دعم الغرب وإسناده في ظل الهيمنة الإستعمارية على الدول العربية – مبدر الويس

532

ذكرى إغتصاب فلسطين

دعم الغرب وإسناده في ظل الهيمنة الإستعمارية على الدول العربية – مبدر الويس

في هذه الذكرى الأليمة التي تم فيها أغتصاب فلسطين العربية في الخامس عشر من آيار/مايس/1948  والتي تسمى بعام النكبة سوف نسلط الضوء على المراحل التاريخية التي تم فيها أغتصاب فلسطين مع ذكر الحقائق والوقائع ، التي يحاول أعلام القوى الصهيونية والقوى الأستعمارية نفسها التي ساهمت في أغتصام فلسطين وذلك على الساحة العالمية من خلال نشر المزاعم والأكاذيب في موسوعات عديدة ينشرها الكيان الصهيوني في فلسطين وفي مختلف دول العالم باللغة الإنكليزية حول حقه في فلسطين من الناحية التاريخية في حين لم يصدر أي شئ من هذا الإعلام إلاّ القليل من الدول العربية والجامعة العربية الواقعة تحت هيمنة النظم العربية الرجعية ،

 التي تخدم المصالح الإستعمارية وتساهم في الوجود الصهيوني في فلسطين . لقد أجتاز أغتصاب فلسطين مراحل تاريخية بدأت منذ المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في مدينة ” بال ” في سويسرا بزعامة الصهيوني ” تيودور هرتزل ”  عام 1897 ،  وعبر التخطيط الذي قامت به المؤتمرات الصهيونية اللاحقة وهي عديدة وبدعم القوى الإستعمارية وخصوصاً البريطانية . وبعدمؤتمر هرتزل بعامين في عام 1899  بعث هرتزل رسالة إلى قيصر ألمانيا طلب منه تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين حيث سار اليهود الصهاينة في فلسطين على نفس الطريق الذي رسمه ” تيودور هرتزل ” في مؤتمره الصهيوني الأول في مدينة بال ، وما أعقبه من مؤتمرات للصهاينة تركز كلها على أغتصاب فلسطين وفق تخطيط علمي مدروس ومتدرج لإقامة هذا الكيان ، ثم جاء دور بريطانيا وسيطرتها الأستعمارية على العديد من الدول العربية آنذاك كفلسطين ومصر والسعودية والأردن والعراق ودول الخليج العربية الأخرى التي كانت إمارات تحت الأستعمار البريطاني . والمعلوم إن مستعمرات بريطانيا لكثرتها أنذاك كانت كما يقال لا تغيب عنها الشمس  وفي مختلف القارات . حيث عملت بريطانيا خلال انتدابها لفلسطين في دعم اليهود الصهاينة لأغتصابها وإقامة الكيان الصهيوني فيها كما أعلن ” كامبل بترمان ” رئيس وزراء بريطانيا آنذاك عن تشكيل لجنة من كبار الخبراء في التاريخ والإجتماع والسياسة في عام 1907  وطلب منها البحث عن الوسائل الكفيلة بتعميق السيطرة الأوربية ، وذكرت اللجنة في تقريرها إنه ينبغي على الأستعمار الأوربي أن يحول دون أتحاد الجماهير الشعبية في البلدان العربية ، وأن يمنعها من تبادل الأفكار التحررية وأن يسعى لإثارة الخلافات فيما بينها وأن يقيم على مقربة من قناة السويس حاجزاً بشرياً قوياً وغريباً عن المنطقة ، يكون موالياً للإمبريالية وعدواً لسكان المنطقة ورفعت اللجنة تقريرها إلى رئيس الوزراء ” كامبل بترمان ” بأنه تم أختيار فلسطين كمكان ملائم لهذا الكيان الذي يقع شرق السويس ويقسم العالم العربي إلى شرق وغرب ويعرقل قيام وحدته ، ومن أجل تحقيق هذا الهدف