دعني أجلو غبار نفسي – عبد المحسن عباس الوائلي

402

دعني أجلو غبار نفسي – عبد المحسن عباس الوائلي

انك الاقرب لنفسي فتربطني معك رابطة الدين والقرابة والاخوة واشياء اخرى فأسمح لي ان اقول ما نخفيه بداخلنا، من احكام، ومشاعر، من تجارب وخبرات، من احادث وذكريات من اسرار وحكايات لم نحكها ابدا، ما نخفيه من اسرار وحكايات لم نحكها ابدا، ما نخفيه بداخلنا ونوصد الابواب عليه، ونحكم اغلاقها، نجتهد الا يشعر به الاخرون، وقد نقول بخلافه، ونتصرف بعكس مشاعرنا، وبعكس ما نخفيه بداخلنا.

عندما نقابل الاخرين نسعى جاهدين لمعرفة ما يخفونه بين طيان صدورهم، وما يخفونه خلف حناجرهم، وتحت السنتهم. نحن نحاول ان نعري الاخر، اما بان نسأل اسئلة مباشرة، او نضع الاخر في تجارب ومحكات، أو نضعه تحت الملاحظة الدقيقة. نعم نحن نقوم بذلك لا اراديا، لاننا نخاف مما هو مكنون في الصدور، نخاف ان ننخدع، ان تأتينا الصفعات العاطفية مما هو خلف الضلوع.

كل منا يخفي الكثير بداخله، وهذا امر طبيعي جدا، فنحن نستر بداخله، وهذا امر طبيعي جدا، فنحن نستر اجسامنا بالملابس، ونستر مشاعرنا بألفاظنا، ونخبئ اسرارنا بالتظاهر باننا واضحون، وصريحون. نعم اغلبنا يقول اننا نحب الوضوح، ونحب الصراحة، بل ونؤكد اننا لا نحب اللف والدوران، ولا نحب التدليس، ولانحب التلون في الالفاظ والمشاعر. لكن عندما نأتي لواقع الحياة، في سلوكياتنا اليومية نجد انفسنا تدعي الصراحة والوضوح، وقد لانقوى على مواجهة بعض المواقف التي تستدعي ذلك.

فلماذا نخفي الكثير؟! ولماذا نحب الاختباء خلف الستائر، وخلف الكلمات وخلف المواقف؟!.

ان السبب الاول في ذلك هو اننا نخاف الانتقاد، نعم، الكثيرون يخفون الكثير من الاراء والكثير من المشاعر خوف الانتقاد، خوف الشقاق والاختلاف، خوف المعارضة والرفض.

الكثيرون يعتقدون انهم يجب ان يخفوا اراءهم ومشاعرهم لان الا احد يفهمهم أو لا احد يفهمهم أو لا احد يشعر بهم، وهذا بالطبع اعتقاد غير صحيح، لان احد سنن الحياة، واحدى طبائع النفس البشرية هي الاختلاف، لان طبيعة العلاقات بين البشر تحتم اختلاف ردود الافعال، هناك من يؤيدك، وهناك من يعارضك، وهناك من يحاربك، وهناك من لايكترث بك بتاتا، فهذه هي ردود الافعال الطبيعية لجماعات البشر في التفاعل الطبيعي بينهم. فأن بحت بما في قلبك من مشاعر، أو ما يجول في عقلك يجب ان تتوقع كل ردود الافعال السابقة، وهذا لايعني بتاتا انك محارب أو منبوذ أو مرفوض.

فان وجدت كل ردود الافعال السابقة فأعلم انك تعيش في وسط صحي، لان الاختلاف من سمات التفاعل الصحي بين البشر، والسبب الثاني لجوء البعض للاخفاء والاحتفاظ بمشاعرهم وافكارهم هو انهم لم يعتادوا البوح لانهم نشأوا في وسط طلب منهم عدم البوح، فيشبون على الكبت، وعلى الاخفاء، وعدم التصريح وهؤلاء عادة يعانون سلسلة من الامراض الجسدية والنفسية، لان الخالق عز وجل لم يخلق الانسان ولم يخلق له لسانا وقلبا ليكونا مقيدين، ولم يخلق الانسان ليكون معذبا في الحياة بشعوره بالوحدة.

هؤلاء فقط عليهم التعلم، نعم، تعلم فنون البوح، تعلم تقنيات نقل المشاعر والافكار من العالم الداخلي للعالم الخارجي، والسبب الثالث هو اتقاء الصدمات. فهناك من نطلق عليهم المسالمين، الذين يميلون لعدم الانفعال، ولكبت ردود الافعال، خوف الصدام والشقاق، لان البعض يعتقد ان الحياة الهانئة هي الحياة الخالية من الصدامات، الحياة التي تشبه الماء الراكد، وهذا ايضا من المعتقدات الخاطئة، فالحياة الصحية هي التي تحوي الاختلاف، والخلاف، والصدام، والفشل، والنجاح، التأييد والمعارضة، الرفض والقبول. نعم هذه كلها علامات نضج الانسان، الذي يعيش كل هذه الحالات ويتقبلها، فما دمت حيا، وما دمت موجودا، يجب ان تتفاعل بكل ردود الافعال السابقة.

