دراسة في قصص على السباعي

486

دراسة في قصص على السباعي

جحيم الموت وبذور الأمل في بلاد الرافدين

أمين خالد دراوشة

يستمر القاص على السباعي في مشروعه القصصي، وهو يحوم حول موضوعات بعينها: الكراهية والحب، الحرب والسلام، الحصار والحرية، اليأس والأمل.

وحتى نستطيع أن نفهم ما يجول في نفسه المضطربة والقلقة والثائرة، نأخذ ما أورده في آخر مجموعته “مسلّة الاحزان السومرية” تحت عنوان “حوار في مرآة الذات”، إن قصصه لا تخرج عن اللونين الأسود والأبيض، ويعلل ذلك بقوله:

إن “الإذلالُ اليومي، واليأس، والبؤس، والشقاءُ، والفقد، والترملُ،  واليتم، والجوع، والقهر،…والتهجير ، والذبح بحسب الهوية، وفظائع التفخيخ ، وتضاؤل فرص النجاة، ودموع طفل يتيم، … كلها أحزان سود . . . لونها أسود … إنها ضمِن الوتر الأسود للقيثارِ، وابتسامة طفلة كلها أفراح بيض… لونهُا أبيض… إ نها ضمن الأوتار البيض للقيثارِ “. (1)

فلا يوجد بالعراق لون ثالث، وكأنه يقول إن العراق لوحة كبيرة سوداء يتخللها بعض النقط البيض. فهو يكتب عن واقع العراق الصعب، وعن حياة العراقيين القاسية التي يحوم حولها الموت والدمار والمنفى. يكتب على السباعي حتى يكون إنسانا حقيقيا، يستطيع أن يتعالى على الجراح والخسارات التي لا تنتهي.

إن زمان قصصه هو زمان حروب العراق التي لا تنتهي إلا لتبدأ، زمن الحصار والموت، ومكانها المدن العراقية التي تأن تحت وطأة القهر والخراب، فالمدن العراقية كأنها عروس “ترملت يوم زفافها ولبست السواد”. (2)

إنَّ المدنية في مجتمعنا الإنساني المعاصر، تشكل ظاهرة مكانية عميقة، ففيها يعيش الإنسان، ويرتبط معها بعلاقة معقدة تؤثر فيه ويؤثر فيها، فهي ليست حدودًا جغرافية وحسب، بل هي مكان ذي وجهين كما يقول الناقد ياسين النصير، الأول يمثل الإطار الخارجي ويشمل الظواهر المادية المعيشية، أما الثاني فمتعلق بالجانب “الروحي العميق للمدنية الذي يجعلها مكاناً زمانياً، يثير بساكنيه إحساساً عميقاً بالمواطنة، والتماهي مع واقعه وماضيه، ومع هموم ساكنيه ومطامحهم”. (3)

ويورد علي عبد المعطي في كتابه رأي موريس هاليفاكس في الزمان والمكان فهما “إطاران اجتماعيان للذاكرة، حيث يكونّان الإطار الذي تختزن فيه الذكريات الاجتماعية”. (4) فهما الوعاء الذي يختزن التراث الحضاري ويحافظ عليه. فالمكان كيان اجتماعي، ويحتوي خلاصة التفاعل بين الإنسان ومجتمعه، فشأن المكان شأن أي نتاج اجتماعي آخر لذلك هو “يحمل جزءًا من أخلاقية وأفكار ووعي ساكنيه. ومنذ القدم وحتى الوقت الحاضر كان المكان هو القرطاس المرئي والقريب الذي سجل الإنسان عليه ثقافته وفكره وفنونه، مخاوفه وآماله، وأسراره وكل ما يتصل به وما وصل إليه من ماضيه ليورثه إلى المستقبل”. (5)

وفي مقدمة ترجمته لكتاب جماليات المكان، قال غالب هلسه إنه ونظراً لاهتمامه في مسألة المكانية في الأدب العربي لاحظ أن: “العمل الأدبي حين يفتقد المكانية فهو يفتقد خصوصيته وبالتالي أصالته”. (6) إن إشكالية الإنسان في المكان “إشكالية وعي الذات بوجودها وإمكانياتها وحقوقها. وهي مشكلة وجودية”. (7) وتبدو إشكالية معقدة ومركبة في حالة المبدع.