قدمت بريطانيا كل جهودها ومساعيها لإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين عندما كانت فلسطين تحت الانتداب البريطاني عام 1924 وما بعده ثم جاء بعد ذلك وعد أرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا في الثاني من تشرين الثاني/عام 1917  حيث جاء في هذا الوعد (إن حكومة صاحبة الجلالة تنظر بعين العطف على إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وستبذل أفضل مساعيها لتحقيق هذا الهدف) ويعتبر هذا الوعد أخطر وثيقة رسمية أصدرتها بريطانيا والعمل على تنفيذها لأغتصاب فلسطين عندما أصبحت فلسطين تحت الأنتداب البريطاني . بعد هذا التاريخ شهد القرن التاسع عشر بداية التحرك الأستعماري الصهيوني في المشرق العربي. حيث كانت أطماع الدول الغربية في فلسطين والمشرق العربي ، قديمة العهد والحروب الصليبية دليل على ذلك ، بالرغم من مظهرها الديني ، وكان ” نابليون بونابرت ” أول من دعا اليهود إلى الهجرة إلى فلسطين ، وتأسيس دولة يهودية فيها وذلك أثناء غزوه لمصر وفلسطين عام 1798 . والمعلوم لم يقتصرأهتمام بريطانيا بفلسطين والمنطقة العربية على تأمين الطريق التجاري للهند بل كانت بريطانيا تريد الأحتفاظ بالمنطقة لحماية نفوذها ومصالحها ، وهو الحفاظ على المصالح التجارية البريطانية في المنطقة والتدخل الأستعماري تحت شعار حماية الأقليات الدينية . لذلك أقامت بريطانيا أول قنصلية غربية في القدس عام 1830  ووجهت معظم نشاطها لحماية الجالية اليهودية في فلسطين . وكان هدف بريطانيا أستقدام جاليات يهودية ، لأهداف ودوافع أستعمارية أوضحها ” بالمرستون ” رئيس وزراء بريطانيا آنذاك في رسالة بعثها إلى سفــــــــيره في أسطنبول عام 1841 ، بإقناع السلطان العثماني بإباحة هجرة اليهود إلى فلسطين . لقد كان للبرنامج الصهيوني الذي أعتمده المؤتمر الصهيوني العالمي برئاسة ” هرتزل ” ، لابد من وجود مبررات لتنفيذ هذا البرنامج لذلك أعتمدت الصهيونية أسطورة (شعب الله المختار) وأسطورة ” الوعد الإلهي  ” من النيل إلى الفرات ملكك يا إسرائيل ”  وقد وضع الصهاينة اليهود بعد إقامة كيانهم الصهيوني في فلسطين عام 1948 خارطة موجودة في باب الكنيست ” أي البرلمان ” تشير هذه الخريطة إلى حدود إسرائيل من النيل إلى الفرات ، كما ترجمت الصهيونية مقولة شعب الله المختار ” إلى مزيج من العرقية والتعصب الديني والشوفينية العدوانية مستندين في ذلك إلى التوراة والتلمود . وأعتبرت الصهيونية إن العنصر اليهودي مميزاً عن باقي البشر وعلى ذلك فلا مانع من ترحيل عرب فلسطين . لذلك نادت الصهيونية بأن من حقها أن تقيم دولة على أرض فلسطين ، وأن تطرد أهلها وتعتبر من بقى من الفلسطينين العرب مواطنين من الدرجة الثانية بل وغرباء ومعتدون سرق أجدادهم أرض إسرائيل من أصحابها الحقيقيين . ودعمت الصهيونية تلك الإدعاءات الزائفة ” بالحق التاريخي ” لليهود في فلسطين ، مع إن فلسطين عربية منذ القدم ، وعلى طول التاريخ ، ومرور اليهود بأرضها كان مروراً عابراً ، فأقدم سكان عرفهم التاريخ في فلسطين هم الكنعانيون العرب .

