دور منظمات المجتمع المدني في حماية الطفولة – اسراء حميد غريب الحمداني

دور منظمات المجتمع المدني في حماية الطفولة – اسراء حميد غريب الحمداني

ثابت في كل العلوم ان الانسان مدني بطبعه لا يسعه العيش منفردا منعزلا ولا سيما في العصر الراهن الذي اتسعت فيه حاجة الانسان الى غيره فوجدت منظمات دولية عالمية واقليمية تعمل في خدمة حقوق الانسان وحرياته وعلى رأسها منظمة الامم المتحدة كما وجدت بجانبها منظمات المجتمع المدني وهي تلك المنظمات التي تعرف بانها منظمات تطوعية وغير حكومية وغير هادفة للربح يؤسسها مجموعة من الافراد لإشباع حاجات الناس في المجتمع ومواجهة المشكلات التي تواجههم في حياتهم اليومية سواء لأنفسهم او للأخرين، ولقد وجدت تلك المنظمات بكثرة في العراق لا سيما في اعقبا احداث 2003 وما تبعها من تطورات على الصعيد الوطني والعالمي تعمل في خدمة المجتمع ككل وتستهدف تحقيق حياة اكثر سهولة ويسر على الجميع ومنها تلك التي تعمل في مجال الطفولة او تخصص جزء من اهدافها لرعاية الطفولة فتقوم بالعمل على تطوير الطفل تعليميا وتربويا حتى تخلق منه فرد صالح للمجتمع وتعمل ضد عمل الاطفال وحرمانهم من طفولتهم في سن مبكر، تقوم مؤسسات المجتمع المدني بتربية النشأ وإعدادهم لقيادة المستقبل، ولقد كان عمل المجتمع المدني في الاسلام سباقًا في هذا المضمار من لدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى  يومنا هذا؛ فمنذ البعثة المحمدية ورسول الله قائم بين أظهرهم يعلمهم ويعظهم ويرشدهم، وما كانت المؤسسات المجتمعية الموجودة اليوم في جميع أنحاء الأمة الإسلامية إلا امتدادا للمدرسة المحمدية النبوية التي تخرج منها أنبل الخلق وأشرفهم وأقومهم خلقًا وأبعدهم عن الجرائم والموبقات، ولقد كان النبي صلي الله عليه وسلم دائم التفقد لأحوال أمته وهكذا خلفائه من بعده؛ فللمجتمع الإسلامي أهداف سامية يسعى من خلال تربية النشء وتعليمهم وحماية الاطفال من براثن المجتمع التي تطرأ عليه مع تطور الزمان واستهداف تطلعات في الاطفال بغية إلى تحقيقها؛ ويقوم المجتمع المدني من خلال القائمين عليه من ذوي الخبرة والكفاءة بنصح المسؤولين وإرشادهم إلى أفضل السبل في سبيل منع الجرائم تجاه الاطفال من خلال التمسك بمكارم الأخلاق وفرضها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يؤدي المجتمع المدني دورًا هامًا في سبيل تثقيف المجتمع وارشادهم إلى اتباع الأمور الدينية وعدم الحيدة عن تعاليم الاخلاق السمحة وارتكاب الجريمة ومجاراة مقترفيها والابتعاد عن طرقها وأوغالها ، كما اعتنت المؤسسات المدنية التي مرجعها ديني وخلقي بتوجيه أفرادها وحث أتباعها على إتباع ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، والبعد عما يضرهم ويهدم مجتمعهم من الجرائم والموبقات ويستمر في ذلك من خلال التوجيه والوعظ والتنبيه والارشاد ، وقد حرصت الشريعة الاسلامية على استمرار دور المسجد والمؤسسات الدينية قاطبة في هذا الدور؛ فقد استمر منذ عصر الإسلام الأول، والمسجد وظيفته إرشادية وتنوميه .

