دوامة كورونا – يحيى صديق يحيى

529

 

 

 

 

دوامة كورونا – يحيى صديق يحيى

أقسى ما في الحياة من مرار، معاناة الانسان من رعب عدو غير مرئي يتربص به. كيف يمكن أن يعيش وهو يشعر بأن عدوه يشاركه أنفاسه، يحتل جسده ويعتاش عليه، دون أن يملك هو أو من حوله، مهما كانت قوته وجبروته، درء خطره عنه، أي عدو..؟!. نقرأ الأرقام الصادمة للضحايا، فيما الوصايا تتدفق علينا عبر وسائل تكنولوجيا الاتصالات، تحذرنا من الوباء، فهو وراءك وراءك، يخاتلك، يتسلل إلى بيتك، ملابسك، مقابض الأبواب، العملة، السيارات، العابرين قربك.. الوباء يداهمك أين ما تكون. وبينما نحاول دفع ضره عنا، يفاجئنا بظهوره في أماكن لم نكن نتوقعها يوما بعد يوم، مبديا  قدرات عجائبية، فالكل أمامه سواء لا يفرق بين زعيم ورئيس وانسان عادي، غني وفقير.. تجربة العيش في ظل الحرب في الموصل، كانت تجربة قاسية ومؤلمة، لا نملك إلا أن نذكرها دوماً.. كنا نتطلع كل صباح، لنرى بحسب ماتتيحه ضراوة القصف، إلى ناصية الشارع، عبر شباك المطبخ، أو ثلمة في الباب أحدثها القصف. في الأيام الأخيرة لم يعد لدينا باب، هل سكتت المدافع، هل ثمة أمل بالخلاص، لكنا نفاجأ بأصوات آلات الحرب تدوي من جديد، وكان علينا أن نلبث في عذاب الانتظار..

مع كل يوم يمر يحدث ذات الشيء، تتبدى حقائق وأخبار كارثية عن الوباء، تعيدنا إلى المربع الأول كما يقولون، وتجعلنا مقيمين في بيوتنا التي اضحت محابسنا باختيارنا، حرب متواصلة، لا هدنة، لا مخرج، إنتظرنا الصيف، وها هي درجات الحرارة تتجاوز نصف درجة الغليان، وكورونا يصمد ويحصد الرؤوس، ترى إلى أي مدى سوف تصمد ابتكاراتنا الذاتية في الدفاع عن أنفسنا بوجه هذا الوباء؟ متى سينتهي؟ كيف سينتهي؟ كيف سنكون ويكون شكل العالم من حولنا فيما بعد؟!

جديد كورونا لا ينقطع، كل يوم نسمع اشياء جديدة، بعضها متطرف ومرعب… بعضها متشائل.. بعضها يقول سيرحل عن قريب، آخر يقول سنتين. دوامة من الأخبار؛ قد تدفع بالمرء، (وهو ضرب من العبث)، في مرحلة من المراحل إلى الأعراض عنها جميعها، صحيحها وماجاوز الصحة، وربما حدث ذلك  وتفاقمت الاصابات.

ما يزيد الامور تعقيدا ان ظهور كورونا مثل تحديا شرسا لإنسان العصر، من حيث انه أحدث جرحا غائرا في كبريائه العلمي والحضاري وزهوه بمنجزه الرفيع الذي وصل اليه، فهذا الزمن هو غير الزمن الذي ظهر فيه الطاعون الأسود والانفلونزا الإسبانية  والملاريا والكوليرا، برز كرسالة مقلقة تفيد بأن ثمة هزات كبرى مماثلة قد تواجهه، لعله لا يقوى على مواجهتها أو قد تستنزف منه الكثير، والأهم من هذا كله أنه بدا ليس بالقوة التي يزعمها أو يفخر بها.

  سجن كورونا العالم بأسره بكل اقتدار وجبروت، ناء تحت وطأة سجنه الجميع حكاما ومحكومين، من يغادر سجنه عقابه الموت. الناس بدأت تتململ تفقد صبرها, سوء الظن بالغرب والتجربة التاريخية المرة معه بجميع مستوياتها، أفقد الثقة به ووفر لنظرية المؤامرة جوا من الانتعاش، فالناس في هكذا مواقف تقلب ملفات قديمة، وتطرح وجهات نظر غريبة، يعززها بعض ما يروج من المواد المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فالعالم قرية.

من الأشياء المتممة للعلاج الصبر، حتى أن Patient بالإنكليزية تعني الصبور وهي في ذات الوقت تعني المريض، والناس بدأت تفقد صبرها، خاصة الذي يحصلون على قوتهم بكدحهم يوما بيوم، وأوقات تدفعهم الحاجة إلى معاودة الظهور في الشوارع، غير آبهين بخوف من مرض او جائحة.

الحركة اليوم في بعض البلدان تسللت لتدب شيئا فشيئا.. ما يصدر من تحذيرات ملزمة وصارمة, يطاله التسويف والتهوين عند نفر من الناس، ولربما ستفرض حكومات الدول قوانين اكثر صرامة من حيث الالتزام بإجراءات الوقاية، وتحميل الفرد جانبا من المسؤولية.

  احيانا اسمع حوار أناس يمرون قربي وهم يتحدثون بحماسة عن نشاطات وسفريات عمل سوف ينجزونها فيما بعد، قائلين: (بس تخلص هذه الازمة)، واتساءل مع نفسي في حال تواصل أجواء كهذه.. هل سيتاح لهم..؟!…

مختبرات العالم في عمل دائب من أجل التوصل إلى لقاح وفي تسابق لا يهدأ. خبر مختبرات جامعة أكسفورد بخصوص اكتشاف لقاح جديد يقمع كورونا، يعد خبرا سارا يبعث على الأمل، ستتابع الناس تطوراته…

هل بات الإنسان على أعتاب الخلاص، ام تراه لما يزل في طفولة المحاولة…؟!.

الله أعلم

مشاركة