الهلال الخصيب

 وبعد أن أحتل الحلفاء الهلال الخصيب نشطت بريطانيا أعطاء أحتلالها لفلسطين وشرق الأردن والعراق الصفة الشرعية والقانونية من الناحية الدولية ، وكذلك فعلت فرنسا بالنسبة لأحتلالها سوريا ولبنان .  ونتيجة لهذه المساعي ومارافقها من نشاط صهيوني فقد قررت عصبة الأمم عام 1922 ، فرض الانتداب على هذه البلدان . وقد نصت المادة الثانية من صك الانتداب البريطاني على فلسطين ، إن على الدولة  المنتدبة أي بريطانيا أن تضع فلسطين في أوضاع سياسية وأقتصادية وإدارية ، تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي ، وبذلك أصبح وعد ” بلفور ” مستنداً إلى صك الانتداب وليس بتعهد بريطانيا فقط . لقد أحتلت بريطانيا فلسطين عام 1918 ، وليس لليهود فيها جندي مسلح ، وكان عدد اليهود فيها آنذاك (56) ستة وخمسون ألف شخص وغادروها الإنكليز سنة 1948 والعدد الرسمي لليهود لا يزيد على (700) الف شخص ، وكان فيها أيضاً نحو 100  ألف جندي مسلح يهودي عند إندلاع الحرب مع العرب ، وهي حرب صورية ، حيث كانت البلدان العربية تحت الأستعمار الريطاني والفرنسي آنذاك وليس لها إرادة أو سيادة وكان قرار الحرب ووقفها بيد بريطانيا التي سلمت فلسطين إلى الصهاينة ، وإلاّ كيف يفسر إن جيوش سبع دول عربية تقاتل عصابات من الصهاينة لا تنتصر عليها ، علماً إن هذه العصابات هيأتها وسلحتها بريطانيا وتتمثل بعصابات شتيرن التي يقودها الصهيوني ” شامير ” والهاغانا ” التي يقودها الصهيوني” مناحيم بيغن” والأثنين أصبحا رؤساء وزارات للكيان الصهيوني لاحقاً والمعلوم من أجل أغتصاب فلسطين شرعت بريطانيا بتنفيذ وعد بلفور. ومن أجل تحقيق هذا الوعد ، أستخدمت بريطانيا كافة الطرق التي أدت إلى إقامة الدولة الصهيونية في فلسطين ، وكان أول مندوب سامي بريطاني على فلسطين هو اليهودي الصهيوني ” هربرت صموئيل ” وهذا يؤكد تصميم بريطانيا على تنفيذ وعد بلفور . وقد أصدر هذا المندوب بيانه الأول في فلسطين عام 1920 ، ” أكد أتخاذ التدابير المطلوبة لضمان إنشاء  وطن قومي لليهود في فلسطين بالتدريج ”  ومن ناحية أخرى أعترفت بريطانيا وهي المنتدبة على فلسطين بالوكالة اليهودية كهيئة سياسية تمثل اليهود في فلسطين ، حيث نص صك الانتداب على فلسطين على الأعتراف ، بوكالة يهودية تشير إلى حكومة الأنتداب – وهي بريطانيا – للتعاون مع المندوب السامي الصهيوني في الشؤون الأقتصادية والإجتماعية وغيرها مما يهيئ لإنشاء الوطن القومي اليهودي . وقد تعاملت حكومة الانتداب البريطانية مع الوكالة اليهودية على إنها حكومة المستقبل في فلسطين ، وعهدت إليها منذ تأسيسها واجبات الحكومات في إدارة المؤسسات المالية والتعليم وغيرها من المؤسسات التي أصبحت تشكل حكومة المستقبل الصهيونية في فلسطين . كما سمحت حكومة الانتداب البريطانية للوكالة اليهودية وساعدتها على إيجاد قوة عسكرية بأسم ” الهاغانا ” وهي عصابات صهيونية بحجة الدفاع عن المستعمرات الصهيونية في فلسطين . كما كانت حكومة الانتداب البريطانية تغض الطرف عن عمليات تهريب السلاح الواسعة لليهود الصهاينة ، وكانت تصل كميات السلاح المهرب إلى عصابات ” الهاغانا ” الصهيونية كما كان مجلس بلدية تل أبيب في ظل حكومة الإنتداب البريطانية يتمتع بصلاحيات واسعة . حيث كان لشرطة تل أبيب “زي خاص ” وقيادة مستقلة في قيادة الأمن العام في فلسطين ، الأمر الذي جعل تل أبيب قبل انتهاء الانتداب البريطاني بفترة طويلة مستقلة عن فلسطين . كما عينت حكومة الانتداب البريطانية منذ البداية الخبير القانوني اليهودي الصهيوني الإنكليزي ” بنتويش ” مستشاراً قانونياً لحكومة الإنتداب البريطانية ، وعهدت إليه وضع التشريعات القانونية التي تساعد على إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين . حيث قام هذا الخبير وبدعم حكومة الانتداب البريطانية بإلغاء الكثير من القوانين وتشريع قوانين جديدة ، وكانت تهدف إلى سلب السكان كل مظاهر الحرية ويقصد بذلك السكان عرب فلسطين . كما سن قوانين جديدة تهدف إلى تسهيل تمليك اليهود الأرض ، وكمثال على ذلك القانون الذي يسمح لحكومة الانتداب البريطانية بالتنازل عن ملكية أراضي الدولة للمؤسسات ذات النفع العام ، وكانت دوماً مؤسسات صهيونية . كما سنت حكومة الإنتداب البريطانية بالتعاون مع الوكالة اليهودية قوانين تسمح بمسح الأراضي وفرز الأراضي المشاع الأمر الذي يؤدي إلى تفتيت ملكية الأراضي وتسهيل نقلها إلى اليهود الصهاينة .

