دوال مفاتيح الإستدعاء ومداليل مُستدعياتها

رواية ( ما بعد الجحيم )   1-2

دوال مفاتيح الإستدعاء ومداليل مُستدعياتها

 ليث الصندوق

بدءاً من عنوان الرواية ، ثم الجملة الاستهلالية الصريحة على الصفحة الأولى (الداخلية)  منها (رواية من أدب الحرب)  والتي غابت عن الغلاف الخارجي للرواية ، ثم النصوص الموازية ، كلها مؤشرات استدلالية تؤكد أن (ما بعد الجحيم)  للروائي والقاص والناقد والباحث والطبيب النفسي حسين سرمك حسن هي رواية حرب . فالجحيم مفهوم لاهوتي يحيل إلى مصير عقابي يلحق بأرواح من انحرفوا عن جادة الرب ، واخترقوا نواهيه ومحرماته . والنار والأحطاب هي الأدوات التنفيذية لذلك العقاب / المصير ، تؤكد ذلك نصوص الأديان السماوية ، مدعومة بالاشتقاق اللغوي للمفردة التي هي حسب مختار الصحاح (إسم من أسماء النار ، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم)  . والجحيم مصير أولي وفي ذات الوقت نهائي لا سابق له ولا تالي من بعده ، وهو عقابٌ في حده الأقصى من القساوة فلا تهاون فيه ولا تخفيف من قساوته . أما تجاوز الكاتب لحدوده كما في العنونة إلى (ما بعد)  فهو من قبيل المجاز اللغوي الذي يحتمل المبالغة ، والذي يقرن جحيم السماء القاسي بجحيم آخر أرضي أقسى مفترض يحيل إلى الحرب . ولعل قسوة الجحيم الأرضي الذي ألمحت إليه العنونة ناجم من أن الأحداث لا تجري حصراً في جحيم جبهة القتال فحسب ، بل تنعكس تداعيات على الجبهة الداخلية المدنية من خلال تأثيرها النفسي المدمر على المقاتلين وعوائلهم بما يتسبب في تفتيت بنية العلاقات الإنسانية الحميمة ما بين الطرفين ، وإن التئام الأحداث على الجبهتين في نص واحد  هو الذي ضخّم من إيحاءات الجحيم / الحرب لتصبح إيحاءات ما بعد الجحيم .

كل ما يحيط بالرواية من خارجها يدعم حربيتها حتى لوحة الغلاف الأمامي التي تندرج ضمن ما يُسمى بالنصوص الحافة وهي للفنان محمد بدر الدين الأيوبي – حسب توقيع الفنان على اللوحة – وبدر الدين الأيوبي – حسب الصفحة الداخلية – تشير إلى هوية الرواية من خلال عاصفة الدخان والنار وما تتلوى تحتها من أجساد ، بعضها متفحم ومطفأ ، وبعضها ما زال متوهجاً محترقاً ، بينما تحول البعض الآخر إلى كتلة شبحية شفيفة كالزجاج تلمّح إلى عملية التحول من الجسد إلى الروح . وكل تلك الأجساد والأرواح تلوح مستغيثة بأياديها مما يعني أن الموت لم يعد خلاصاً .

يفتتح الكاتب روايته بحزمة من نصوص موازية يمثلها :

–           نص الإهداء الحربي بامتياز (إلى رفاق الشرف والسلاح والعقيدة ، أساطير كل العصور ، مقاتلي ملحمة أم قصر الخالدة ، شهداء وأحياء . ص / 5)  والملاحظ أن أحداث الرواية لا علاقة لها بمعركة أم قصر .  ويُختتم الإهداء بسؤال يتبين فيما بعد إنه من نص للكاتب سعدي عوض الزيدي (هل حقيقياً أن التأملات تمارس خيانة عظمى بحق الدم النازف ؟ . ص / 5)  .

–           تعقب الإهداء ملاحظة يكشف عبرها الكاتب هويته القتالية ، فإذا به قد خاض ثلاث حروب ، وأن أحداث روايته هذه أقل بكثير من وقائع الحروب الثلاث التي خاضها دون أن يفصح عن المعنى المستتر وراء عبارة (أقل بكثير)  فهل القلة مفهوم كمي ؟ أم مفهوم حسي وشعوري ؟ أم مفهوم درامي ذي طبيعة تراجيدية ؟ . أما وصفه لروايته بـ(الواقعية)  ، فأغلب الظن أنه اراد من المفردة أن تكون إحدى موجهات القراءة يضع الكاتب عبرها القارئ على سكة الفهم التي يريدها له ، ويساعده في تقدير أهوال النصوص الغائبة التي  تمخضت عنها الحروب الثلاث التي وصفها بأنها دامية ومدمرة .

