، وبامكانه أن يختار معاونيه من الكفاءات الموجودة في المحافظة، يمكنه أن يختار له معاوناً ادارياً من الاداريين، ممن يعرفون كل شاردة وواردة في الأمور الادارية، ويختار معاوناً فنياً من بين الفنيين في جيش الفنيين في المحافظة، فهؤلاء اذ يقضون زهرة شبابهم في الخدمة يطمحون ــ وهذا حق لهم ــ بأن يترقوا الى منصب معاون محافظ.
ينبغي أن يأتي المحافظ الجديد الى المحافظة وليس معه سوى سكرتيره، ورئيس مكتبه، لا أن يأتي بجيش من العاطلين المتعطلين بصفة نواب ومستشاريين، ممن يفرضهم عليه تنظيمة، أو التقاسم الطائفي والشللي، وفق معايير تقاسم الكعكة.
لماذا لم نشرّع عملية انتخاب المحافظ من شعب المحافظة مباشرة، تماماً مثلما هو معمول به في تلك البلدان التي احتلتنا، ففي أمريكا يتم انتخاب عمدة المحافظة عبر الانتخاب المباشر، وكذلك الأمر في بريطانيا، فلماذا أصبح الأمر عندنا مختلفا.
تخيلوا الأمر لو أن المحافظ يُنتخب من قبل الناس مباشرة، حيث يفوز من يحوز على أعلى الأصوات بين المتقدمين لهذا المنصب
هل سيتأخر اعلان اسم المحافظ الجديد أكثر من شهرين؟
هل يمكن أن يستلم المنصب من لم يحصل على أعلى الأصوات؟
هل يضطر المحافظ المنتخب الى اختيار نواب له من بقية القوائم، وهل يخضع لابتزاز التكتلات والشلل؟
وهل سيكون المحافظ بحاجة الى الثعلبية، والمناورات غير المبدئيه، وشراء أصوات الآخرين باعطائهم هذا المنصب، أو تلك المنافع؟
المحافظ المُنتخب من قبل أبناء المحافظة انتخاباً مباشرا، سيكون قويّاً، واذا كان مُخلصاً ونزيهاً، فانه سينظر الى مصلحة من انتخبوه قبل أي شيء آخر، ولن يخضع لابتزاز الآخرين، حتى أن مجلس المحافظة لن يؤثر عليه اذا كان على حق، لأن هذا المجلس لم ينتخبه، وانما الذي انتخبه شعب المحافظة، وهو مدين لهذا الشعب أولا وأخيراً، ولكن … وضعوا عدّة نقاط تحت لكن هذه، ولكن … كيف سيكون تأثير السيد، الزعيم، القائد، وسموه ما شئتم، رئيس الحزب أو الكتلة، كيف يكون تأثيره على السيد المحافظ في هذه الحاله.
يبدو أن من وضع القانون أو من وضعوه، لم يغفلوا هذا الأمر، لذا قرروا أن يعززوا من سطوة وهيمنه السيد الزعيم، القائد، الذي علينا التسبيح بحمده نواب كنا، أم وزراء، أم محافظين، وهكذا ــ يا سادة يا كرام ــ بنوا لنا دولة الزعماء والقادة لا دولة الشعب.
AZP07