قوانين جديدة

كما سهلت القوانين الجديدة لكبار الإقطاعيين من لبنايين وسوريين إلى بيع أراضيهم في فلسطين وساعدت السلطات الإدارية والعسكرية على طرد الفلاحين الفلسطينين منها . وعلى سبيل المثال باع الإقطاعي البناني (ســـــرسق) عام 1924  حوالي (160) الف دونم وهي تشكل جميع أراضي قرية العفولة العربية إلى شركة ” جاليه صهيون الأمريكية ” وهي شركة صهيونية تأسست من أجل مساعدة الأستيطان  الصهوني في فلسطين ، وتكررت العملية ببيع أراضي وادي الحوارث عام 1929 حيث تم بيع أكثر من  (30)ألف دونم إلى الصندوق القومي الصهيوني وكذلك الأمر بالنسبة لأراضي الحولة والخالصة في فلسطين . كما فرضت قوانين الأراضي الجديدة ضرائب باهظة يعجز الفلاحون الفلسطينيون دفعها وبذلك كانت تتراكم عليهم هذه الضرائب لعدة سنوات ، ثم تعمد حكومة الانتداب البريطانية إلى بيعها لكي تستوفي الضرائب وهي سياسية مقصودة حيث يتم شراء هذه الأراضي من قبل اليهود الصهاينة كي تصبح فلسطين ملكاً لهم ، حيث تبين الإحصاءات إن اليهود كانوا يملكون 2 بالمئة إثنان بالمئة من أرض فلسطين التاريخية عندما أحتلت بريطــــــــانيا فلسطين عام 1918ومن أجل أغتصاب فلسطين شجعت ودعمت حكومة الانتداب البريطانية هجرة اليهود إلى فلسطين فأقامت مكاتب ودوائر رسمية لمنح المهاجرين اليهود جوازات سفر وتعاونت مع الوكالة اليهودية والأجهزة الصهيونية على أستقبال المهاجرين وتسهيل أستيطانهم في فلسطين ، وكانت تعتبر هجرة اليهود إلى فلسطين حقاً لا منحة في حين قاومت سلطة اتداب البريطانية بشدة هجرة العرب إلى فلسطين ، حيث في بعض الفترات أزدادت هجرة الأردنين والسوريين إلى فلسطين فكانت قوات الشرطة البريطانية تقوم بأعتقاله ثم ترحيلهم ، والمعلوم في عام 1935 دخل فلسطين  (125) ألف مهاجر من اليهود ، وهو أكبر عدد دخل فلسطين في سنة واحدة . كما كانت حكومة الانتداب البريطانية تساعد الوكالة اليهودية عن طريق مساعدة عصابات ” الهاغانا ” لكي تصبح جيشاً نظامياً قوياً ، وفي نفس الوقت تضرب جميع الحركات والتنظيمات العربية الوطنية فكلما قام العرب بتشكيل منظمات شعبية مثل اللجان القومية تقوم حكومة الانتداب  البريطانية بأعتقال قيادات هذه اللجان .

وفي عام 1937  أعلنت حكومة الانتداب البريطانية إن اللجنة العربية العليا هيئة غير شرعية وأعتقلت معظم أعضائها ونفتهم إلى جزر ” سيشل ” ، وقد تمكن رئيس اللجنة أمين الحسيني من الهرب من فلسطين . وبسبب نقمة العرب الفلسطينيين على بريطانيا بسبب أحتلالها للبلاد وتبنيها لوعد بلفور لإقامة كيان صهيوني في فلسطين، ومــــساعدة الصهاينة في الهجرة وتملك الأراضي قامت ثورة 1936 – 1939 وتحولت فلسطين إلى ساحة حرب . وبعد قيام الحرب العالمية الثانية أقتصر نضال الشعب العربي الفلسطيني على مقاطعة اليهود ومقاومة بيع الأراضي ، وعدم التعاون مع السلطات البريطانية بسبب موقفها المخزي في دعم اليهود الصهاينة في أغتصاب فلسطين  وقد عمل اليهود على الاستفادة من الحرب العالمية الثانية وركزوا مطالبهم على إنشاء فيلق يهودي يقاتل إلى جانب الحلفاء ضد القوات الألمانية وهذا هو السبب الرئيسي الذي دعا ألمانيا إلى أضطهاد اليهود المقيمين في ألمانيا وفي الدول الأوربية التي احتلتها القوات الألمانية خلال الحرب لأنهم تحولوا إلى أعداء . كما نقل اليهود بعد الحرب أرتباطهم من بريطانيا بعد أن هيأت لهم أغتصاب فلسطين إلى الارتباط بالولايات المتحدة التي أصبحت زعيمة المعسكر الغربي ، والتي أحتظنت الحركة الصهيونية في فلسطين .