والقاص هنا لا يستكين، ولا ييأس من المحاولة، محاولة الثورة على الواقع المزري والدموي، ويقوده شغفه ببغداد والمدن العراقية للتساؤل إذا كان الأمر سينتهي إلى الضياع الأبدي، أم إن الشعب العراقي لا يتراخى كعادته في إطلاق ثورته، التي سوف تمسح الشقاء عن جبين مدنه العابقة بالتاريخ؟

 فما هي الثيمة الأساسية المتكررة في قصصه؟

طائر البوم يحوم في سماء العراق

في مجموعته “مسلّة الأحزان السومرية، يهدي مجموعته إلى “بلد ميت”، ويتبع الاهداء لمقولة شاعر سومري، يقول: “كُتب على هذه الأرضِ أن لا يقُالُ فيها سوى المراثي والمناحات “. (8)

إن العالم العربي، والعراق خاصة، يعيش في ظروف مأساوية للغاية، يراد له من خلالها أن يسير في دهاليز الظلام، وأنتجت امطاراً من الألم والبؤس واليأس والتيه والدمار. وفي ظل هذه المحنة العظيمة كان لا بدَّ من الكلمة الصادقة والواعية التي تنظر إلى المستقبل، وتحاول أن تبقي جذوة الأمل مستمرة. والآمال على المبدعين لينتشلوا الشعب العربي من هاوية القلق والخوف والرعب والإحباط إلى طريق المحبة والسلام والطمأنينة.

إنَّ الكتابة تعبر عما يختلج النفس، وهي انعكاس لما يشغل الكاتب، ويثير عواطفه وانفعالاته، كما تترجم هموم الإنسان وأحلامه، ويحاول الكاتب من خلالها أن ينثر حبيبات الأمل في عالم حالك السواد لتنبت أزهاراً قادرة على الصمود والمقاومة في وجه النكبات المتلاحقة.

ففي ظل الحروب العبثية، والغزو الأمريكي، يكون من الطبيعي أن يؤثّر الواقع الذي يحياه القاص، ويعيشه مجتمعه، “في الموضوعات التي يستقي منها مادته السرديّة، وللشكل الذي يقدّم به هذه المادة،…، لذلك لا يكون غريبا أن نحسّ بطعم الموت، أو نتلمس نكهته”. (9)

في كتابات القاص الذي عاش أحلك الفترات التي مرّ بها العراق.

وسأحاول أن أفتش بدقة في نفس القاص المضطربة والخائبة، والتي يأكلها الاغتراب، ويقودها الضياع، والراكبة على خيول الفرار من واقع مؤلم إلى عالم أكثر جمالا وأمناً.

والأسئلة هنا، كيف نظر علي السباعي إلى الواقع المعاش والمحيط به؟ كيف استخدم ريشته ليعبر عمّا يجري حوله من جنون؟ وهل نجح في توصيل ما يعتري وجدانه من فيضانات إلى المتلقي وهل أحسن إظهار تجربته ليعيشها القارئ الذي يكتوي بنارها أيضا؟

إن ما وقع بين يدي من مجموعات قصصية، كان الموت الثيمة الأساسية فيها، حيث أرخى طائر الحزن جناحية بين ثنايا القصص غير أنَّ القلب الذي يخفق محبة أبى إلا أن يزرع الأمل رغم الانكسار، والفرح رغم الألم الطاغي، وأراد ان يخلق من الموت حياة.

