خِزَّامة ابنة الفحَّام – حسن النواب

229

كلام صريح

في‭ ‬أواخر‭ ‬الستينيات،‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬عائلة‭ ‬فقيرة‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬خيمة‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬وبرالماعز؛‭ ‬بجوار‭ ‬بيتنا‭ ‬الحكومي‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬أبو‭ ‬صخير(المناذرة‭ ‬حاليَّاً)،‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬تعتاشُ‭ ‬من‭ ‬بيع‭ ‬الفحم‭ ‬لسدّ‭ ‬رمق‭ ‬جوعها،‭ ‬وتحصل‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬من‭ ‬حنفية‭ ‬حديقة‭ ‬المنزل‭ ‬بواسطة‭ ‬خرطوم‭ ‬مطَّاطي‭ ‬طويل‭ ‬تركته‭ ‬أُمِّي‭ ‬رحمها‭ ‬الله‭ ‬خصيصاً‭ ‬لتلك‭ ‬العائلة‭ ‬الكادحة،‭ ‬كنتُ‭ ‬أمسكُ‭ ‬بخرطوم‭ ‬الماء‭ ‬عند‭ ‬باب‭ ‬الدار‭ ‬بعد‭ ‬عودتي‭ ‬من‭ ‬المدرسة؛‭ ‬منتظراً‭ ‬مجيء‭ ‬ابنتهم‭ ‬فاطمة‭ ‬التي‭ ‬تكبرني‭ ‬بخمس‭ ‬سنوات‭ ‬حتى‭ ‬املأ‭ ‬دلائها‭ ‬المعدنية‭ ‬الصدئة‭ ‬بالماء،‭ ‬ذات‭ ‬نهار‭ ‬سألتني‭ ‬بلطف‭ ‬عن‭ ‬صفّي‭ ‬فأخبرتها‭ ‬أنّي‭ ‬بالأوّل‭ ‬ابتدائي،‭ ‬كنت‭ ‬حينها‭ ‬معجباً‭ ‬بِخزَّامة‭ ‬مطعَّمة‭ ‬بشذرات‭ ‬زرق‭ ‬تتدلّى‭ ‬من‭ ‬ثقب‭ ‬دقيق‭ ‬في‭ ‬أنفها‭ ‬الجميل،‭ ‬ظننتها‭ ‬لأوَّل‭ ‬وهلةٍ‭ ‬مصنوعةً‭ ‬من‭ ‬الذهب؛‭ ‬لكنها‭ ‬أخبرتني‭ ‬أنَّها‭ ‬من‭ ‬معدن‭ ‬رخيص،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الخِزَّامة‭ ‬ما‭ ‬يميّز‭ ‬المرأة‭ ‬القروية‭ ‬عن‭ ‬باقي‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬القضاء؛‭ ‬والمفارقة‭ ‬المؤلمة‭ ‬أنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الزينة‭ ‬الجذّابة‭ ‬كانت‭ ‬موضع‭ ‬سخرية‭ ‬وإزدراء‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العوائل‭ ‬المدنيَّة‭ ‬التي‭ ‬تسكن‭ ‬في‭ ‬قضاء‭ ‬المناذرة،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهم‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬التخلّف‭ ‬والفقر؛‭ ‬وليست‭ ‬الخِزَّامة‭ ‬وحدها؛‭ ‬إنمَّا‭ ‬حتى‭ ‬الوشم‭ ‬الأزرق‭ ‬والأخضرالذي‭ ‬يطرِّزُوجوه‭ ‬وكفوف‭ ‬النسوة‭ ‬القرويات‭ ‬كان‭ ‬مكروهاً‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عامة‭ ‬الناس‭ ‬المتحضرين؛‭ ‬بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬مولعاً‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬وشم‭ ‬فاطمة‭ ‬على‭ ‬يديها؛‭ ‬أضف‭ ‬إلى‭ ‬شغفي‭ ‬بخِزامتها‭ ‬المثيرة،‭ ‬وكان‭ ‬الوشم‭ ‬الأزرق‭ ‬على‭ ‬يديها‭ ‬مرسوماً‭ ‬بمهارة‭ ‬مثل‭ ‬طلاسم‭ ‬وأحجية‭ ‬لا‭ ‬أفهمها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت؛‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مثلث‭ ‬مقلوب‭ ‬تتوسَّطهُ‭ ‬عينٌ‭ ‬واسعة‭ ‬لطرد‭ ‬الحسد‭ ‬وفق‭ ‬معتقدات‭ ‬موروثة،‭ ‬عرفتُ‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬نضجت،‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬توسَّلتُ‭ ‬لوالدتي‭  ‬حتى‭ ‬تسمح‭ ‬لي‭ ‬بالذهاب‭ ‬معهم‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬عملهم‭ ‬حيث‭ ‬يصنعون‭ ‬الفحم‭ ‬وبعد‭ ‬بكاء‭ ‬طويل‭ ‬رضخت‭ ‬لرجائي‭ ‬وطلبت‭ ‬منهم‭ ‬الانتباه‭ ‬لحركتي‭ ‬فولدها‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬جنون‭ ‬لا‭ ‬يؤتمن!!