 وفي 28/نيسان/عام 1947 عرضت بريطانيا القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة ، وأنتهت المناقشات بتشكيل لجنة للتحقيق في قضية فلسطين أشترك في عضويتها أحىد عشرة دولة  وقد أقترحت أغلبية أعضاء اللجنة تقسيم فلسطين إلى دولة يهودية تضم 56,57 بالمئة  من الأرض الفلسطينية وإلى دولة عربية تقوم على 42,88  بالمئة  من أرض فلسطين ، وتكون منطقة القدس دولية . وقد رفض العرب هذا التقسيم وبعد صدور قرار التقسيم أخذ اليهود الصهاينة يعدون ويمهدون لإقامة الدولة اليهودية التي أكملت مؤسساتها حكومة الانتداب البريطانية ، وقد وعد الرئيس الأمريكي ” ترومان ” ” حاييم وايزمن ” ممثل يهود أمريكا والذي التقاه سراً في آذار عام 1948 بأن الولايات المتحدة سوف تعترف بقيام دولة إسـرائيل في 15مايس عام 1948 فور الإعلان اليهودي عن قيامها وهذا قد حدث حيث أعلنت الولايات المتحدة أعترافها بعد قيام إسرائيل بأربع دقائق وتبعها دول الغرب والاتحاد السوفيتي وغيره من الدول آنذاك . من كل ما سبق ذكره يؤكد إن فلسطين قد أغتصبتها الصهيونية العالمية بالتواطؤ مع بريطانيا والولايات المتحدة ودول الغرب عموماً وتم تشريد أهلها الشرعيين بقوة السلاح وجلب مئات الآلاف من اليهود الصهاينة من شتى بلدان العالم ، ومن أجل كسب عطف العالم لإقامة وطن قومي لهم في فلسطين أخذت الدعاية الصهيونية وكتبها تروج إلى أضطهادهم من النازيين وقتل ستة ملايين يهودي في آفران الغاز أي المحرقة HAULOCOST التي أقامها أدولف هتلر كما يدعون وذلك من أجل كسب عطف العالم لإقامة وطن لهم في فلسطين أي تحويل مطالبهم إلى قضية سياسية في حين إن هذه الأفران وجدت في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى من أجل حرق القتلى الألمان خلال الحرب ، وهذا ذكره أحد الطلاب الفرنسيين في رسالته للدكتوراه التي قدمها إلى جامعة باريس وقد سحبت هذه الرسالة بعد أن علم بها اللوبي اليهودي بالضغط على وزارة التعليم العالي .وقد أطلعت على هذه المعلومات التي نشرتها الصحف السورية في ثمانينات القرن الماضي عندما كنت في سوريا . والمعلوم إن الفيلسوف الفرنسي ” روجيه جارودي ” الذي أعتنق الإسلام لاحقاً قد ذكر في أحد كتبه المترجمة إلى العربية بأن الألمان لم يقتلوا 6  ملايين يهودي وهو رقم مبالغ فيه وإنما مئات الآلاف والسبب كما ذكرت بسبب تشكيل فيلق يهودي يقاتل الألمان إلى جانب الحلفاء قوامه ثلاث فرق من الجنود كما إن الصحفي الإنكليزي المعروف ” ديفيد أرفنج ” ذكر في ثمانينات القرن الماضي ونشرتها الصحف بأنه رصد جائزة مالية قيمتها ألف باون أسترليني إلى كل من يثبت له بوثيقة رسمية بأن هتلر أمر بقتل اليهود وقال إن أحداً لم يتقدم له لأخذ الجائزة ، بالرغم من عرضها منذ سنين طويلة ، وقد أعتقلت السلطات النمساوية ” أرفنج ” عند سفره إليها بضغط من اللوبي الصهيوني وقد أطلق سراحه بسبب تدخل السلطات البريطانية والمعلوم أن اليهود خلال تشكيل دولتهم وبعدها أرتكبوا أبشع الجرائم بحق العرب الفلسطينيين ، بل وأبشع من الجرئم التي أرتكبتها النازية بحقهم كما يدعون فهناك مذبحة دير ياسين عام 1948  قتلوا العشرات من النساء والشيوخ والأطفال من أجل إرهاب الفلسطينين للهجرة من فلسطين وكذلك مذابح قبية وكفر قاسم ، وجنين بحق الفلسطينين حيث ذهب ضحية هذه الجرائم الآلاف من الأبرياء الفلسطينين كما إنهم يمارسون القتل اليومي للشبان الفلسطينين الذين يتظاهرون من أجل تحرير بلدهم فلسطين وهي مظاهرات ” حق العودة ” وفي يوم 4 و 5 /مايس/2019  قامت الطائرات الإسرائيلية بعشرات الغارات على مدينة غزة فقتلت 32 مواطناً فلسطينياً ومئات الجرحى وكلهم من المدنيين وتدمير العشرات من المساكن والأبنية ، ولم يستنكر المجتمع الدولي هذه الجرائم بحق الفلسطينيين في حين الرئيس ترامب المؤيد للصهيونية أيد هذه الغارات على الشعب الفلسطيني . كما إن هناك اليوم في السجون الإسرائيلية أكثر من سبعة آلاف سجين فلسطيني بعضهم من النساء والأطفال وبعضهم قضى ولا زال في السجن عشرة أو عشرين عاماً ، ولم يحتج الغرب الذي يتبنى الديمقراطية وحقوق الإنسان على هذه الجرائم التي يمارسها الكيان الصهيوني بحق الفلسطينين . كما إن النظم العربية تركت الفلسطينين لوحدهم في مواجهة الكيان الصهيوني المدجج بالسلاح التقليدي المتطور والسلاح النووي ، فبعض النظم العربية بدأت التطبيع مع هذا الكيان وبطلب أمريكي . ففي الأسابيع الأخيرة زار نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني عُمان وقد صرح وزير خارجية عُمان بلا خجل (بأن الأتصالات مع إسرائيل كانت سرية والآن أصبحت علنية) كما زار رئيس الموساد الإسرائيلي في نفس الفترة كل من السعودية والإمارات كما أسقبله ملك البحرين ، كما إن زيارات المسؤولين الصهاينة إلى المغرب متواصلة ، علماً إن ملك المغرب مسؤول عن ملف القدس ، كما صرح وزير خارجية قطر قبل فترة قصيرة (بأن من حق إسرائيل أن تعيش في أرضها بسلام) وتبعه على نفس المنوال ولي العهد السعودي كما إن مصر والأردن تعترف بها الكيان وتقيم معه العلاقات الدبلوماسية .