معنى الموت

لا شك أن قضية حياة الإنسان وخلقه، تستجلب قضية الموت، الذي هو فناء الجسد ومن ثم الحياة. فالموت هو أكبر الحوادث التي يمكن أن تقع لإنسان، فهو يحطم إيقاع الحياة المتسلسل والمتناسق، ” بل إنه يوقف دورتها، ويجعلها تقف جامدة عند تاريخ يستحيل أن تتحرك بعده قيد أنملة”. (10)

إن حقيقة الطبيعة الكونية هي الحياة والموت، وهذه الثنائية استولت على الذهن الإنساني، وأثارت الكثير من التساؤلات حول الموت، فما هو الموت؟ ولماذا نموت؟ وماذا بعد الموت؟

وتناول الفلاسفة منذ القدم قضية الموت، وتأملوا فيه بعمق لتفسير الظاهرة وهزيمة الخوف والقلق من التفكير فيه، وكذلك فعلت الديانات السماوية والأرضية.

والموت لغة يعني كما ورد في لسان العرب: “السكون، وكل ما سكن فقد مات، ويقال: مات الرجل، وهمد. وماتت النار موتًا، برد رمادها، وماتت الريح: ركدت وسكنت، ومات الماء بهذا المكان: إذا نشفته الأرض.  ويقال: استمات الرجل، إذا طاب نفسًا بالموت. ويقال المستميت الشجاع، الطالب للموت. واستمات الرجل: ذهب في طلب الشيء كل مذهب”. (11)

ويقع الموت على كافة الكائنات، ويقع على القوة المادية المتجسدة بالجسد الإنساني، كما يمكن أن يكون للموت معنى معنوي، إذ يطلق على الفقر، والذل، والهرم… والموت قضية إشكالية، فهو الحد النهائي التي تبلغه الحياة، وأثارت التساؤلات حوله الكثير من الجدل، فالتفكير بالموت، وتصور الجسد وقد استحال تحت التراب “يجعل القلب يتراقص من الألم وكأن يدا قوية تلاعبه وتهزه، ويجعل الحياة الإنسانية مجرد وهم من الأوهام، مجرد شيء تافه”. (12) لذا يحاول الإنسان الحق أن يترك أثرًا إيجابيًا بعد موته، لعله ينفعه في حياة ما بعد الموت.

دلالة الموت في القصص

لا شك إن الأدب الجيد هو الأدب الذي يعبر عن العاطفة الصادقة، والإحساس العميق بالواقع. وهذا ما يتمتع به القاص لأن صوره تنساب إلى القلب بخفة، ويثير العواطف ويهيجها. واستوقفني رأي العقاد في الشعر الجيد، ورأيت إنه يناسب الكتابة السردية بشكل عام، فهو الذي يعبر به صاحبه عن نفسه أصدق تعبير، واعتبر الطبيعة الفنية هي مقياس الحكم على الشعراء، ويقصد بالطبيعة الفنية: “تلك الطبيعة التي تجعل من الشاعر جزءاً من حياته، أيا كانت هذه الحياة من الكبر أو الصغر ومن الثروة أو الفاقة ومن الألفة أو الشذوذ. وتمام هذه الطبيعة أن تكون حياة الشاعر وفنه شيئاً واحداً لا ينفصل فيه الإنسان الحي من الإنسان الناظم، وأن يكون موضوع حياته موضوع شعره، وموضوع شعره هو موضوع حياته”. (13)

فقصص السباعي ترجمة باطنية لما يعتمل في ذاته. وتجربته الكتابية نابعة من حالة ذهنية تتملكه، ولا تولد الكتابة الإبداعية إلا نتيجة تعرض الكاتب لمؤثر قوي، يهز وجدانه هزاً لا يلين، فينتج عنه انفعال عاطفي. يلتهم الألم القاص، في سعيه نحو حياة عادية وهانئة، غير إنه لا يجد سوى مكان يملؤه الغياب، وثياب مبللة بالدموع والدم.

