دماغ ألكتروني يابس-علي السوداني

الحياة‭ ‬الآدمية‭ ‬تتصخر‭ ‬وتتصحّر‭ ‬،‭ ‬والكدمات‭ ‬تتوالى‭ ‬يابسةً‭ ‬مثل‭ ‬منظر‭ ‬وردة‭ ‬حمراء‭ ‬نائمة‭ ‬ببطن‭ ‬كتابٍ‭ ‬عتيقٍ‭ ‬صنعه‭ ‬أريك‭ ‬سيجال‭ ‬،‭ ‬فصار‭ ‬ترنيمة‭ ‬وتنويمة‭ ‬مشهورة‭ ‬بباب‭ ‬مخدةٍ‭ ‬عاشقة‭ .‬

فوق‭ ‬حوائط‭ ‬الضجيج‭ ‬الصاخبة‭ ‬،‭ ‬صار‭ ‬بمستطاعك‭ ‬أن‭ ‬تستعمل‭ ‬وردةً‭ ‬ساكتة‭ ‬ألف‭ ‬مرة‭ ‬ومرات‭ .‬

ستشتلها‭ ‬بنهاية‭ ‬رسالة‭ ‬غزل‭ ‬وحب‭ ‬،‭ ‬وسترميها‭ ‬على‭ ‬قبر‭ ‬صديق‭ ‬،‭ ‬وستحملها‭ ‬بيمينك‭ ‬صوب‭ ‬باب‭ ‬غرفة‭ ‬بيضاء‭ ‬بمشفى‭ ‬القلوب‭ ‬،‭ ‬وقد‭ ‬تهديها‭ ‬إلى‭ ‬شحاذ‭ ‬نبيل‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انثقاب‭ ‬الجيب‭ ‬والمعنى‭ .‬

عند‭ ‬مفتتح‭ ‬المقهى‭ ‬سيستقبلك‭ ‬شاب‭ ‬ألكتروني‭ ‬وسيم‭ ‬،‭ ‬ويلوّح‭ ‬لك‭ ‬بيمينه‭ ‬الواثقة‭ ‬مع‭ ‬رشقة‭ ‬حروف‭ ‬يابسة‭ ‬،‭ ‬وعندما‭ ‬تعود‭ ‬إليه‭ ‬بعد‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬،‭ ‬ستجده‭ ‬كما‭ ‬وجدته‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ .‬

شاب‭ ‬الاستقبال‭ ‬لم‭ ‬يكبر‭ ‬ولن‭ ‬تجد‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬الألكتروني‭ ‬أيَّة‭ ‬شعرة‭ ‬بيضاء‭ ‬،‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬مثقال‭ ‬ثنية‭ ‬جلد‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬ركض‭ ‬السنين‭ .‬

الوردة‭ ‬الجورية‭ ‬الحمراء‭ ‬والبيضاء‭ ‬والصفراء‭ ‬تشبه‭ ‬تماماً‭ ‬نادلة‭ ‬المقهى‭ ‬التي‭ ‬انحنت‭ ‬قليلاً‭ ‬مع‭ ‬فنجان‭ ‬القهوة‭ . ‬الروبوتات‭ ‬أخوة‭ ‬مهذبون‭ ‬وكرماء‭ ‬ولا‭ ‬يكلفون‭ ‬صاحب‭ ‬الدكان‭ ‬سوى‭ ‬شريحة‭ ‬ملساء‭ ‬ذكية‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬تزرع‭ ‬بمؤخرة‭ ‬الرأس‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أخمص‭ ‬القدم‭ .‬

قبل‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭ ‬طلبت‭ ‬مني‭ ‬صديقتي‭ ‬الشاعرة‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬عنها‭ ‬مرثية‭ ‬هائلة‭ . ‬

ضحكت‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭ ‬موتي‭ ‬يا‭ ‬صويحبتي‭ ‬البديعة‭ ‬وسوف‭ ‬أصنع‭ ‬لك‭ ‬أجمل‭ ‬المراثي‭ . ‬

ليلة‭ ‬موت‭ ‬الشاعرة‭ ‬كنت‭ ‬حزيناً‭ ‬وتالفاً‭ ‬وعلى‭ ‬كسلٍ‭ ‬عظيم‭ ‬،‭ ‬لذلك‭ ‬اختصرتُ‭ ‬المسألة‭ ‬واستعملتُ‭ ‬إيقونة‭ ‬بكاء‭ ‬متاحة‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬،‭ ‬وبصمتها‭ ‬تحت‭ ‬النبأ‭ ‬اليقين‭ .‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬المعلم‭ ‬مكرهاً‭ ‬على‭ ‬التلويح‭ ‬بعصاه‭ ‬وتحريك‭ ‬لسان‭ ‬المزمار‭ ‬بحلقه‭ ‬أمام‭ ‬التلاميذ‭ ‬النجُب‭ .‬