انحطاط وتبعية

 وبسبب الوضع العربي الذي يمثل قمة الانحطاط والتبعية للإدارة الأمريكية إضافة إلى الحروب الأهلية في العديد من الدول العربية هو الذي دفع الرئيس الأمريكي المتصهين إلى الأعتراف بالقدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني وبعدها الأعتراف للكيان الصهيوني بحق السيادة على هضبة الجولان السورية المحتلة ، ومقابل ذلك أعــــــلن نتنياهو يوم 24/4/2019  بإطلاق أسم ترامب على إحدى المستعمرات في هضبة الجولان ، إن تصرف ترامب للأعتراف بالكيان الصهيوني على القدس والجولان يمثل أنتهاكاً لقواعد القانون الدولي والمواثيق الدولية وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة ، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة عام 1948 ، حيث لم يعترف أي رئيس أمريكي سابق لأسرائيل بالسيادة على القدس والجولان فهو إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق . وكان رد الفعل العربي على قرار ترامب هزيلاً في أجتماع القمة العربية في تونس في 31/3/2019 حيث تقرر في هذه القمة ، إن تعرض قضية أعتراف ترامب – أي أمريكا – بضم القدس والجولان إلى الكيان الصهيوني على مجلس الأمن الدولي وعلى محكمة العدل الدولية في (لاهاي) وذلك في بيان ألقاه أمين عام الجامعة العربية في ختام المؤتمر وبحضور الحكام العرب ، بيد أن الولايات المتحدة التي تهيمن على النظم العربية أمرتهم بعدم عرض القضية على مجلس الأمن ولا محكمة العدل الدولية ، فهؤلاء الحكام لا يحترمون توقيعهم في تنفيذ قراراتهم التي أعلنها أمين عام الجامعة العربية بأسمهم ولا يحترمون شعوبهم وهم جميعاً جاء بهم الأستعمار إلى السلطة ولا علاقة لهم بالقضية الفلسطينية أو مقاومة الأستعمار والكيان الصهيوني كل ذلك دفع الكيان الهيوني إلى ضم المزيد من الأراضي العربية كهضبة الجولان السورية ومزارع شبعا في لبنان وسوف تكون الخطوة القادمة ضم الضفة الغربية في فلسطين ، وإلغاء فكرة إقامة دولة فلسطينية على الضفة وقطاع غزة لأن العدو يعرف جيداً إن النظم العربية لا تحارب من أجل فلسطين .إن أعتراف ترامب بالسيادة الإسرائيلية على القدس والجولان يمثل أنتهاكاً لقرارات مجلس الأمن الدولي التي ساهمت الإدارة الأمريكية في إصدارها وهما القرار رقم 242 الصادر عام 1967  والقرار رقم 497 ا لصادر عام 1981 . فالنظم العربية كلها تحت الهيمنة الإستعمارية منذ عقود من الزمن ولا زالت وقد ذكر عبد الناصر الذي قاتل في فلسطين بأن العرب هزموا في الحرب عام 1948 لأنهم قاتلوا في سبعة جيوش ولو كان هناك جيش واحد لأنتصر العرب في هذه الحرب ، ويقصد بذلك جيش دولة الوحدة العربية لو كانت قائمة هذه الوحدة التي يعمل عبد الناصر من أجل تحقيقها بعد ثورة يوليو عام 1952 ، وبدأها بوحدة مصر وسوريا عام 1958  كنواة لوحدة عربية شاملة ، بيد أن الغرب الأستعماري والصهيونية العالمية والنظم العربية الرجعية وحزب البعث وآخرون جميعهم ساهموا في فصل دولة الوحدة النواة الجمهورية العربية المتحدة ، وهو فصل سوريا عن مصر في إنقلاب عسكري مشين ضد