دولة أشخاص أم دولة مؤسسات؟ – نهاد نجيب

393

دولة أشخاص أم دولة مؤسسات؟ – نهاد نجيب

منذ القدم كانت حاجة  رجل السياسة  لأن ينهل  من مناهل  الادب ويعب  من عذب فراته  اكبر من حاجة الاديب  لأرتياد مجالات السياسة..فالأديب  قد لا يخسر شيئا  اذا هو لم يغازل  السياسة.. ولن يتأثر  أدبه نتيجة  لمثل هذا  العزوف..ولكن رجل السياسة  سوف يتأثر  حتما بأغفاله الادب  سواء  كان مشرعا يضع القوانين  او مؤلفا  يكتب عنها او قاضيا  يطبقها..فبين الادب  من جهة والسياسة  وشائج  صلة وتكامل  متى اجتمعت  لرجل السياسة في اي مركز  من المراكز  المذكورة ساد وأجاد.. وعندئذ  يستحق ان يكون  رجل دولة  تعتمد على التشريع  وتدوين  القوانين والدساتير..فطالما  اجتذبت  السياسة من قديم  الزمان  رجالا كانوا في عصورهم أعلاما  في الادب  والثقافة والفلسفة  امثال..افلاطون  وارسطو في فجر حضارتهما..بعكس  ما نراه اليوم  من اشخاص  يدعون السياسة وهم لا يفقهون شيئا منها  ولا يفقهون جغرافية  نهري دجلة والفرات  ومن اين تنبعان..وهؤلاء  من يمثلون دولة اشخاص  وليست  دولة مؤسسات بعيدين  عن الفلسفة  والادب والبيان  والمنطق  وعن النظم الدستورية الرصينة.. ان الثقافة اذا لم تكن  قادرة على  خلق سياسي من لا شيء  فأنها  تستطيع على الاقل  ان تنمي  قدرات السياسي ومواهبه  وتصقلها  فتعاونه على اكتشاف  نفسه  وجعل الغير يتأثر  بفكره  الشخصي..ولا يستطيع  أحد أن ينكر الان ان السياسي المثقف  خير  من السياسي الجاهل  !! ومن الاهمية بمكان  ان تولي الحكومات المتعاقبة  في العراق  ومعها الكتل السياسية والاحزاب المتنفذة  بتنمية  امكانات منتسبيها  والمنتمين اليها  وذلك بتأسيس معاهد  لأعداد  السياسيين رغم  وجود كليات العلوم السياسية..وهذه  المعاهد  لا تعتبر شيئا كماليا  في الوقت الحاضر.. وان اوجه النشاط  التي تدخل  ضمن اختصاصاتها  تحتاج الى عدد من السنين  حتى تصل  الى الحالة التي يمكن  بها ان  تخدم التجربة  السياسية  ومن الاولى بالحكومات  ومعها  الاحزاب المتحالفة  معها إن  ارادت  تحسين الاحوال السياسية المتخلفة  أن تبدأ فورا  في اتخاذ خطوات  جدية  حتى  لا يزداد تخلفها  في هذا الصدد.. وليس في اية دولة رصينة  حياة للاجساد  ..انها  الحياة..للفكر الملتزم   القوة  العادلة..والامانة  المقدسة الشريفة..والسياسة  المتزنة  الحرة ابدا  لن تزيفها  الشعارات..وابدا  لن تميتها الاحكام العابرة..بل دولة ملتزمة  الالتزام  الكامل والصادق  الذي لا تستعمل  فيه السياسة  ستارا  يخفي وراءه أصناما  خلقية  ولا تستجدي من وراء  صرخات الفضيلة  في اسلوبها اي(الدولة) ان ينسى الناس تسيبها  وسقوطها  في دنيا المبادىء  الفاسدة الكاملة.. السياسة عند الدولة  اذن ترتبط  قبل كل شيء ومع كل شيء  بالتزام رجل  الدولة الكامل  أمام نفسه  وامام فكره  ..ودون هذا الإلتزام  لا يتحقق لعمله  شيء من  الأصالة المرجوة  أو الصدق  المطلوب…فلا جرم  ان يكون من يمثل  الدولة  الحقيقية أحس  الناس  وأعمقهم حكمة  وحنكة..وأصحهم  إدراكا لخلال  الخير.. وخصال  علم السياسة ..والفضيلة..نقول  الفضيلة  ولا نخشى ان يهز  المواطن البسيط  رأسه إنكارا  فإن السياسة  أساسها صحة الادراك  الأخلاقي  والأدبي..ولست بواجد  مع مزيد من الاسف  سياسيا إلا  وفي مطاويه  إدراك أخلاقي  وادبي  صحيح..وعلى قدر  نصيب السياسي او من يدير  مقاليد  الدولة من صحة هذا الادراك  تكون  قيمة عمله …