سيبقى‭ ‬أنيقاً‭ ‬نظيفاً‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬ذرات‭ ‬الغبار‭ ‬الأبيض‭ ‬الطائر‭ ‬من‭ ‬خاصرة‭ ‬السبّورة‭ ‬السوداء‭ ‬،‭ ‬وخربشات‭ ‬نهاية‭ ‬قطعة‭ ‬الطبشور‭ ‬الأبيض‭ ‬ألأشهر‭ ‬أو‭ ‬الملون‭ .‬

سيختفي‭ ‬منظر‭ ‬بائع‭ ‬الحلوى‭ ‬القائم‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬مخذولة‭ ‬من‭ ‬سياج‭ ‬المدرسة‭ ‬،‭ ‬وستحل‭ ‬مكانه‭ ‬شاشة‭ ‬بيتية‭ ‬صغيرة‭ ‬فيها‭ ‬مدرسة‭ ‬وسيارة‭ ‬ومعلم‭ ‬،‭ ‬ورشقة‭ ‬أغنيات‭ ‬وطنية‭ ‬لن‭ ‬تطلب‭ ‬منك‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬أن‭ ‬تسهر‭ ‬الليالي‭ ‬كي‭ ‬تفوز‭ ‬بالعلا‭ .‬

الروبوت‭ ‬صاحب‭ ‬القلب‭ ‬الحديد‭ ‬سيرسم‭ ‬لوحة‭ . ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بدلة‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬بنطال‭ ‬جينز‭ ‬قديم‭ ‬أو‭ ‬لحية‭ ‬كثة‭ ‬وشعر‭ ‬منفوش‭ ‬،‭ ‬كي‭ ‬يتلقى‭ ‬نثار‭ ‬الفرشاة‭ ‬وضرباتها‭ ‬العشوائية‭ ‬السريعة‭ .‬

مزج‭ ‬الأصباغ‭ ‬سهل‭ ‬والناس‭ ‬تنظر‭ ‬بعيونها‭ ‬وليس‭ ‬بقلوبها‭ ‬،‭ ‬والشريحة‭ ‬الملساء‭ ‬ستصنع‭ ‬الفكرة‭ ‬وما‭ ‬حولها‭ . ‬بصمة‭ ‬الرسام‭ ‬الحديدي‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬شرطاً‭ ‬من‭ ‬شروط‭ ‬الإعجاب‭ ‬والإنذهال‭ .‬

بمقدور‭ ‬مالك‭ ‬الشريحة‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬كائنه‭ ‬حزيناً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إتلاف‭ ‬القماشة‭ ‬بالسخام‭ ‬وبالغيوم‭ ‬السود‭ .‬

سيتم‭ ‬إنجاز‭ ‬اللوحة‭ ‬المنتظرة‭ ‬بساعة‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬ساعة‭ ‬،‭ ‬لأنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ ‬الساكت‭ ‬لن‭ ‬يستهلك‭ ‬خلال‭ ‬عملية‭ ‬الرسم‭ ‬،‭ ‬دلة‭ ‬قهوة‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬علبة‭ ‬تبغ‭ ‬وشارع‭ ‬موسيقى‭ ‬وجبل‭ ‬آهات‭ . ‬ولأن‭ ‬الروبوت‭ ‬العجيب‭ ‬لن‭ ‬يشعر‭ ‬بالوجع‭ ‬والتعاسة‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كسرت‭ ‬ساقه‭ ‬،‭ ‬ولن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خبز‭ ‬وماء‭ ‬وكأس‭ ‬نبيذ‭ ‬،‭ ‬فسوف‭ ‬يفشل‭ ‬حتماً‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬إبداع‭ ‬ربع‭ ‬قصيدة‭ ‬أو‭ ‬صدر‭ ‬بيت‭ ‬شعر‭ ‬،‭ ‬ولو‭ ‬قام‭ ‬صاحبه‭ ‬بتحفيز‭ ‬وتلميع‭ ‬وجه‭ ‬الشريحة‭ ‬النائمة‭ ‬بمكان‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬جسده‭ ‬الضئيل‭ !!‬