في قصة “شارلي شابلن يموت وحده” المكتوبة بضمير المتكلم، يحدثنا السارد إنه إنسان بسيط يعمل مصلّحاً للأجهزة الكهربائية الدقيقة في مدينة أور، وهو شخص يحب الحياة، وقارىء نهم، يقول عن نفسه: “تعلمت من زوربا حب الحياة ، وكنت كجيفارا متمرداً ، كنت معوزاً للفرح ، لابتسامات الناس ، للربيع يلامس قلبي ، للبياض ، لرؤية الألوان الفاتنة تطرز حياة الناس ، لأجواء السعادة تشرق على الناس مثلما أشرقت شمس تموز

صباح اليوم الجمعة “. (14)

ويبدأ صباحه بابتسامة، وينهي غروبه بابتسامة. وهو كشارلي شابلن مشرقا بالمسرة، لم يعرف التذمر طريقه إلى حياته، ويعيش في قلب أبيض راضيا وقانعا بحياته. في أحد الأيام يدخل “يحيى المنغولي” محلة وهو شخص نقي وعذب بلا حدود، ويحبه كل من يعرفه، يحمل بين يديه جهاز الستلايت وجاهز التحكم طالبا اصلاحه، يستقبله بوجه بشوش ويمازحه، وبعد الفحص يخبره إن الخلل في جهاز التحكم، ولا بد من شراء جهاز جديد وهنا يخبره يحيى إنه لا يملك المال، فيعطيه ثمن الجهاز ويغادر فرحاً مطمئناً، بعد خروجه بلحظات رج المكان انفجار عنيف، سبقه ضوء أنار السماء، وبدأت أصوات الصراخ والعويل في العلو، خرج من محله ليستطلع الأمر، فوجد “الأشلاء تملأ السوق ، صار المكان بشعاً، ريح حمراء عصفت بالسوق والناس وكل شيء، جعلت أرض أور أرض دم، أرى الدمار طال كل شيء”. (15)

بل حتى النباتات أصابها الرعب، فهامات النحيل أكتوت بدماء القتلى والجرحى. يسرع نحو الحشد المتجمع فوق الإرهابي الثاني، فالارهابيون عادة يعمدون إلى التفجير المزدوج، كان الكل يضرب شخصاً ما، وهم يصرخون امسكنا بالإرهابي الذي فجر العبوة الناسفة، يحاول الوصول إلى الشخص الإرهابي، لم يكن سوى “يحيى المنغولي” الذي فارق الحياة تحت ضربات الحشد، جسده مدمى، ويمسك بيده اليمنى جهاز التحكم، مات مستسلما مطمئنا راضيا، وارتسمت ابتسامة ملائكية فوق شفتيه الشبيهتين بفم السمكة، وعيناه مفتوحتان حائرتان وفيهما أسئلة دون إجابة، كيف أصيب الناس بالهوس والجنون؟ لم يكن يحلم سوى بإصلاح جهاز التحكم ليرى العالم.

كان موته  صاخباً، “مرقت فوقنا سحابة بيضاء قريبة غطت عالمنا القاسي، نظرت صوبها وهي تحجب الشمس الحمراء المتوهجة المستديرة العمودية وسط سماء رصاصية داكنة،

دوى صوت انفجار ثان” (16)

يفتش السارد عن نافذة ضوء في هذا الظلام الحالك ولا يجد غير الدم واليباب والموت العبثي.

أما في قصة “رحلة الشاطر كلكامش إلى دار السلام” فيقص علينا على لسان كلكامش ما جرى له في زيارته إلى مدينة السلام! يقول: “أنا الشاطر كلكامش أني لمن الخاسرين…لقد كنت من الخائبين، كنت خائباً في كل شيء”. (17)

وهو شخصية مثقفة تحب القراءة والفن، ويستمتع في التمعن في منحتوات الفنان جواد سليم، وشراء الكتب، فماذا يمكن للفرد أن يفعل في بغداد غير شراء الكتب؟ اشترى كمية كبيرة من مكتبات عدة ورزمهن “في كيس بلاستيكي أصفر، صارت الرزمة أشبه بصندوق والصندوق داخل كيس بلاستيكي، كنت أنوء بحمل كتبي الثقيلات فرحاً، احملهن مسروراً بعدها حاولت الاستمتاع في هذا الجو المنعش بمنظر نصب الحرية”. (18)

وعندما يشاهد سيارة همفي تابعة للجيش الأمريكي، يتساءل، ماذا لو عاد جواد سليم من موته، ماذا كان سيبدع؟

الجندي يصوب فوهة بندقيته باتجاهه، فعرف في تلك اللحظة مدى غباءه، فهو يعيش كالنعامة، يدفن رأسه بالرمل ويقنع نفسه إنه في آمان. وشعر إن قلبه يؤلمه برؤية الجندي الأمريكي الغازي، والأذى يحيط به، والجندي يقف أمام نصب الحرية في دار السلام.