–           تعقب الملاحظة أربعة نصوص ، ثلاثة منها شعرية ، نصان من الثلاثة باللغة العربية ، الأول بيت شعري متداول شعبياً هو (يا قارئاً كتابي – إبك على شبابي)  ختم بجملة تعريفية هي (من شاهدة قبر الجندي المكلف أحمد شامل سليمان)  وبذلك يكون الكاتب قد وضع نهاية لأفق انتظار القارئ في مصير واحد من أبطال الرواية قبل أن يكون القارئ قد باشر بالقراءة . والنص الثاني هو مقطع من قصيدة نثر للشاعر (سلمان داود محمد)  . بينما النص الشعري الثالث فهو مقطع من قصيدة للشاعر الروسي ميخائيل كونين . أما النص الرابع فهو نص نثري للكاتب الجيكي (جيري ميريك)  يميز فيه ما بين الحرب كمفردة لغوية والحرب كواقعة ، والفروق البينية بين المفهومين ، اللغوي الرخو والواقعي المدمر بما يجعل كل مستوى من الاثنين مستقلاً عن الاخر بدلالاته وإيحاءاته . وبالرغم من أن محاولة التمييز تبدو فنطازية أكثر من كونها منطقية ذلك لأن الإعتباطية من الناحية السيميائية هي التي تحكم العلاقة الرمزية ما بين الدال الصوتي والمدلول المفهومي / الصوري ، إلا أن ذلك الفهم للحرب يلتقي مع فهم الكاتب للجحيم بمستوييه المستقلين بدلالاتهما وإيحاءاتهما ، الجحيم / النار ، والجحيم / الحرب كما تنجلي عنهما العنونة المميزة بعبارتها (المابعدية)  التي تسبق مفردة الجحيم وتحشرها في المستوى الأرضي الأشد هولاً ، في مقابل الجحيم السماوي .

تتكون الرواية من واحد وأربعين فصلاً قصيراً مرقماً من (1 – 41)  إضافة إلى النهاية غير المرقمة والمستقلة بذاتها عن الفصل الأخير . ومن بين هذا العدد من ألفصول فإن الفصول السردية هي تسعة وثلاثون فصلاً ، بينما هناك فصلين على شكل نصين قصصين مستقلين عن مجرى أحداث الرواية هما (15 / 38)  وهناك فصل آخر يتضمن نصاً تنظيرياً هو الفصل (17)  . يتناوب على سرد الفصول ثلاثة رواة ، الأول هو الراوي المفارق الذي يسرد الأحداث بضمير الغائب ، وعلى طريقة الراوي العليم مخترقاً دواخل الشخصيات ، وكاشفاً أدق أسرارها ونوازعها واضطراباتها النفسية ، أما الراويان الأخران فهما بطلا الرواية شامل وصدّيقة . وعادة ما يستقل الرواة عن بعضهم في سرد  الفصول ، لكن ذلك لا يعدم اشتراك بعضهم معاً في سرد بعض الفصول ، والجدول التالي يبين الفصول المخصصة لكل راوٍ :

–           ألراوي المفارق : 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 8 / 9 / 26 / 27 / 28 / 29 / 36 / 37 / 40 / 41 / ألنهاية .

–           شامل : 7 / 11 / 12 / 13 / 14 / 16 / 18 / 19 / 20 / 21 / 22 / 23 / 24 / 25 .

–           صدّيقة : 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 39 .

–           الراوي المفارق + شامل : 10

–           ألراوي المفارق + صديقة : 30

هذه القراءة تضع الرواية على غير ما اراد لها كاتبها أن تكون كرواية من أدب الحرب ، وإن كان جانبها الحربي أو العسكري يمثل إحدى البنى الحكائية ، لكنها بنية مضغوطة تحت ثقل أحداثها المفترضة والغائبة سردياً إلا في حدها الأدنى (ألمعارك الفعلية على الجبهات)  لصالح بنى أخرى مهيمنة وناجمة عن تداعيات ذلك الضغط تضع الرواية في خانة الأدب الإنساني الذي يتناول أهوال الحروب في الجانب العسكري ، ونتائجها الكارثية المدمرة على المدنيين ، فالرواية تحفل بمواقف إنسانية وعاطفية مؤثرة ، من خلال الرصد الحميمي اللافت والذي يأخذ بالألباب لحياة أسرة سعيدة ومتماسكة من أب وأم وطفلين – ولد وبنت – جاءت الحرب لتفتت تماسكها ، وتسرق سعادتها ، ولتضع من بقى منها حياً في مواجهة المجهول .