عمل مدني

وامر العمل المدني وان كان شديد الاهمية والوطأة في المجتمع ككل فانه على الطفل اشد اهمية اذ هو المستقبل القريب والمرتقب من هذا العمل واول ما يجب على تلك المؤسسات ان تقوم به هو تعبيد الطرق امام الاطفال حتى يكونوا افرادا صالحين في مجتمعهم وذلك بالعناية بتعليمهم وتربينهم وتنشئتهم على الاخلاق الحميدة ومنع عمل الاطفال واستغلالهم اذ تشكل المنظمات غير الحكومية قوة اساسية في حماية وتعزيز حقوق الاطفال وابعادهم عن براثن الجريمة يساعدها في ذلك المشرع الجنائي بالقوانين المخاطبة للطفل وقانون الاحداث لقد حددت التجربة الواسعة والدراسات الأكاديمية ثلاثة على الأقل من أنواع منع الجريمة أثبتت فعاليتها في خفض معدلات الجريمة، إما باستعمالها كلًّا على حدة أو مجتمعة، وهذه الأنواع هي: منع الجريمة الاجتماعي والقائم على المجتمع ومنع الجريمة المبني على الموقف.وتحاول استراتيجيات منع الجريمة الاجتماعية ز?ادة رفاهية الاطفال؛ فبزيادة سبل الحصول على السلع الاجتماعية كالصحة والبيئة الآمنة الصحية والوظيفة والتعليم، يهدف منع الجريمة الاجتماعي إلى تقليل العوامل التي تدفع المواطنين المهمشين إلى التطلع للجريمة كخيار مهني قابل للبقاء.ويهدف منع الجريمة القائم على المجتمع كذلك إلى تغيير الأحوال في الأحياء المحرومة ذات مستويات التماسك الاجتماعي المنخفضة؛ حيث تكون احتمالات الانخراط في الجريمة أو الوقوع ضحية لها عالية، ويهدف منع الجريمة المبني على الموقف إلى تقليل فرص ومحفزات ارتكاب الجرم، مما يزيد إلى أقصى حد احتمالات التعرض للاعتقال، ويقلل إلى أدنى حد منافع الجريمة.

وإن التلفزيون يستطيع من خلال قوة انتشاره وذيوعه أن يساهم في مجال وقاية المجتمع من الجريمة وذلك من خلال التوسع في البرامج والأعمال التلفزيونية التي تعالج المشكلات الاجتماعية وتسهم في نشر القيم الايجابية لدى مختلف فئات المجتمع وزيادة البرامج المتخصصة في مجال التوعية الأمنية, وذلك يكون بالتنسيق مع الجهات المعنية بوزارة الداخلية إضافة إلى تدعيم الجهود المبذولة لرفع كفاءة العاملين في مجال الإعلام الأمني، ودعا الملا أيضًا الى زيادة الاهتمام بالأعلام الموجه الى الجاليات غير الناطقة بالعربية وبصفة خاصة الاعلام المرتبط بالتوعية الامنية, وذلك عن طريق تدعيم جهود التعاون والتنسيق بين مختلف وسائل الإعلام التي تخاطب غير الناطقين بالعربية والتوسع في برامج التوعية التي تعرف الجاليات المعنية بقيم وعادات المجتمع الى جانب القوانين السارية بالدولة وتنظيم بعض الحملات الإعلامية المكثفة المرتبطة ببعض الأمور التي تعني هذه الجاليات بصفة أساسية، والتي تدخل في صميم عملية التوعية الأمنية ووقاية المجتمع ضد الجريمة.لقد أظهرت نتائج البحوث التي أجريت في السنوات الأخيرة مدى محدودية أثر العمل التقليدي في الحد من تزايد معدلات الجريمة تجاه الطفل والواقعة منه، وكذلك أكدت الدراسات الإحصائية فشل سياسة الردع العقابي في تحقيق الأهداف المطلوبة منها والمتمثلة في رعباة الطفل وحمايته من الوقوع في براثن الجرائم ووقايته مما قد يقع عليه من افعال يعدها القانون والمجتمع جريمة في حقه،  ومن هنا لم تعد أجهزة الشرطة والعدالة الجنائية في أي مجتمع من المجتمعات ومنها العراق  قادرة مهما أتيح لها من إمكانيات على الوقاية من الجريمة ومواجهة تيارها الجارف الآخذ في النمو والتحول النوعي نحو العنف، والاستخدام الذكي والسريع لمعطيات العصر التقنية والمادية.