يسير نحو حديقة الأمة التي تغيرت معالمها بعد الخراب والتدمير عقب أحداث عام إلفين وثلاثة. ويصف شعوره المضطرب قائلا: “رحت أصغي إلى ضربات الخوف التي أخذت

تحتلي ولا يزال الخوف يسكنني، فعلمت لحظتها أن الموت بشكل عام يجعلها أكثر يقظة لنبض الحياة وأنا رجل يعيش على معتقدات قلبه وقناعاته”. (19)

يقرر العودة ويتجه صوب مكان اصطفاف سيارات النهضة، يضع كيسه الأصفر على المقعد الذي خلف السائق مباشرة بانتظار مجيء الآخرين. يسير قليلا بانتظار إمتلأ السيارة، يأخذه فكره إلى حبيبته “زليخة” والفراق الذي كان بفعل إلتحاقه في الجيش، وضياع حياته التي سرقتها الحروب.

وأخيرا انتبه إن السائق وبعض الناس يلوحين له ان ابتعد عن السيارة، وتعال إلى جانبنا، لم يفهم المقصود حتى وصل إليهم، وأخبروه إن السيارة وضعت فيها قنبلة موقوتة، فسأل السائق بكل برودة، أتقصد الكيس الأصفر؟ أجاب السائق: أجل. وهنا قال وكأن ابتسامة ارتسمت على وجهه، إنه كيسي، كيس الكتب…

وهنا أخذ السائق وجميع الموجودين بضربه بعنف وشدة، وهم يصرخون: إرهابي، إرهابي.

وهو يفكر بحكمة ابناء قريته “الطائر الذي يلوذ بعشه لا خطر عليه من الصياد” .(20)

في مجموعة “إيقاعات الزمن الراقص” يجد حارس المقبرة امرأة، في البداية يذهب فكره إنها جاءت تسرق عظام الموتى، ولكنها تأخذ بالبكاء، فيحاول طمأنتها، وتستمر في النشيج، وكأنها تذكره في حياته الماضية التي أنفقها في مراقبة عوائل الموتى وهم يبكون، ثم يسألها عن سبب بكائها، فتقول:

“وح?دة أبكي كل شيء في ح?اتي فح?اتي بكاء في مأتم. غر?باً وسط الموتى أع?ش، شعور بال?أس شرع ?قتات علي، ?تآكلني تعب مزمن لما أشاهد من فواجع”. (21)

تدنو منه، قائلة لماذا خطبتني؟ يبتعد مذهولا: أمجنونة انت؟ وشرعت تحكي له قصتها المأساوية مع الرجال، فعطف عليها، وحاول لملمة جنونها المبعثر، وشريط حياته يعمل أمام ناظريه “نشطت بداخلي مرارة الح?اة، وبأنني معشوشب هنا في المقبرة، كأنني عشبٌ ضار ?قتات وجعاً، ?تلبسني الإنهاك كوني زمناً مضى، بل فكرة سرعان ما تناقضها ح?اة أرهقها الطوفان ب?ن القبور حارساً للموتى”. (22)

يلتصق جسده بجسدها العاري، ويطردا أحزانهما وهمومهما دون وعي، في الفجر، تظهر “تاجية” عار?ة ومستلقية على الأرض، “خ?وط الفجر تغتسل بدموع الشموع طاردة كل أثر للنعاس، أ?قنت بأنني من وضع الشمع الأحمر فوق بوابة الل?لة الماض?ة، فسال الشمع

الأحمر شوقاً في انحدار ظلفتي البوابة السحر?ة”. (23)

