دموع محدودة في زمن الستوتة – حسين الذكر

301

دموع محدودة في زمن الستوتة – حسين الذكر

كنت في زيارة صديقي الدلال (أبو صادق) امر عليه دقائق اشم عبق البساطة والمواطنة الصالحة في عهود عهدته بها .. ما ان حياني (الله بالخير) حتى جاءت امراة مسنة ، تسال عن بيت صغير للايجار ، فاعتذر عن وجوده ، فشهقت ودمعت عين المرأة التي نظرت الى السماء قائلة : (انا لله وانا اليه راجعون .. ) ثم ذهبت حيث لا تدري .. فأشتعلت نار التساؤل بنفسي : (اليست هذه المرأة عراقية ، كم ضحت عائلتها أمها وابيها أولادها .. في بلد النفط والخيرات الذي ما زالت اغلب اسره تعيش بلا مأوى تحت رحمة ملاك العقارات تعتصرهم  ماكنة الطغاة والفاسدين ، علما ان ارضه واسعة المساحات كثيرة الخيرات ..

بعدد براميل النفط المسروقة في زمن يتهاوش البعض من لصوص و حرباويي كل عهد لاقتطاع اغلى الاراضي في قلب العاصمة بغداد وبقية المحافظات .. نحن الشعب نلتقي بيننا نتواصل في الباص والسوق والمستشفى .. في الجوامع والمواكب .. في المقابر والمقاهي .. في الملاعب وعلى الجبهات بذات الحفر والخنادق ، لكننا نفترق عند اول سدة كرسي للحكم .. فان اغلب قادة عهدنا الجديد ، كانوا يسمون انفسهم معارضة ينادون بحقوقنا .. وقد اصبحوا قادة لهم مواقعهم ومميزاتهم منذ 2003..  لكن حالنا لم يتبدل فنحن الفقراء نعاني نكبات الحكام بعد ان نسونا ولبسوا زي دكتاتوري مطرز بشعارات وازياء تختلف عما سبقها .. كنا في الباص حينما سال رجل عجوز عن دائرة المعلومات .. فهب الجميع يدلوه .. ثم سالته حجي انت بهذا العمر ماذا تفعل بالمعلومات فقال : ( عمي هي مهجومات .. يذلوننا بها بكل شيء نريده … يحلبوننا بمراحلها .. لن نفلت منها باي معاملة يجب ان تمر من خلال هذا الاذلال والروتين الذي يستفيدوا منه من وزيرهم الى خفيرهم  .. فيما نعاني منه … ثم بكى وبكينا معه … ) . كم اعجبتني ابيات الشاعر احمد مطر وهو يصف حالنا بطريقة مختلفة :-

نَافِقْ

ثمَّ نَافِقْ ، ثمَّ نَافِقْ

لا يَسْلَمُ الجَسَدُ النَّحِيلُ مِنَ الأَذَى

إنْ لَمْ تُنَافِقْ

فَإنَّ الجَهْلَ أَنْ تَهْوِي

لِيَرْقَى فَوْقَ جُثَّتِكَ الْمُنَافِقْ

كُنْ ثَابِتَاً

فَإنَّ الحُكْمَ مَحْجُوزٌ

لأَرْبَابِ السَّوَابِقْ

ظل صديقي النجار يشكوا حاله ، من قبح الدكتاتوريات وجشع الديمقراطيات بسبب كبر أولاده وزيادة المسؤوليات .. فيما هرم عمره ونحل جسده وتقوس ظهره وعشى نظره .. ظل يبحث عن لقمة عيش شريفة لم تبدلها .. أزياء الطغات ولا شعاراتهم.. قبل أيام اقترض مبلغ (مليوني دينار) ليس الا ، في زمن تبلع المليارات بلعا .. وقد قدم أوراق ثبوتية واحضر الشهود وتوسل ودفع .. مع انه كادح (على باب الله) ، وقد سالته لم اخذت القسط بفوائد ، فقال : (من يجبرك على المر غير المر .. وقد تعبت من التوسل لتعيين ولدي او بناتي فلم اجد سبيلا .. فاضطررت ان اقتسط لاشتري ستوتة يعمل بها ولدي كي احميه من شر الاركيلة والمقاهي وأصدقاء السوء في زمن تلاشت فيه حتى القيم ..) ..

بعد شهر التقيت صديقي وهو يبكي ويدعو الله على الطغاة ، فقلت له خير ، فقال : ( من اين ياتيك الخير تحت سلطة اشرار  كل زمان .. فقد سرقت الستوتة في باب الدار .. وبكى ولدي وبكينا جيمعا وعم الفجع والحزن بدارنا .. ليس بسبب السرقة التي أصبحت معهودة في زمن يحمى فيه اللصوص والقتلة والمجرمين .. بل عن كيفية تسديد أقساط القرض الملزم .. حتى الدفع او السجن او القبر) .

مشاركة