يبدأ الراوي المفارق سرد الفصل الأول من الرواية بمواجهة عاطفية ما بين الرغبة والفجيعة في التئام شمل نائب الضابط شامل بزوجته صدّيقة بعد سبعة وأربعين يوماً من الفراق قضاها على حافة الموت في معارك قاطع (مجنون)  ، لقد عاد شخصاً آخر بعد اختلال تماسكه النفسي جراء فقدانه لأعز رفاق السلاح . وقد تجلى ذلك الاختلال في لحظة التحام الجسدين حيث كانت الوسادة التي اعتادت أن تغطي بها زوجته وجهها في مواقف الالتحام المماثلة قد أدت هذه المرة دوراً سلبياً غير الذي كانت تؤديه من قبل ، لقد تحولت صورة الوسادة في عين شامل إلى مفتاح لفتح مغاليق عقله الباطن ، واستخراج كل ما فيه من ذكريات المواجهة الحربية الفاجعة ، فهو ما كاد يرى الوسادة تغطي وجه زوجته حتى انفتحت في ذاكرته بوابة العقل الباطن لتخرج منها صور الضحايا الذين شاهدهم وقد غطى رؤوسهم الركام ، ولتتحد صورة الركام بصورة الوسادة ، ففي كلا الصورتين رؤوس مغطاة ، ولا فارق ما بين رأس ميت ، ورأس حي ما دام العقل الباطن قد أوجد ثنائيته غير المتجانسة (الوسادة / الركام)  ، وما دام التخليط الذي يعانيه العقل الباطن بحكم خضوعه لظروف خارجية من العسير احتمالها والتكيف معها ، وهذا ما يجعله غير قادر على التمييز ما بين الطرفين غير المتجانسين للثنائية (أخفت رأسها تحت الوسادة التي تشبثت بها بقوة ، لم يكن الرأس واضحاً تحت الركام الهائل من خشب صناديق العتاد والتراب الرطب . ص / 10)  . وفي حين كانت اللغة ما بين الاثنين في مرحلة الانتقال من الصوت الفموي إلى الحركة الجسدية ، وكانت صدّيقة عبر تلك اللغة تحاول التواصل مع شامل الزوج برفع الوسادة عن واجهة الجسد (الوجه)  وتمكينه من التعاطي مع رغبتها المتعطشة والحيية ، كان هو بالمقابل قد هيّأ عقله الباطن لاستقبال صورة الوسادة (الدال)  وربطها بصور الرؤوس والأجساد المدفونة تحت حطام الانفجارات (المدلول)  ليقتل بذلك رغبته في لحظة تأججها عبر هذا التقابل الإيقوني المبني على علاقة الشبه ما بين الدال والمدلول ، وليبدأ من هذه اللحظة مرحلة الانهيار النفسي والاضطراب السلوكي (باستجابة مترددة رفعت الوسادة فبانت عينان طافحتان تلصفان بشهوة معطلة ، وبلا تردد رفع اللوح الذي أخفت نهايته السفلى الرأس تماماً ، الرأس الودود الأشهب الصغير ، انكشف رأسها تماماً ، ورفع خشبة الملجأ المنهار بفعل القذيفة المعادية ، كان الجسد الودود مكتملاً ولكن بلا رأس ، والدم يشخب من الوريدين المحزوزين بغزارة تشظي منكسراً مع كرم الشظايا الباطشة ، وأجهش بالبكاء . ص / 10)  . هكذا انتهت المواجهة ما بين الرغبة والفجيعة بانتصار الثانية ، وهكذا خُتم الفصل الأول من الرواية بعاصفة بكاء عارمة جرفت الزوجين ، دون أن تعرف الزوجة دوافعها ، وظلت تتساءل (ما الذي حصل ؟)  .

لقد عاد شامل إلى أسرته من جبهة القتال لا ليستروح في فضاء الأمان ، بل ليعيش فيه الحرب ومآسيها من جديد . ولأن للحياة سردها ، وهي تمليه على من يعيشها ، وتُلزمه بالإصغاء إليه ، لذلك مهما حاول شامل شدّ السرد إلى منطقته المغلقة على أحداث الحرب وأهوالها ، فهناك ثمة منافذ تبقى مفتوحة لتقبل سرديات الحياة المفاجئة والآنية والتي تتغذى من مرويات الشخصيات الأخرى التي لم تُحبس داخل مروية الحرب المغلقة على تداعيات الموت والدمار والتي يتكفل شامل بسردها . فهناك الإبن اليافع أحمد ، والأم الحانية إلى حد القداسة صدّيقة ، والبنت الطفلة سناء ، ولكل منهم مرويته (باستثناء سناء التي لم يعينها سنها في بناء مرويتها الخاصة)  . وقد ترك وجود الجميع في فضاء الأسرة ظلاً كامداً من مروية الأب المأزوم نفسياً على مروياتهم . بما يجعل من معاناتهم وإخفاقاتهم نتيجة من نتائج الحرب . ولم يقتصر انعكاس الظل الكابي لمروية شامل على أسرته فحسب ، بل امتد خارجها ليشمل علاقته بصديقه رؤوف التي تعرضت للاهتزاز جراء حالة اضطراب شامل النفسي .  وظلت مروية جميل إبن عم شامل وزوج أخته وردة الذي استشهد في الفاو ، وجيء بأوصال مقطعة من جثته إلى أسرته ، ظلت مرويته عصية عن تأثير مروية شامل وانعكاساتها ، حالها حال مروية صديقه الشاعر النبيل سلام ، فكلاهما ماتا في حياة شامل ، وقد تركا له إرثاً ثقيلاً من المواجع . بل إن مرويتا جميل وسلام هي التي أثرت في مروية شامل وأكسبتها طابعاً تراجيدياً .