‭ ‬أركبني‭ ‬والد‭ ‬فاطمة‭ ‬فوق‭ ‬حماره‭ ‬الأبيض‭ ‬وحملوا‭ ‬عدَّتهم‭ ‬وانطلقوا‭ ‬إلى‭ ‬بستان‭ ‬مهجور‭ ‬يحاذي‭ ‬شط‭ ‬المدينة‭ ‬الكبير؛‭ ‬لما‭ ‬وصلنا‭ ‬ساعدتني‭ ‬فاطمة‭ ‬على‭ ‬الهبوط‭ ‬من‭ ‬الحمار‭ ‬الذي‭ ‬سرح‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الكلأ،‭ ‬بينما‭ ‬بدأت‭ ‬فؤوسهم‭ ‬تقتلع‭ ‬شجيرات‭ ‬جافة‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬أرجاء‭ ‬البستان‭ ‬،‭ ‬كنت‭ ‬أراقب‭ ‬فاطمة‭ ‬كيف‭ ‬تجمع‭ ‬الشجيرات‭ ‬التي‭ ‬احتطبها‭ ‬والدها‭ ‬بمعونة‭ ‬أخيها‭ ‬بوشالٍ‭ ‬صوفي‭ ‬كبير‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬كومة‭ ‬ضخمة‭ ‬ثم‭ ‬تشدّ‭ ‬أطراف‭ ‬الوشال‭ ‬كحلقة‭ ‬تضعها‭ ‬حول‭ ‬رأسها‭ ‬وترفعه‭ ‬بعناء‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬حفرة‭ ‬عميقة‭ ‬بطرف‭ ‬البستان،‭ ‬بعد‭ ‬ساعة‭ ‬امتلأت‭ ‬الحفرة‭ ‬بشجيرات‭ ‬الطرفاء‭ ‬والأغصان‭ ‬الجافة‭ ‬من‭ ‬شجر‭ ‬القوغ،‭ ‬سكب‭ ‬الأب‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬عليها‭ ‬ثم‭ ‬أضرم‭ ‬بها‭ ‬النار،‭ ‬ماهي‭ ‬إلاّ‭ ‬دقائق‭ ‬حتى‭ ‬تصاعدت‭ ‬ألسنة‭ ‬اللهب‭ ‬بشكل‭ ‬مخيف؛‭ ‬جعلتني‭ ‬اتخفّى‭ ‬خلف‭ ‬جسد‭ ‬فاطمة‭ ‬الممشوق‭ ‬وسمعت‭ ‬أزيز‭ ‬وفرقعة‭ ‬احتراق‭ ‬الحطب‭ ‬حتى‭ ‬همد‭ ‬الحريق‭ ‬بعد‭ ‬نصف‭ ‬ساعة،‭ ‬حمل‭ ‬الأب‭ ‬صفيحة‭ ‬معدنية‭ ‬وغطّى‭ ‬الحفرة‭ ‬فتسرَّب‭ ‬دخان‭ ‬رمادي‭ ‬من‭ ‬حوافها‭ ‬جعل‭ ‬عينيّ‭ ‬تدمعان،‭ ‬لاحظت‭ ‬فاطمة‭ ‬دعكي‭ ‬لعينيّ‭ ‬بقوة؛‭ ‬رفعت‭ ‬يدي‭ ‬وراحت‭ ‬تمسح‭ ‬دمعي‭ ‬بشالها‭ ‬الأخضر‭ ‬وهي‭ ‬تبتسم‭ ‬ثم‭ ‬سكبت‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬راحة‭ ‬يدها‭ ‬وغسلت‭ ‬وجهي‭ ‬الذي‭ ‬تشبَّعَ‭ ‬بالدخان؛‭ ‬وحين‭ ‬بدأت‭ ‬الشمس‭ ‬تجنح‭ ‬إلى‭ ‬الغروب‭ ‬عند‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬شط‭ ‬المدينة‭ ‬الكبير،‭ ‬اركبتني‭ ‬على‭ ‬الحمار‭ ‬وجمعوا‭ ‬عدَّتهم‭ ‬من‭ ‬فؤوس‭ ‬ومناجل‭ ‬ثم‭ ‬أقفلنا‭ ‬عائدين،‭ ‬وتركنا‭ ‬خلفنا‭ ‬البستان‭ ‬غارقا‭ ‬بالدخان‭ .‬

تذكّرتُ‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬عندما‭ ‬رأيت‭ ‬خِزَّامة‭ ‬الفضة‭ ‬معلّقة‭ ‬في‭ ‬أنف‭ ‬ابنتي‭ ‬حُسنى،‭ ‬هذه‭ ‬الخِزَّامة‭ ‬القروية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مصدر‭ ‬استخفاف‭ ‬وسخرية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الناس‭ ‬المدنيين‭ ‬أيام‭ ‬زمان؛‭  ‬أصبحتْ‭ ‬شائعة‭ ‬ومحبَّبة‭ ‬جداً‭ ‬على‭ ‬أنوف‭ ‬النسوة‭ ‬المتحضّرات‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬أصقاع‭ ‬العالم‭ ‬الآن‭.‬

مشاركة