درس في التهيئة للكتابة الروائية

379

درس في التهيئة للكتابة الروائية

التوراة في حدائق ميزوبوتاميا إنموذجاً

نعيم عبد مهلهل

ما اتحدث عنه هنا كان الهاجس والدافع لكتابة رواية بالرغم من هذا الهاجس لم تم الاشارة اليه لا من بعيد ولا من قريب داخل الرواية (التوراة في حدائق ميزوبوتاميا ) التي تجلس الان في المطبعة وتنتظر صدورها خلال اسابيع ، والهاجس عبارة عن حكاية تتراوح بين الحقيقة والافتراض والتي تتحدث عن نسخة قديمة من التوراة كانت موجودة في المكتبة العامة في مدينة الناصرية ( 360 كم جنوب بغداد ) ثم ذهبت الى الكويت لتباع هناك الى مكتبة العاصمة العامة ، ثم عادت ثانية الى الناصرية ، ثم اختفت الى الابد. والآن وقد انجزت روايتي المسكون بهاجس التوراة المفقودة ، اشعر ان الروائيين يستطيعون ان ينجزوا اعاملهم الرواية بفعل هواجس مشجعة ولكن ليس بالضرورة ان تكون هذه الهواجس داخل النص ، وهو يشابه تماما بعض احاسيس القصيدة عند الشاعر حين يشم عطرا ويتذكر امرأة فيكتب عن تلك المرأة دون الاشارة الى ذلك العطر. هم لا يشيرون ولكنهم حتما يحملون التقدير والوفاء الى ذلك الشيء المنظور او المحسوس او الواقعي الذي دفعهم لينسجوا تفاصيل حكاية طويلة التي قد لا يعلم القارئ تفاصيل اللحظة والمناسبة التي صنعت تلك الحكاية. وروايتي التوراة في حدائق ميزوبوتاميا تديم بالوفا الى ذلك الكتاب الذي احزنتني نهايته المجهولة ، وحتما تلك التوراة التي اهداها المعلم اليهودي يوسف حبو من ابناء مدينة الناصرية الى المكتبة العامة في بدء تأسيسها ما كان لها ان تنتهي الى حيث موجات السلب والنهب التي هي نتاج عبث الحروب والقدر البائس لشعب الرافدين لتصبح ربما طعما للنار او التمزيق او اكياسا لبيع بذور حبوب عباد الشمس او الذرة ( الشامية ). قصة التوراة والتي شغلت تفكيري ودونتها أول الامر على شكل قصة قصيرة والتي كانت تتحدث عن فقدان كتاب ولكنه ليس كتابا عاديا إنما هو حكاية تأريخ ابتدأ من اول الخطوات الراجلة لأسرى اورشليم وهو يضعون خطوات اقدامهم الحافية على اسفلت شوارع بابل ثم يستمر منذ لحظة نبوخذ نصر السير التاريخي لوجود اليهودي في العراق وحتى هاجس الرغبة الجديدة لدى ابناء واحفاد اليهود الذين تم تهجيرهم من العراق اثناء تأسيس دولة اسرائيل ، وهؤلاء يعيشون هاجسين اولهم الرغبة في استعادة املاك ابائهم واجدادهم التي تم التحفظ عليها او انتقلت ملكيتها الى اخرين واغلبها خانات وبيوت بشناشيل وبعض الاوقاف والهاجس الثاني هو روحي حيث لليهود مزارات سماوية مهمة منها مرقد النبي العزير شرق دجلة في ميسان بين القرنة وقلعة صالح ، ومرقد النبي الكفل القريب من الحلة. كتاب التوراة الذي كان موجودا في المكتبة العامة في مدينة الناصرية هي من ذهبت بي الى اخيلة اخرى لافترض ان نسخة اخرى من تلك التوراة موجودة عند احد الناشرين في شارع المتنبي في بغداد ، واعترف ان الحكايتين التوراة التي في المكتبة والاخرى التي هي عند الناشر البغدادي هما افتراضيتين ولكنهما تتعقبان حقيقة واحدة هو مصير التراث اليهودي في العراق ومنه ذلك الارشيف الضخم الذي تم نقله من السراديب الرطبة تحت بناية مديرية المخابرات العامة في الحاكمية الى الولايات المتحدة بحجة صيانته وترميمه ،