وبصدد ذلك قد استخلص بعض الباحثين عدة اتجاهات حديثة للوقاية من الجريمة، وهذه الاتجاهات ليست منفصلة، بل هي مترابطة ومتسقة ويجب أن تنفذ في آن واحد.

الاتجاه الأول

ويهدف هذا الاتجاه إلى الوقاية من الجريمة من خلال تصميم البيئة وتغييرها تغييرًا من شأنه تقليل فرص ارتكابها لتثبيط عزم المجرمين المحتملين، ولتحقيق هدف الوقاية من الجريمة من خلال هذا الاتجاه، يرى البعض أن ارتكاب الجريمة ليس مرتبطًا فقط بالسمات البيولوجية والنفسية للمجرم، ولا العوامل الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع بل يرتكز أيضًا على العوامل الموقفية التي تؤثر على ارتكاب الجريمة.

وتتحقق الوقاية من الجريمة وفقًا لهذا الاتجاه من خلال إعادة النظر في أساليب تخطيط المدن والتصميمات المعمارية على نحو يصعب ارتكاب الجرائم أو يقلل فرص ارتكابها.

الاتجاه الثاني

ويقصد هذا الاتجاه اتخاذ تدابير وقائية فعالة لحماية ضحايا الجريمة المحتملين؛ إذ أظهرت الدراسات والبحوث أهمية دور المجني عليه في ارتكاب الجريمة؛ فالمجني عليه في كثير من الأحيان يخلق بسلوكه وأفعاله هذه المغريات، وهذه المنبهات التي ستحث المجرم الكامن على التحرك وستدفعه إلى الانقضاض على فريسته.

وأصحاب هذا الاتجاه يرون أن من الواجب اتخاذ تدابير وقائية فعالة لحماية ضحايا الجريمة المحتملين بشتى الطرق مثل استخدام وسائل الإعلام والتوعية والتعليم بهدف تغيير سلوكهم أو حثهم على أخذ الاحتياطات الواجبة لحماية أنفسهم وأموالهم ضد الاعتداء.

الاتجاه الثالث

يهدف هذا الاتجاه إلى العمل على إجراء تغييرات اجتماعية جذرية؛ حيث قد ثبت من خلال التجارب التاريخية أن الجريمة الناتجة عن المشاكل الاجتماعية لا يمكن حلها بقانون العقوبات؛ ذلك أن هناك بالفعل جرائم (كالثأر وإدمان المخدرات) لم تفلح القوانين والعقوبات الشديدة القسوة في القضاء عليها أو الحد منها، ويتطلب علاج مثل هذه المشكلات حلولاً اجتماعية تعالج الجذور، وتسعى إلى منع الأسباب والظروف التي تخلق الدوافع لارتكاب الجرائم.

والطريق الصحيح إلى هذه التغييرات إنما يكون عن طريق مشاركة الجماهير والمؤسسات في تنمية المجتمعات المحلية اقتصاديًا واجتماعيًا، ومن الضروري أن تتكون قناعة كاملة لدى جميع أفراد المجتمع مؤداها أن كثيرًا من مشكلات مجتمعهم حلها في يدهم، وبجهودهم الشخصية، وأن مجرد إزاحتها عن كاهلهم ووضعها على كاهل الحكومات إنما هو هروب لن يحل هذه المشكلات.

جامعة الفلوجة –كلية الادارة والاقتصاد