وكما فتحت صورة الوسادة بوابة العقل الباطن لشامل لتستدعي صور الموتى ، عادت الذاكرة المأزومة (في الفصل الثالث)  تتوسل بصورة أخرى لتتخذ منها مفتاحاً لفتح بوابات العقل الباطن لشامل ، والصورة الجديدة هي صورة الكلاب التي شاهدها تنتهش جثث ضحايا معركة – مجنون – من جنود الطرفين ومن بينها جثة صديقه الشاعر النبيل سلام الذي لطالما سخر من الموت ، وقد ظلت جثته تتأرجح في ذاكرته ما بين مجموعتين من الكلاب ، الأولى هي التي مزقت في أهوار الجنوب جسد صديقه الحميم ، والمجموعة الثانية تلك التي رآها أثناء إجازته الدورية تنزو على بعضها في ساحة كرة القدم التي يلعب فيها إبنه الوحيد (أحمد)  . وظلت صور كل واحدة من المجموعتين تستدعي صور المجموعة الأخرى ، وصورالمجموعتين معاً تستدعي صورة الجثة الممزقة لصديقه الشهيد سلام ، بينما تحاول اللغة البحث عن صيغة نصيّة تصهر فيها تلك المجاميع الصورية الثلاث بحيث يغدو من العسير فك الاشتباك ما بين الزمان / المكان / الأحداث (مددت أصابعي المرتجفة ورفعت الخوذة ببطء ، شيئاً فشيئاً بانت الرصعة المحببة على الذقن الممتليء ثم الشاربان الأشهبان الرفيعان والأنف الروماني المدبب . وبحركة واحدة كشف الرجاء البائس ، والتقت عيوننا : عيناي بعيني سلام ، دمعتان حارتان وحارقتان تنزلقان على جانبي أنفه وكفاه متقلصتان في جيبي المعطف السميك ، والكلب الأسود عالق في الكلبة الحمراء ، وحولهما خمسة كلاب أخرى تهرّ، وتنتظر دورها في ساحة كرة القدم الفارغة . ص / 19)  . ومن الواضح أن مفتاح الإستدعاء في هذا المشهد يختلف عن مفاتيح الإستدعاء الأخرى ، إذ أن كل المشاهد تتشكل من مستويين ، الأول : هو مستوى المشهد المستدعي (بياء قبلها مكسور)  ، والثاني : هو مستوى المشهد المستدعى (بألف مقصورة قبلها مفتوح)  . لكن الوضع اختلف في مشهد الكلاب إذ إنه مشكل من مشهدين فرعيين كل واحد منهما يحيل إلى إحدى مجموعتي الكلاب ، ويستدعيها في الوقت ذاته ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإن المجموعتين معاً تستدعيان صور جثث الضحايا .

 اي إن كل مجموعة من الكلاب هي دال للمجموعة الأخرى (المدلول)  ، ثم تصطف المجموعتان لتشكلان معاً دالاً لمدلول آخر هو جثث الضحايا .

ولكن الكلاب التي يصب عليها شامل جام غضبه لأنها أكلت جثة صديقه تتحول في مكان آخر على لسان رؤوف إلى الصورة النقيض (سقط الصاروخ على منطقتنا ليلاً ، هُرعنا إلى الملجأ المجاور ، تصوّر نحن نتدافع رجالاً ونساءً من أجل أن ندخل الملجأ بصورة أسرع خلاصاً من الموت ، وإذا بكلب أجرب يتدافع معنا ليحتمي بالملجأ ، تصوّر حتى الكـــــــــلب لديه غريزة البقاء . ص / 30)  وتتـــــــــــــكرر مشاهد الكلاب ، ولكنها تتخـــــــــــــذ أكثر من مظهر .

مشاركة