غادر صوب مهجعه ليرتاح من صخب الليلة الفائته، وهنا ظهر غراب لتاجية العارية، فقالت له: اغرب عن وجهي، لا شأن لك بي. يغادر حارس المقبرة وطعم اللذة في فمه، ويقول لها: قولي للغراب: سكين وملح. فتصرخ تاجية المجنونة، وابتسامة عذبة على شفتيها:

“سكين وملح، سكين وملح”. (24)

فما زال الكاتب يحتفظ ببعض أمل، وهو الذي قدم إحدى قصصه بمقولة لألبير كامو، تقول: “إِنَّ ما ?منعني عن التفك?ر في الموت أنَّ في داخلي قدراً كبيراً  من الح?اة”. (25)

وفي قصصه القصيرة جداً يبقى الموت يطارد شخصيات الكاتب بلا رحمة، ففي قصة “حظ عاثر”، يقول:

“تهدم منزل صديقي الكائن خلف الفندق الذي رسمت على أرضية مدخله صورة بوش الأب… نتيجة قصف القوات الجوية الأمريكية لهذا الفندق… أصيب صديقي بالقصف وطار نصف قحف رأسه… رقد في المستشفى سنه ونصف السنة… تركته زوجته وقد أخذت

معها أولاده… هو ألان يشحذ في الشوارع″. (26)

فالحظ العابث تدخل ليقضي على عائلة هذا الرجل المسكين، ويشتتها، ويجعله عاجزا ومتشردا، لا لشيء سوى إن منزله يقع خلف فندق استهدفته القوات الأمريكية.

وفي قصة “جندي” القصيرة جدا، يقول:

“بعد انتهاء المعركة، جندي يخرج من كيس الموتى ويقول لزملائه:-

 –  مهلا مازلت حياً”. (27)

فما زال هناك بقية من حياة، يجب أن نعيشها، وفي الأخير يجد الحل لكل هذه النوائب في قصة “امرأة توشَّحت بالرماد” والتي تبقى ثيمة الموت هي الحاضرة بقوة فيها.

تظهر فيها امرأة مليئة بالحزن والغضب على مآل الوطن الممزق والمبتلي بالمصائب، وتطال الكاتب أن يقتنص اللحظة، ويصور أوجاع العراقيين ليثأثر من العالم القاسي، تقول له: ” لِتكُنْ كتابتُكَ في هذا الوقتِ عن عذاباتِنا أجملُ انتقامٍ من هذا العالمِ القبيحِ الذي نعيشهُ”. (28)

في النهاية سيبنى الوطن بسواعد أبنائه الذين يعشقونه ولا يتأخرون عن منح حياتهم من أجله. إنَّ القاص يحس بالريبة والرهبة “من هذا الاشتباك على حدود العلاقات ومفصل التقاطعات حول ما هو كائن وما يجب أن يكون الذي هو حلم شاعر بالحق والخير والجمال…”. (29)

يندمج جسد القصص بجسد المكان، وتكون الشخصيات هي الأنا المعبرة عن الرفض والتمرد. القصص متحررة من التقليد، ينطلق فيها الكاتب من حاضر بائس، يحاول استشراف الغد الذي يشعره بالخوف ألا يكون بأفضل من الماضي والحاضر. إن القاص وإن بدا في بعض اللحظات مستسلماً إلا أنه يثور ولا يهادن، ويحاول الرحيل من عالمه الفوضوي إلى عالم أجمل، يغرق القاص في الرمزية في بعض القصص، وجاء قصصه مغطاة بسحب الحزن والارتباك والريبة، وهي سحب تعبر عن الاغتراب والضياع، وانكسار النفس أمام تغول الحياة، مما يجعل الشخصيات تبحث عن الهروب من هذا الجحيم إلى الموت في بعض القصص.

وتحرر القاص من الموضوعات التقليدية، وتناول ثيمة الموت المادية والمعنوية، ونقل تجربة الموت إلى عالم شعوري، متخذاً من تجربة الموت معادلا موضوعياً ليعبر فيه عن حالة أمة تعيش في ظل أزمات لا يبدو أن لها حلا.