إرادة الشعب السوري الذي صوت للإنضمام لدولة الوحدة بما يشبه الإجماع لذلك فإن فلسطين لا يمكن تحريرها إلاّ بقيام الوحدة العربية ، التي تجعل من العرب أمة عظمى ، كما أن الحضارة العربية لا يمكن أن تقام إلاّ في ظل دولة الوحدة حيث يتحول المجتمع العربي إلى مجتمع علمي تكنولوجي متطور من خلال التكامل لأقطار البلدان العربية الداخلة في الوحدة ، أقتصادياً وعلمياً وثقافياً وبشرياً وعسكرياً وغيره ، عندها سوف يتم تحرير فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى لا محالة كالجولان في سوريا ومزارع شبعا في لبنان وقد ذكر عبد الناصر في أحد خطبه إلى الجماهير العربية حول أهمية الوحدة في التحرير وبناء الحضارة حيث قال (إن تفتيت الأمة العربية منذ سايكس – بيكو إلى اليوم هدف صهيوني أستعماري ، لأنه يحوّل قوة الأمة وطاقاتها إلى النزاعات والحروب بين بلدانها وأبنائها على أساس قطري أو طائفي أو مذهبي أو عرقي ألخ.. والرد هو الألتزام بالمنهج الوحدوي فكراً وممارسة على مستوى الأفراد والمجاميع في الأمة العربية ، والمعادلة التي لا تقبل الرد هي الوحدة أساس النصر ، والتحرير والتقدم  والأمن ، والفرقة والإنقسام يقودان إلى الهزائم والتخلف وتمكين المحتل من البقاء حيث هو وأضاف عبد الناصر قائلاً ، كانت الفرقة سبب إنكسارنا وكانت الفرقة هي سبب هزيمتنا ، وكانت الفرقة هي سبب ضياع فلسطين .

دروس وعبر

إن الوحدة التي تنبض بها القلوب اليوم في كل مكان هي سبيلنا إلى القوة ، وهي سبيلنا إلى التحرير وإلى تحقيق حقوق شعب فلسطين . وإن القوة التي نسعى إليها لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحقق إلاّ إذا أتحدت القلوب ,وأتحد العرب في كل مكان ، ولذا فلا غرابة أن نرى الأستعمار ، ونرى الصهيونية تظهر الإنزعاج ، وتظهر الخوف من وحدة العرب وأضاف عبد الناصر إنها دروس وعبر مستقاة من التاريخ والواقع ، وهي ضرورية للأمة العربية كي يوقف المستهترون بالوحدة ، والعابثون بالوحدة الوطنية والعربية بأسم الطائفية ، والمذهب ، والعرق والجهة ، ما ينفثونه من سموم الفرقة القاتلة . فالفرقة ضيعت فلسطين ، وضيعت قوة الأمة العربية وثرواتها وهجرت وشردت ، وقتلت ، وخربت ، ولا عزة إلاّ مع الوحدة ، ولا تحرير إلاّ بالوحدة ، ولا تقدم ، ولا أمن ، ولا حرية وكرامة إلاّ مع الوحدة . إن أستهداف فلسطين في المشروع الإستيطاني الصهيوني الإحلالي جاء مؤامرة على الأمة العربية كلها ، ولوضع حاجز يمنع وحدتها ، ولا يكون تحرير فلسطين إلا بالوحدة ولا تقوم الوحدة إلاّ بتحرير فلسطين ، وكل فتنة في الأمة إنما هي خادمة للأستعمار والصهيونية ومؤامرة على العروبة وعلى فلسطين لقد عرفت الأمم المتحدة الصهيونية في تشرين ثاني عام 1975  بأنها شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري وقد ألغي هذا القرار في سبتمبر عام 1991 من الأمم المتحدة نفسها بالضغط الأمريكي . إن من المظاهر التي شغلت حيزاً مهماً في الوعي العربي لخطر المشروع الصهيوني هو التهديد الإقتصادي الصهيوني ، الذي شكل تهديداً مزدوجاً .