حالة بائسة

وربما حسن فعلوا لأن هذا الارشيف لو بقي على حاله البائسة تلك بين رطوبة المياه الجوفية لأتلف تماما شرط ان يعاد الى العراق بعد صيانته وترميمه .لانه جزء من التراث الوطني للعراق وفيه تدوينات لأدبيات توراتية واصحاحات ووقائع وجرودات للأغلب انشطة الجالية اليهودية في العراق على الاقل منذ العهد العثماني وحتى عام 2003. انتهت الرواية وسترى النور على رفوف المكتبات وستهدى مجانا لكل ناقد او مثقف او مهتم بالتراث الادبي العراق ، وبالرغم من ان الناشر الذي اتفقت معه لطباعتها اخل لأكثر من مرة بوعود طبعها وتسويفه للأمر فأني سأطبعها على حسابي الخاص وفاء لكتاب ثمين كان في مكتبة مدينتي ولم احظى بشرف قراته لانه في وقت استعارته وبيعه في الكويت كنت ما زلت طفلا لالا يهوى سوى مشاهدة الافلام الهندية  التي احصل على ثمن بطاقة الدخول الى السينما ( 40 فلسا ) عن طريق بيع الخبز ابو الحليب في سوق الخبازات في الناصرية . والآن وقد انتهت هذه المقدمة التي اعتقادها درسا في الكتابة الروائية أو التحضير لها لا املك سوى ان اضع بين اجفان القارئ العزيز هذا النص الذي كان سببا في كتابة روايتي الجديدة (التوراة في حدائق ميزوبوتاميا ) ، واكرر ان هذا النص ادناه لم تتم الاشارة اليه داخل الرواية:

نسخة التوراة في مكتبة الناصرية العامة

1

في الجرد السنوي لكتب المكتبة العامة في الناصرية يم تشكيل لجنة من ثلاثة موظفين يتم تسميتهم من قبل المتصرفية .ولكن في عام  1964 أضيف الى اللجنة موظفا اتى من بغداد موفدا من اجل المشاركة في عملية الجرد ، ولا يعرف اي واحد طبيعة مهمته وغرضها . وكأن سؤاله الوحيد لأمين المكتبة : يوجد في المكتبة نسخة من توراة قديمة اهداها المعلم اليهودي يوسف حبو عند تأسيس المكتبة العامة عام 1945.

فتذكر أمين المكتبة أن معلما كان قد استعار تلك التوراة ولم يرجعها الى المكتبة ، وحين انتهت مدة الاستعارة تم تغريمه الثمن المقدر للكتاب وهو ثلاثة دنانير ،تم دفعها من قبل المستعير ووصل القبض محفوظا في اضابير ذاتية المكتبة.

قال الموظف القادم من بغداد : وتعرفون اين يسكن هذا المعلم.

ــ نعم أنه ابن مدينة وصديق ويسكن في محلة السراي .

ــ ولماذا لم تستعيدون الكتاب منه بالقوة او بالحسنى .؟

ــ نظام المكتبات العامة يقول ، من لا يعيد الكتاب يغرم ثمنه المقدر ، والرجل لانعرف لماذا لم يعد بالكتاب ولكنه دفع ثمنه وفي العادة يكون مضاعفا مرتين.

قال الموظف : انت ترتكب خطأ سياسيا وتاريخيا عنما تفرط في هكذا كتاب.

قال امين المكتبة : هنا في مكتبتنا لا يوجد لدينا تصنيفا للكتب النادرة ، ولم يخبرنا احد بأهمية هذا الكتاب ـكنا نحسبه كتابا دينا مثل الكتب السماوية الاخرى ولدينا منها نسخا عديدة ، ولو اتى الامر من بغداد بضرورة الحفاظ على نسخة التوراة هذه ،لما اعرناها لاحد ،ومن يريد ان يطلع عليها سيطلع عليها داخل المكتبة فقط.