التزام سياسي

وهذا هو الإلتزام  السياسي كما نفهمه  وكما نصر على  وجوده..واننا لا نقصد  بالالتزام الاخلاقي   والأدبي  عند السياسي مفهوم  الاخلاق  الديني او المجتمعي  بقدر ما نعني  مفهوم الالتزام  الحياتي  والخلقي الانساني فالمسألة  هنا  هي مسألة  مباديء تعمق  في المسؤول او السياسي او رجل الدولة  وتترجم عنها سيرته  العملية  ككل متكامل..وهذا هو  مدى الالتزام الذي ينبغي  ان يرتبط  به  كل من أمسك  زمام  أمور الدولة..او واجه  تجربة قيادة  مقاليد الحكم…. ولكن الوضع المأساوي  الذي يعيشه الشعب العراقي  في ظل  العملية السياسية  المتردية  دفعه  الى التصدي  لها بالسخرية اللاذعة  ..وباتت تلك العملية  السياسية تفقد قيمتها  ووزنها  بهروب رموزها  الى التأريخ  يختبئون وراء قصص  الاسلام  وصدرالاسلام وابطال الاسلام  وابتدعوا  الاسلام السياسي وبالتالي  دولة اشخاص يديرها  من هم  على عدد اصابع اليد  ويتناوبون على سدة الحكم  دون غيرهم..وليست  دولة مؤسسات..حتى اضاعوا  كيان الدولة ومقوماتها  حيث تحولت  إلى مذاهب وكتل طائفية  ومليشيات  منفلتة..وحصل خلل  في بنية  المنظومة السياسية  لتعمل على وفق  الاهواء  والتراضي وتأسيس حكومات  حسب  رؤى التكتلات والتحالفات  الطائفية  المقيتة والاقصاء  والتفرد  بالقرار مما دفع  الى الانشطار  والانهيار السياسي.. وبعد ستة عشر عاما  من العملية السياسية  في العراق لم يعد الصمت  من  ذهب كما كان في الماضي  ولكن تطور  الوعي عند الشعب  العراقي  وأخذ يفرض نفسه  وبسرعة مذهلة  ولا يكتم ضيقه..وكفى ان  يدور في  دوامة الازمات تلو الازمات  وتلكم العملية السياسية  تدور  في حلقات مفرغة  مفرزة شخصيات  استأثرت  بالسلطة ومعها  رجال دين  اغوتهم السياسة..بينما  الشعب  يعيش في عراء  دون  اية خدمات ومستلزمات  العيش  الكريم.. ان حكومة ينتشر  في مفاصلها  الفساد كأنتشار  النار  في الهشيم ليست جديرة بحمل الامانة والمسؤولية  وعليها  ان تقر بفشلها  وتستقيل!! وهكذا اذا وسد الامر الى غير  اهله  (الجديرين به ) فانتظروا الساعة…. ولا تكفي الحكومة  أن تكون قوية  حتى تستحوذ على  الممرات  التي تؤدي الى السيطرة  على مقدرات البلاد والعباد..فالقوة هنا  وحدها لا تكفي..إن القوة  هنا تعني  حصانا بلا لجام  ومركبة بلا مقود..إن قوة الحكومات  الحقيقية يجب ان تكمن  في كيفية  تأمين الأمن والأمان  والسلامة والسيطرة الحكيمة  على ادارتها  بالشكل الذي يوفر  أكبر قدر ممكن  من التلاحم  بين الشعب والسلطة..وبتوفر  القوة بلجام  ومقود ..