أولاً : للقوة الأقتصادية التي تمتعت بها الصهيونية ، وثانياً : أثرها في الأقتصاد العربي ، فقد أدرك العرب في فلسطين وخارجها إن الصهيونية تسعى إلى السيطرة على الوطن العربي سيطرة سياسية وعسكرية شاملة ، وفي البداية كانت تسعى أن تكون السيطرة أقتصادية . وقد كان الوعي للخطر الإقتصادي الذي تشكله الصهيونية لدى الفلسطينيين أسبق وأكبر منه لدى العرب . من هذا المنطلق جاءت مقاومتهم للصهيونية بشكل مبكر جداً ، بدليل إن هذه المقاومة لم تشتد إلاّ عندما بدأ تطبيق العمل العربي ، في حين أن الوعي العربي خارج فلسطين كان ينصب بصورة أكبر على خطر الصهيونية السياسي ، لذا أنطلقت المعارضة لها على أساس قومي ، بأعتبار إن الصهيونية تهدد كيان الأمة العربية ووحدتها إن الحركة الصهيونية حركة عنصرية أستعمارية أستيطانية وهي مشتقة من كلمة ” صهيون ” وهو أسم جبل في القدس ، ومعناها الأرض الموعودة أو الأرض المقدسة وغايتها الهجرة إلى فلسطين لدوافع دينية أو دنيوية أو كليهما بهدف أستيطانها أملاً في إعادة تأسيس الدولة اليهودية فيها ، وقد نادت بحل كما أسمته بالمشكلة اليهودية وعارضت إندماج اليهود في أوطانهم الأصلية ودفعتهم إلى الهجرة إلى فلسطين زاعمة إن لهم فيها حقوقاً تاريخية ودينية ، وقد أسبغت الحركة الصهيونية على اليهودية صفة القومية ، وزعمت إن الشعب اليهودي يشكل عرقاً نقياً  وبالرغم من وقوف أطراف ومختصين ومفكرين وأكادميين من بلدان متعددة أزاء الحقوق العربية كي تتصدر إسرائيل قائمة الإرهاب في موسوعة تعتني بذلك وقيام مركز وبحوث ودراسات بنشر ما يدين الصهيونية و ” إسرائيل ” وخصوصاً لدى جيل جديد من الباحثين في العالم ، إلاّ أن هذا العالم بحاجة ماسة إلى الرؤية العربية الموحدة ، والدراسات النقدية العربية لخطاب إسرائيل وفضح مواقفها ودراسة مواطن الخلل في معلوماتها ، بالرغم من جهود مشكورة قدمتها نخبة عربية ، وأغلبهم من المختصين والمفكرين والمؤرخين الفلسطينين في طرح الحقوق العربية المغتصبة من قبل الصهاينة . إلاّ أن الضرورة باتت ماسة إلى تكريس خطاب عربي يوجه باللغات الأساسية الحية إلى العالم ، وأن تقوم مراكز بحوث عربية بدراسة ونقد ما ينتج عالمياً حول مختلف القضايا التي تخص العرب وخصوصاً قضيتهم المركزية فلسطين ونشرها مطالبين بالتحقق منها موضوعياً دون الوقوف على الحياد . وأخيراً أود أن أقول إن فلسطين أغتصبتها الصهيونية بدعم من وإسناد بريطانيا وأمريكا والغرب عموماً ، وإن الحقوق المتعلقة بالأوطان لا يسقطها تقادم الزمن مهما طال وإن العرب سوف يسترجعون فلسطين والأراضي العربية المحتلة عند التخلص من النظم العربية القائمة العميلة للأستعمار وعندها تتحقق الوحدة العربية الكبرى ولو بعد حين وسوف تتحقق الحضارة العربية والتحرير ، حيث لا حضارة ولا تحرير للأراضي العربية المغتصبة والمحتلة ، بلا وحدة عربية عندها سيشكل العرب قوة عظمى تساهم في بناء الحضارة الإنسانية وتلعب دولة الوحدة دوراً بارزاً في الشؤون الدولية .

مشاركة