دور تركي منفتح إقليمياً ودولياً على الشرق الأوسط الجديد – فارس الخطاب

 

تولي‭ ‬تركيا‭ ‬أهمية‭ ‬مركزية‭ ‬لمنطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬باعتباره‭ ‬العمق‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬لأمنها‭ ‬القومي‭ ‬العسكري‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬وسعت‭ ‬أنقرة‭ ‬خلال‭ ‬عقود‭ ‬مضت‭ ‬عبر‭ ‬بوابات‭ ‬الطرق‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المرنة‭ ‬والأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ثم‭ ‬الخيارات‭ ‬العسكرية،‭ ‬لضمان‭ ‬مصالحها‭ ‬الحيوية‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وخاصةً‭ ‬مع‭ ‬الدول‭ ‬المحاددة‭ ‬لها؛‭ ‬حيث‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬ملفات‭ ‬عديدة‭ ‬معها‭ ‬كحقيقة‭ ‬جغرافية‭ ‬وتاريخية‭ ‬وعسكرية‭ ‬تربطها‭ ‬بهذه‭ ‬الدول‭ ‬امتدت‭ ‬لقرون‭ ‬عديدة‭ ‬وزاد‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬الدور‭ ‬التركي‭ ‬المؤثر‭ ‬وتصاعده‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الثلاث‭ ‬الأخيرة‭ ‬تراجع‭ ‬قدرات‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬مهمة‭ ‬كالعراق‭ ‬وسوريا‭.‬

علاقات‭ ‬تركيا‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬السعي‭ ‬لإحلال‭ ‬السلام‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬المشاكل‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬قربها‭ ‬أو‭ ‬بعدها‭ ‬عن‭ ‬حدودها‭ ‬وفي‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬طرح‭ ‬نفسها‭ ‬كشريك‭ ‬استثماري‭ ‬يمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬بقدراته‭ ‬بما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لتركيا‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وبخاصة‭ ‬الإقليمية‭ ‬منها،‭ ‬مفتاح‭ ‬النجاح‭ ‬في‭ ‬تمكينها‭ ‬من‭ ‬الولوج‭ ‬إلى‭ ‬دوله‭ ‬كقوة‭ ‬مركزية‭ ‬اقتصادية‭ ‬هائلة‭ ‬،‭ ‬ومثلما‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬دور‭ ‬مهم‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬،‭ ‬نجحت‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬مطاردة‭ ‬أعدائها‭ ‬أو‭ ‬مواجهتهم‭ ‬عسكرياً‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ ‬المحظور‭ ‬وأيضا‭ ‬خلال‭ ‬أزمتها‭ ‬مع‭ ‬اليونان‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬بسبب‭ ‬تنازع‭ ‬البلدين‭ ‬حول‭ ‬جزر‭ ‬في‭ ‬بحر‭ ‬إيجة‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬1987‭  ‬و‭ ‬1996‭ ‬،‭ ‬بما‭ ‬أظهر‭ ‬قدراتها‭ ‬عسكرياً‭ ‬وجرأة‭ ‬قيادتها‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬الضامنة‭ ‬لسيادة‭ ‬تركيا‭ ‬ومصالحها‭. ‬اقتصاديا‭ ‬وبحسابات‭ ‬منهجية‭ ‬دقيقة‭ ‬سعت‭ ‬أنقرة‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬حدة‭ ‬التحسس‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬العربي‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬في‭ ‬التوجه‭ ‬التركي‭ ‬محاولة‭ ‬‮«‬لعثمنة‮»‬‭ ‬المنطقة‭ ‬عبر‭ ‬بوابات‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬فنجحت‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬مجالس‭ ‬تعاون‭ ‬اقتصادية‭ ‬إستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬العراق‭ ‬،‭ ‬سوريا‭ ‬،‭ ‬الأردن‭ ‬ولبنان‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬حققت‭ ‬نجاحا‭ ‬لافتا‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬تطوراً‭ ‬متسارعاً‭ ‬وصل‭ ‬إلي‭ ‬حدود‭ ‬إنشاء‭ ‬منتدى‭ ‬تركي‭- ‬خليجي‭ ‬عربي‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬مظاهر‭ ‬التوافق‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستثمار‭ ‬متعدد‭ ‬التخصصات‭ ‬الصناعية‭ ‬،الزراعية‭ ‬،السياحية‭ ‬والعسكرية‭.  ‬وسلطت‭ ‬المتغيرات‭ ‬الجذرية‭ ‬في‭ ‬الشأن‭ ‬السوري‭ ‬والدور‭ ‬التركي‭ ‬بشقيه‭ ‬المعلن‭ ‬وغير‭ ‬المعلن‭ ‬في‭ ‬التحضير‭ ‬لعوامل‭ ‬نجاح‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬المعارضة‭ ‬لنظام‭ ‬الرئيس‭ ‬المخلوع‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬في‭ ‬السيطرة‭ ‬وبشكل‭ ‬سريع‭ ‬ولافت‭ ‬على‭ ‬دمشق‭ ‬والمحافظات‭ ‬والمدن‭ ‬السورية،‭ ‬وأيضاً‭ ‬في‭ ‬تهيئة‭ ‬الأرضية‭ ‬السياسية‭ ‬لقبول‭ ‬هذه‭ ‬المتغيرات‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬دول‭ ‬اقليمية‭ ‬وعالمية‭ ‬باستثناء‭ ‬إيران‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬وفق‭ ‬رؤى‭ ‬هذه‭ ‬الفصائل‭ ‬ومن‭ ‬ورائها‭ ‬تركيا‭ ‬الداعم‭ ‬الأساس‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭ ‬طيلة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬سنة‭. ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬أبرز‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وخطير‭ ‬الدور‭ ‬التركي‭ ‬المتوقع‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬حظي‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬باهتمام‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مراكز‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدراسات‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬والغربية،‭ ‬كما‭ ‬شكل‭ ‬خارطة‭ ‬طريق‭ ‬جديدة‭ ‬لعلاقات‭ ‬أنقرة‭ ‬مع‭ ‬منظومة‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتهم‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬ودولة‭ ‬الإمارات‭ ‬العربية‭ ‬المتحدة‭ ‬ودولة‭ ‬قطر‭ ‬،‭ ‬ولعدة‭ ‬أسباب‭ ‬أهمها‭ ‬المتغيرات‭ ‬الإيجابية‭ ‬الحاصلة‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬وبدعم‭ ‬تركي‭ ‬مثل‭ ‬تطوراً‭ ‬نوعياً‭ ‬كبيراً‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬الواقع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والذي‭ ‬تمثل‭ ‬بإنهاء‭ ‬الدور‭ ‬الإيراني‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بما‭ ‬يعنيه‭ ‬من‭ ‬انحسار‭ ‬لمشروعها‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ .‬

تركيا‭ ‬الناجحة‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬كالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وروسيا‭ ‬ومعظم‭ ‬دول‭ ‬الإتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬سعت‭ ‬لتعزيز‭ ‬نفوذها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسة‭ ‬خارجية‭ ‬نشطة،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والقوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬والأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬لمعالجة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬معضلات‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬التركي‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬الجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬مثل‭ ‬وحدات‭ ‬حماية‭ ‬الشعب‭ (‬YPG‭)‬،‭ ‬وحزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردستاني‭ (‬PKK‭). ‬وتقف‭ ‬قضية‭ ‬الجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬المسلحة‭ ‬المعارضة‭ ‬للدولة‭ ‬التركية‭ ‬والتي‭ ‬تصنفها‭ ‬كجماعات‭ ‬إرهابية،‭ ‬كإحدى‭ ‬العوامل‭ ‬الرئيسية‭ ‬الدافعة‭ ‬للتحرك‭ ‬التركي‭ ‬بثقله‭ ‬المشهود‭ ‬في‭ ‬حسم‭ ‬الأمور‭ ‬لصالح‭ ‬الفصائل‭ ‬السورية‭ ‬المسلحة،‭ ‬الجماعات‭ ‬الكردية‭ ‬المعارضة‭ ‬لتركيا‭ ‬التي‭ ‬حصلت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬سياسي‭ ‬أمريكي‭ – ‬إسرائيلي‭ ‬تمثل‭ ‬بالاعتراف‭ ‬والدعم‭ ‬اللوجستي‭ ‬لقوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديمقراطية‭ (‬قسد‭)‬،‭ ‬هذه‭ ‬القوات‭ ‬مثلت‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الأسد‭ (‬عقدة‭) ‬الوفاق‭ ‬الوطني‭ ‬السوري،‭ ‬لكن‭ ‬تركيا‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬ترفض‭ ‬أي‭ ‬صيغة‭ ‬تمنح‭ ‬الأكراد‭ ‬دورا‭ ‬موسعا‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬باتت‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬تجاهل‭ ‬القضية‭ ‬الكردية‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬خيارا‭ ‬عمليا‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬نجاحها‭ ‬في‭ ‬إقناع‭ ‬زعيم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الكردي‭ ‬المسجون‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬عبدالله‭ ‬أوجلان‭ ‬بتوجيه‭ ‬رسالة‭ ‬حث‭ ‬فيها‭ ‬مقاتلي‭ ‬حزبه‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬السلاح‭ ‬وحظر‭ ‬نشاطه‭ ‬العسكري‭ ‬؛‭ ‬لذلك‭ ‬شجعت‭ ‬أنقرة‭ ‬دمشق‭ ‬بمنح‭ ‬الأكراد‭ ‬حقوقاً‭ ‬متساوية‭ ‬مع‭ ‬بقية‭ ‬مكونات‭ ‬الشعب‭ ‬السوري،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تعكس‭ ‬توازنا‭ ‬جديدا‭ ‬في‭ ‬تعاملها‭ ‬مع‭  ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬،‭ ‬وكان‭ ‬ثمرة‭ ‬ذلك‭ ‬التوجه‭ ‬التركي‭ ‬توقيع‭ ‬الرئيس‭ ‬السوري‭ ‬أحمد‭ ‬الشرع‭ ‬وقائد‭ ‬قوات‭ ‬سوريا‭ ‬الديموقراطية‭ ‬مظلوم‭ ‬عبدي‭ ‬اتفاقا‭ ‬يقضي‭ ‬‮«‬بدمج‮»‬‭ ‬كافة‭ ‬المؤسسات‭ ‬المدنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬التابعة‭ ‬للإدارة‭ ‬الذاتية‭ ‬الكردية‭ ‬والحقول‭ ‬النفطية‭ ‬والمنافذ‭ ‬الحدودية‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬الدولة‭ ‬السورية‭ ‬وتحت‭ ‬نظام‭ ‬المواطنة‭ ‬المتساوية‭.‬

لقد‭ ‬عززت‭ ‬مجريات‭ ‬الأمور‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬تركيا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد،‭ ‬فالقوتان‭ ‬الكبيرتان‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬الأسد‭ ‬إيران‭ ‬وروسيا،‭ ‬تعاملوا‭ ‬مع‭ ‬الدخول‭ ‬التركي‭ ‬المحكم‭ ‬لسوريا‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬الواقعية‭ ‬بغية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفوذهما‭ ‬هناك‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تستقر‭ ‬الأوضاع‭ ‬وتتوضح‭ ‬صورة‭ ‬الموقف‭ ‬المضطرب‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البلد‭ ‬،‭ ‬ومع‭ ‬انحسار‭ ‬المشروع‭ ‬الإيراني‭ ‬وتصاعد‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬ولبنان‭ ‬وسوريا‭ ‬وربما‭ ‬إيران‭ ‬،‭ ‬تبقى‭ ‬تركيا‭ ‬الضامن‭ ‬الوحيد‭ ‬لدول‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬الركون‭ ‬إليها‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬واشنطن‭ ‬وتل‭ ‬أبيب‭ ‬لإيقاف‭ ‬هستيريا‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والضغط‭ ‬باتجاه‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬خلال‭ ‬عملياتها‭ ‬الدموية‭ ‬والتدميرية‭ ‬ضد‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭. ‬وإسرائيل‭ ‬بالمناسبة‭ ‬ترى‭ ‬وتراقب‭ ‬النفوذ‭ ‬التركي‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بحذر‭ ‬شديد‭ ‬حيث‭ ‬تقدر‭ ‬إسرائيل‭ ‬أهمية‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬وضرورة‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بخصوصية‭ ‬لتجنب‭ ‬المشاكل‭ ‬الجدية‭ ‬معها؛‭ ‬فآخر‭ ‬ما‭ ‬تخشاه‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬أن‭ ‬تحادد‭ ‬تركيا‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬سوريا،‭ ‬كما‭ ‬تولي‭ ‬موضوع‭ ‬الشراكة‭ ‬الإستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬دمشق‭ ‬وأنقرة‭ ‬والتي‭ ‬تشكل‭ ‬قضية‭ ‬إنشاء‭ ‬قواعد‭ ‬دفاع‭ ‬جوي‭ ‬تركية‭ ‬عاجلة‭ ‬وسط‭ ‬البلاد‭ ‬لحماية‭ ‬الأجواء‭ ‬السورية‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المتابعة‭ ‬،‭ ‬وهذا‭ ‬يفسر‭ ‬قيام‭ ‬إسرائيل‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬نجاح‭ ‬الثورة‭ ‬السورية‭ ‬بشن‭ ‬عمليات‭ ‬عسكرية‭ ‬عديدة‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬كما‭ ‬إقتضمت‭ ‬مناطق‭ ‬أخرى‭ ‬تشكل‭ ‬مواقع‭ ‬إستراتيجية‭ ‬عسكرية‭ ‬مهمة‭ ‬داخل‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سعيها‭ ‬إثارة‭ ‬ما‭ ‬يزعزع‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬داخل‭ ‬سوريا‭ ‬لمشاغلة‭ ‬تركيا‭ ‬عبرها‭ ‬تحسباً‭ ‬لأية‭ ‬تطورات‭ ‬جيوسياسية‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ .‬

العراق‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬أدواراً‭ ‬متعددة‭ ‬للميليشيات‭ ‬الموالية‭ ‬لإيران‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬تعتبر‭ ‬تركيا‭ ‬نداً‭ ‬عقائدياً‭ ‬لها‭ ‬،‭ ‬تحرك‭ ‬رسمياً‭ ‬لكسب‭ ‬ود‭ ‬أنقرة‭ ‬لإسباب‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإطلاق‭ ‬الحصص‭ ‬المائية‭ ‬لنهري‭ ‬دجلة‭ ‬والفرات‭ ‬،‭ ‬وأخرى‭ ‬لكبح‭ ‬جماح‭ ‬المليشيات‭ ‬الكردية‭ ‬التركية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬العراق‭ ‬وفسح‭ ‬المجال‭ ‬الجوي‭ ‬والأرضي‭ ‬والاستخباراتي‭ ‬لتركيا‭ ‬لملاحقتها‭ ‬مع‭ ‬منحها‭ ‬التراخيص‭ ‬لإقامة‭ ‬معسكرات‭ ‬لقواتها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬حيوية‭ ‬بحافظات‭ ‬دهوك‭ ‬ونينوى‭ ‬كمنطلقات‭ ‬لإعمال‭ ‬عسكرية‭ ‬دائمة‭ ‬،‭ ‬ومع‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬تعلن‭ ‬دانتها‭  ‬لبعض‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬التركية‭ ‬داخل‭ ‬العمق‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬كردستان‭ ‬العراق‭ . ‬وأيضا‭ ‬توسع‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وزيادة‭ ‬الحضور‭ ‬العسكري‭ ‬والاستخباراتي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الشمال‭ ‬العراقي،‭ ‬لكن‭ ‬بذات‭ ‬الوقت‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أوراق‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬أنقرة‭ ‬لثنيها‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الاختراقات‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬موازين‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬والتي‭ ‬قدرت‭ ‬بـ‭(‬20‭) ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬والمشروع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬الكبير‭ ‬المتمثل‭ ‬بـ‭(‬طريق‭ ‬التنمية‭) ‬لربط‭ ‬ميناء‭ ‬الفاو‭ ‬العراقي‭ ‬بالحدود‭ ‬التركية‭ ‬بسكك‭ ‬حديد‭ ‬وطرق‭ ‬برية‭ ‬بقيمة‭ ‬17‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬

إيران‭ ‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬حتى‭ ‬يوم‭ ‬سيطرة‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬السورية‭ ‬على‭ ‬دمشق‭ ‬،‭ ‬تمثل‭ ‬القوة‭ ‬الرئيسة‭ ‬لنظام‭ ‬الأسد‭ ‬بما‭ ‬تعنيه‭ (‬القوة‭) ‬من‭ ‬معانٍ‭ ‬أمنية‭ ‬واستخباراتية‭ ‬واجتماعية‭ ‬وعقائدية‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬،‭ ‬وخلال‭ ‬أيام‭ ‬معدودة‭ ‬وبشكل‭ ‬دراماتيكي‭ ‬انهارت‭ ‬هذه‭ (‬القوة‭) ‬لتحل‭ ‬محلها‭ ‬تركيا‭ ‬،‭ ‬وبشكل‭ ‬أكثر‭ ‬إحكاماً‭ ‬وتحكماً‭ ‬بمجريات‭ ‬الأمور‭ ‬وبات‭ ‬الدور‭ ‬التركي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الوزن‭ ‬والتأثير‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السوري‭ ‬والإقليمي‭ ‬هو‭ ‬الأبرز‭ ‬والأكثر‭ ‬تنظيماً‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬تتميز‭ ‬أنقرة‭ ‬عن‭ ‬طهران‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬الإيجابي‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬والمحلية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قدراتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬دون‭ ‬الولوج‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬مذهبية‭ ‬طائفية‭ ‬ميزت‭ ‬الحراك‭ ‬الإيراني‭ ‬،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ترحب‭ ‬خصوصاً‭ ‬بوجود‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬فترته‭ ‬الرئاسية‭ ‬الثانية‭ ‬بسوريا‭ ‬المتوافقة‭ ‬مع‭ ‬تركيا‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬تحجيم‭ ‬دور‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬سياسات‭ ‬ترامب‭ ‬المعلنة‭ ‬تجاه‭ ‬طهران‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬ستتبعها‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬ستعني‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬تمكين‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬الولوج‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭ ‬لإن‭ ‬أية‭ ‬عمليات‭  ‬عسكرية‭ ‬ستوجه‭ ‬نحو‭ ‬إيران‭ ‬ستعني‭ ‬تفرّد‭ ‬أنقرة‭ ‬لمشهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬المقبل‭ .‬

لقد‭ ‬حرصت‭ ‬تركيا‭ ‬على‭ ‬تطمين‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬بموضوع‭ ‬ملأ‭ ‬الفراغ‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬بعد‭ ‬سقوط‭ ‬بشار‭ ‬الأسد‭ ‬لضمان‭ ‬مصالح‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬،‭ ‬ووقفت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬المؤيدين‭ ‬لهذا‭ ‬التغيير‭ ‬وكذلك‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬التي‭ ‬رأت‭ ‬ضرورة‭ ‬دعم‭ ‬السلطات‭ ‬الجديدة‭ ‬دولياً‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضي‭ ‬سوريا،‭ ‬ومنع‭ ‬الجماعات‭ ‬المتطرفة‭ ‬من‭ ‬نشر‭ ‬الفوضى‭ ‬فيها‭ ‬والمنطقة،‭ ‬ونجحت‭ ‬تركيا‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التعاون‭ ‬مع‭ ‬الرياض‭ ‬لتنسيق‭ ‬رؤية‭ ‬مشتركة‭ ‬لمستقبل‭ ‬سوريا‭ ‬ومنع‭ ‬أي‭ ‬صراع‭ ‬نفوذ‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬توترات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬هذا‭ ‬التنسيق‭ ‬يعني‭ ‬فيما‭ ‬يعنيه‭ ‬كسب‭ ‬الاهتمام‭ ‬الدولي‭ ‬لرفع‭ ‬العقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬سوريا‭ ‬الأسد‭ ‬والتعامل‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬بإيجابية‭ ‬ودعم‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬البلاد‭ ‬وتقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬للشعب‭ ‬السوري،‭ ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ليكون‭ ‬قبل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬نجاعة‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬التركية‭ ‬الفاعلة‭ ‬أتت‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬التركي‭ ‬الخليجي‭ ‬بوضوح‭. ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬والعالم‭ ‬يسمع‭ ‬ترديد‭ ‬دول‭ ‬كبرى‭ ‬ومؤسسات‭ ‬بحثية‭ ‬عديدة‭  ‬،‭ ‬ما‭ ‬سمي‭ ‬بالـ‭ ‬‮«‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‮»‬‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬التلميحات‭ ‬أو‭ ‬الإعلانات‭ ‬بصيغها‭ ‬المختلفة‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬قادة‭ ‬تحركوا‭ ‬فعلاً‭ ‬تجاه‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بهدف‭ ‬تغييره‭ ‬مثل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الأسبق‭ ‬جورج‭ ‬دبليو‭ ‬بوش‭ ‬ووزراء‭ ‬خارجيته‭ ‬والدفاع‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إفادات‭ ‬وتهديدات‭ ‬قادة‭ ‬إسرائيليون‭ ‬ومحللون‭ ‬سياسيون‭ ‬ومراكز‭ ‬دراسات‭ ‬المستقبلات‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬ظن‭ ‬الكثيرون‭ ‬عام‭ ‬2003‭  ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ستكون‭ ‬لاعباً‭ ‬أساسيا‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬قوى‭ ‬هذا‭ ‬الشرق‭ ‬الجديد‭ ‬بحسب‭ ‬القدرات‭ ‬التي‭ ‬منحتها‭ ‬لها‭ ‬ظروف‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬واحتلال‭ ‬العراق‭ ‬والتسهيلات‭ ‬الأمريكية‭ ‬لانسياحها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬وسواها،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحسن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬المتغير‭ ‬وسعت‭ ‬إلى‭ ‬تأسيس‭ ‬مشروعها‭ ‬الشرق‭ ‬أوسطي‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬تصدير‭ ‬الثورة‮»‬‭ ‬بما‭ ‬تسبب‭ ‬في‭ ‬زعزعة‭ ‬الأمن‭ ‬الاقليمي‭ ‬وظهور‭ ‬التيارات‭ ‬الجهادية‭ ‬الإرهابية‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الشرق‭ ‬الاوسط‭ ‬منطقة‭ ‬غير‭ ‬آمنة‭ ‬ومصدراً‭ ‬للإرهاب‭ ‬،‭ ‬لهذا‭ ‬السبب‭ ‬،‭ ‬ومع‭ ‬تطلعها‭ ‬النووي‭ ‬الغير‭ ‬مرغوب‭ ‬به‭ ‬دولياً‭ ‬وإقليمياً‭ ‬،‭ ‬فإن‭ ‬الدور‭ ‬التركي‭ ‬بإسلامه‭ ‬العلماني‭ ‬القابل‭ ‬للعيش‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬وتحالفاته‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مع‭ ‬حلف‭ ‬شمال‭ ‬الأطلسي‭ ‬وعلاقاته‭ ‬الوثيقة‭ ‬مع‭ ‬المنظومة‭ ‬الغربية‭ ‬والشرقية‭ ‬وأيضاً‭ ‬محيطه‭ ‬العربي‭ ‬وتميزه‭ ‬اقتصاديا‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الفاعلة‭ ‬عالمياً‭ ‬وإقليمياً‭  ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬الخيار‭ ‬الأمثل‭ ‬لشرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‭ ‬تعاد‭ ‬به‭ ‬موازنات‭ ‬المنطقة‭ ‬وتتحدد‭ ‬فيه‭ ‬آمال‭ ‬وتطلعات‭ ‬دوله‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بظهور‭ ‬مناطق‭ ‬اقتصادية‭ ‬هائلة‭ ‬تجعل‭ ‬طريق‭ ‬السلام‭ ‬والاستقرار‭ ‬والأمن‭ ‬غاية‭ ‬جميع‭ ‬دوله‭.‬