يقابلها  أمانة الحكومة  أي ان تكون أمينة  صادقة  صميمية مع ابناء شعبها.. ومن الجدير بالذكر أن حسن  الحكومة وقبحها شيئان ثانويان..فالحكومة  الحسنة  ليست هي الملكية  ولا الجمهورية..ارستقراطية  كانت  او ديمقراطية..وانما  هي الحكومة الملائمة  للشعب  والأمينة على حاضره ومستقبله  وتسموا  بمكانته الانسانية  وتكريمه التكريم اللائق به..ورب العزة  الله الخالق  الباريء  المصور يقول (ولقد كرمنا  بني ادم  وحملناهم في البر والبحر  ورزقناهم  من الطيبات وفضلناهم  على كثير  ممن خلقنا تفضيلا)،…. وكيف اذا كانت الحكومة  مؤتمنة  على مصير شعب بكامله..حينئذ  يجب عليها  أن تلتزم بنظام  (التكليف  بالعمل ولا التشريف  حيث ترغم العامل  القوي الامين  على أن  يؤدي الواجب  القادر عليه  اذا احتاج المجتمع اليه.. وتأكيدا للقوة  والأمانة..نذكر مخاطبة  بنت شعيب  عليه السلام  اباها في شان موسى عليه السلام  (قالت احداهما يا ابت استأجره..إن خير من استأجرت القوي الأمين) .. والمراد بالقوة هنا  ..مايشمل  القوة الحسية البدنية..لأن المريض  أو الضعيف أو الناقص حسيا  لا يجيد اداء الواجب  المنشود  ويشمل القوة الذهنية  لأن هناك  اعمالا تتطلب طاقة  عقلية أو فكرية خاصة.. ويشمل ايضا قوة  الملاحظة  والمراقبة والانتباه..لأن بعض الواجبات يستلزم  انتباها  ويقظة ..وهذه الصفات  افتقدناها عند حراس  سجن مركز القناة في العاصمة بغداد  عند الهروب الجماعي  لتجار المخدرات  ومتعاطيها وتلك فضيحة  يندى لها الجبين… واما الامانة فيقصد بها الاخلاص  في العمل  مع الحصانة في الاخلاق  والصيانة  للتبعات ومخافة الله تعالى  في كل الأمور  لأن هذه الامانة  هي التي تحقق مرتبة(الاحسان )،فالاحسان  ان تعبد الله كأنك تراه..فإن لم  تكن تراه  فانه يراك… وأخيرا رسالتنا الى  الحكومات العراقية المتعاقبة  ان تخشى الله  وتحتكم  الى الضمير اليقظ..ونهوض فاعل  بالرعاية لكل ما في  عهدة الانسان  من شيء حسي  او معنوي على قاعدة(كلكم راع  وكل راع  مسؤول عن  رعيته )ومن هذا المنطلق على الحكومات المعنية  ان تضع  القوي الأمين على خزائن المال العام  كما عبر عن هذا المفهوم  يوسف عليه السلام  فقال لحاكم مصر  على عهده  (اجعلني على خزائن  الارض..اني  حفيظ عليم، )..والحفظ  للشيء يتحقق  عن طريق الاقتدار  عليه..الاقتدار  يستلزم القوة والعلم الصادق  الناشيء  عن المعرفة المستقيمة  يؤدي  الى الاخلاص والامانة والتقدير الواعي للواجبات..

اما بعد..فإن الاضواء  التي تشعها القوة والأمانة كثيرة وغزيرة  يضيق عنها  مجال  مهما امتد..أو مقال  مهما طال..!!

مشاركة