يتفاجأ المتلقي بتعبيرات مدهشة عند منحنيات الكلام، من غير توقع أو انتظار، كتابة مذهلة تنقله إلى خارج العادي والضجر.

في السرد القصصي ثمة لذة، ونص اللذة هو: “ذاك الذي يرضي، يفعم، يعطي المرح، ذلك الذي يأتي من الثقافة، ولا يقطع معها. إنه مرتبط بمارسة مريحة للقراءة”. (30) ومتعة ونص المتعة: “ذلك الذي يضع في حالة ضياع، ذلك الذي يتعب (ربما إلى حد نوع من السأم)، مزعزعاً الأسس التاريخية، الثقافية، النفسية للقارئ، صلابة أذواقه، قيمه وذكرياته، ومؤزمًا علاقته باللغة”. (31)

لا ريب أن القاص يملك تجربة قيمة تستحق أن تدرس، ففي قصصه نزعة جمالية، ويحوز اللكاتب على أدوات التعبير والصياغة، نصوص تتدفق من شلال وجداني، لا يمكن أن يكون الكاتب مبدعاً ومؤثراً دونه.

الهوامش

1- علي السباعي، مسلّة الأحزان السومرية، دار الدراويش للنشر والترجمة، جمهورية بلغاريا – بلوفديف، ط1? 2018م، ص 66.

2- المصدر السابق،  المصدر السابق، ص 71.

3- انظر ياسين النصير، الرواية والمكان، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، ط1? 2008م، ص 18-19.

4- محمد إسماعيل قباري، علم الاجتماع والفلسفة، ط2? ج2? منشورات دار الطلبة العرب، بيروت،1968م، ص 59.

5- علي عبد المعطي، قضايا الفلسفة العامة ومباحثها، ج2? منشورات دار المعرفة، الإسكندرية، د ت، ط2? ص127.

6- ياسين النصير، الرواية والمكان، مرجع سابق، ص 70.

7- فاطمة الوهيبي، المكان والجسد والقصيدة المواجهة وتجليات الذات، منشورات المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1? 2005م، ص 32.

8- المصدر السابق، ص 6.

9- وليد أبو بكر، الكتابة بنهكة الموت، وزارة الثقافة الفلسطينية، رام الله، ط1? 2009م، ص 5.

10- أحمد عبد الخالق، قلق الموت، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1987م، ص 17.

11- ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عامر حيدر، دار الكتب العلمية. المجلد السادس (أ- ل)، بيروت، ط1? 2005م، ص (817- 821).

12- مفيد محمد قميحة، الاتجاه الإنساني في الشعر العربي المعاصر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1? 1981م، ص 376.

13- نقلا عن: أحمد حيدوش، الاتجاه النفسي في النقد العربي الحديث، منشورات ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، د ت، ص 91.

14- علي السباعي، مسلّة الأحزان السومرية، مصدر سابق، ص 7.

15- المصدر السابق، ص 9.

16- المصدر السابق، ص 10.

17- المصدر السابق، ص 11.

18- المصدر السابق، ص 12.

19-المصدر السابق، ص 15.

20- المصدر السابق، ص 20.

21- علي السباعي، مجموعة إيقاعات الزمن الراقص،  منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1? 2002م، ص 16.

22- المصدر السابق، ص 19.

23- المصدر السابق، ص 22.

24- المصدر السابق، ص 23.

25- المصدر السابق، ص 74.

26- علي السباعي، مدوَّناتُ أرملةِ جندي مجهول، دار صفحات، دمشق، ط1? 2014م، ص 15.

27- المصدر السابق، ص 18.

28- المصدر السابق، ص 6.

29- فاطمة الوهيبي، مرجع سابق، ص 32.

30- رولان بارط، لذة النص، ترجمة فؤاد صفا، والحسين سحبان، دار توبقال للنشر والتوزيع. الدار البيضاء، ط1? 2001م. ص22.

31- المرجع السابق.

مشاركة