فأن كنت مؤيدا في كل المواقف، او كنت معارضا في كل المواقف، او كنت صامتا في كل المواقف، او كنت معارضا في كل المواقف، او كنت صامتا في كل المواقف فذاك يعني انك تفتقد لمعاني الحياة الصحية، فنحن البشر نحمل بداخلنا الكثير من الانفعالات التي يجب ان تعبر عنها بوضوح وبمصداقية وذلك هو الاتزان.

لكن تبقى هناك مسألة مهمة وهي كيف ننقل ما يجول في عالمنا الداخلي للعالم الخارجي دون ان تصاب بجراحات ودون ان تلحقنا الخسائر التي قد تدفعنا للاحجام عن البوح؟!.

فأن للبوح اصول وفنون وتقنيات..

اولا- ان تعرف ما الذي تريد البوح به، فان تحديدك للموضوع مهم جدا، فالبعض يريد ان يبوح لكنه لا يعرف من اين يبدأ، وما الذي يجب ان يقوله، فتتلاطم الافكار في ذهنه، فيصبح بوحه مجرد نقل خواطر ومشاعر لاتخفي حاجته للبوح، اذن حدد الموضوع الذي تريد ان تبوح به. حدده بجزيئاته وتفصيلاته.

ثانيا- حدد لماذا تريد البوح به؟ وما النتيجة التي تريد ان تصل لها؟ فان كنت تريد البوح فقط للتنفيس عما في داخلك فذاك سبب كاف، لكننا عادة لانكتفي بذلك، نحن نبوح لاننا ننتظر من الطرف الاخر ردة فعل معينة، نريد استجابة معينة ان لم ندها نصاب بالاحباط وخيبة الامل. ولمواجهة مثل هذه النقطة يجب ان تعلم الطرف الاخر ما الذي تريده منه، ولماذا انت بصدد البوح به.

ثالثا- لمن تبوح، وهي مسألة مهمة جدا، فان بحث للشخص الخطأ ستجني الحسرة والالم، لانك لن تجد عنده مبتغاك، يجب ان تحسن الاختيار. صحيح اننا نمر بعدة تجارب وخبرات بعضها مؤلم وبعضها موفق، حتى نصل للشخص الصحيح الذي يمتلك قابلية احتواء افكارنا ومشاعرنا.

وان كنت في وسط جمع كبير فيجب ان تراعي الحال العام، فلا ترمي بسهام افكارك التي تخلف حولك ثورات من الرفض، ولاتماريهم لتكسب ردهم. فقط عليك ان تستخدم ذكاءك الاجتماعي في قياس مدى نضج الاطراف حتى يكون بوحك محل اهتمام وان كان هناك من يعارضه.

رابعا- اخذ المفردات الواضحة التي تعبر بوضوح عما في داخلك، فالكلمات هي آلتك في نقل مشاعرك، فكلما كنت حاذقا في اختيار التراكيب اللفظية السليمة وفقت في توصيل افكارك ومشاعرك بطريقة سليمة وواضحة، ووصلت لمبتغاك من البوح.

خامسا- اختر الوقت المناسب، فالوقت والساعة والظروف المحيطة هي من الامور التي تعينك في نقل افكارك ومشاعرك للاخر، لكن في بعض الاحيان مفاجأة الطرف الاخر في بوحك قد تلفت انتباهه لجدية الموضوع، وهذا عادة ما تلجأ له النساء في التعامل مع الزوج، لشد انتباهه وتعاطفه، وهي وسيلة مفيدة في بعض الاحيان.

البوح من الظواهر الانسانية الحساسة، وتحتاج لكثير من النضج والادراك ليصل صاحبها للارتياح الذي ينشده من البوح، اما ان كان البوح مصحوبا للارتياح الذي ينشده من البوح، اما كان البوح مصحوبا بالدموع والاهات فهذا يرجع لمدى ما تعانية النفس من ثقل الاحتفاظ بمكنونات سبب لها الثقل، فكما ان كثرة الاعمال والاعباء والمسؤوليات تثقل الكاهل، فان كثرة المكنونات القلبية تثقل النفس.

البوح هو تعبير واضح عن الاحتياج، وهي حالة انسانية صادقة يقف فيها الانسان لحظات ليسرد خفايا نفسه ويتبادل الاحاديث مع طرف يراه اهلا لذلك. فكن اهلا لاحتواء بوح الاخرين، فأنت بذلك تحقق العطاء، والاحتواء. استقبالك للبوح رسالة ضمنية فحواها “انا افهمك واقدر ماتقول”. وفي كثير من الاحيان البوح يحمل معنى “انا احبك” واتحدث اليك ولي ثقة فيك وارجو ان تشاكرني الامي واحزاني وتساعدني لحلها لاننا اخوة فأفهم ذلك جيدا وكن اهلا للحديث والثقة ايها العزيز.

مشاركة