قال الموظف : وهل تعرف بيت هذا المعلم الذي استعار التوراة .

ــ نعم .

ذهبوا الى بيت المعلم الذي اخبرهم انه استمتع بقراءة التوراة لولعه في التاريخ العراقي القديم ،وانه اراد الاحتفاظ بالتوراة ودفع الغرامة ما دام القانون يبيح له ذلك . وانه قبل اشهر سافر الى الكويت واستضافه احد الأصدقاء وكانت نسخة التوراة قد اخذها معه يقضي فيها ملل الطريق ، فانتبه الصديق الكويتي لها ، وسأله ان كان يريد بيعها ، فأن المكتبة العامة في مدينة الكويت العاصمة تشتريها .

ضحك المعلم وقال :لقد قريتها مرات عديدة وسأبيعها حتى لو بخمسة دنانير ، لأني دفعت غرامة الكتاب ثلاثة دنانير واريد ربحا دينارين .

في اليوم الثاني ذهبا الى المكتبة العامة في مدينة الكويت وكان امينها رجلا مصريا الذي سكنته الدهشة والعجب ما ان عرضا عليه الكتاب التوراة وقال بارتباك : هل هذا الكتاب مسروق من كنيست يهودي في العراق ؟

رد المعلم : كلا ،هذه التوراة استعرتها كأي كتاب من المكتبة العامة ولم اعيده اليهم ودفعت غرامته ثلاثة دنانير ،وهذا بين اوراق الكتاب وصل الغرامة.

ــ والان تريد ان تبيعه ؟

ــ مضيفي الكويتي وهو اقاربي اقترح علي ذلك ووافقت .

ــ وكم تريد ثمنه ؟

ــ خمسة دنانير .

ــ كلا سنعطيك مئتي دينار ،ولكن نشتريه منك بمكاتبة .

يقول المعلم : لم اصدق عرضا خرافيا مثل هذا ، وحين عدت ، جددت غرفتين في بيتي وبنيتهما من جديد ،وغرفة الضيوف التي تجلسان فيها الان واثاثها من بركات التوراة ،وما بقيَّ من المبلغ اشترينا به نيشانا لعرس ولدي.

عاد الموظف الى بغداد بخفي حنين ، فلم يكن بمقدوره محاسبة مواطن استعار كتابا ودفع غرامه عدم اعادته .وقال لأمين المكتبة : لقد خسرنا ارثا وطـــــــنيا.

2

بعد غزو الكويت كانت هذه التوراة من ضمن مقتنيات المكتبة العامة في العاصمة ، وقد نهبت من ضمن ما نهب من الارشيف الوطني الكويتي ، وقد وقعت تلك التوراة في يد جندي خريج في احدى الوية الحرس الجمهوري ويسكن حي سومر في الناصرية ، الذي انتبه الى ان هذا الكتاب الديني يحمل ختمين ،الاقدم هو ختم مكتبة الناصرية العامة ،والثاني ختم مدينة الكويت العامة . ولأنه خريج ومثقف فانه اخذ التوراة الى المكتبة العامة في الناصرية ،لكن احدى الموظفات رفضت استلامه لشعورها ان هذا قد يسبب لها ولأمين المكتبة اشكالات السؤال والجواب.

الجندي اخذ الكتاب الى مدرسته الثانوية التي انهى منها السادس العلمي ،واعطى الكتاب الى مدير المدرسة اهداء لمكتبها ، والمدير بدوره اعطاه الى مدرس التاريخ الذي دون حتى ان يقلبه نضده بين كتب المكتبة الصغيرة.

بعد احداث انتفاضة 1991 .وانسحاب العراق من الكويت تعرضت هذه الثانوية الى عمليات نهب وضاع الكتاب الثمين أما حرقا او تمزيقا او باعوا بأوراقه بذور عباد الشمس ( حَبْ أكراد ).

مشاركة