خيمة الرحالة بدل رفو – عبد الحي مفتاح

573

خيمة الرحالة بدل رفو – عبد الحي مفتاح

عادت الخيمة الزرقاء إلى أرض مخيم أزيلان، يحرص صاحبها الرحالة بدل رفو أن ترسو في نفس المكان الذي رست به منذ لقائه الأول بمدينة شفشاون، إنها خيمة من طابقين، يقول بدل مزهوا وهو يشير بيديه إليها، ويضيف مبتسما-وكأنه يسخر من الفخفخة واللهاث واللهف على الإقامة في فنادق مترفة-: إنها قوية وذكية لا تخشى الرعد والبرق والمطر.   الخيمة الزرقاء الحانية تواضعا تطل من دكتها على سماء زرقاء وعلى نجوم و قمر، تحفها أشجار لا تموت إلا واقفة بظلالها الوارفة، يقف بدل بجانبها بلحيته البيضاء، الذي زادته وقارا وحكمة، كلما هم باستقبال ضيوفه الذين يصعدون من المدينة للتمتع بأحاديث ومسامرات صقر الجبل المليئة حكما وقيما، ودهشة وفتنة، وسخرية وإعلاءا لراية الإنسان.

لا تكتمل معاني الرحلات إلا بالخيمة الفعلية، و إن كانت الراحلة تغيرت و لا توجد إلا مجازا، لأن الرحالة بدل رفو لا يأتي على صهوة الفرس أو سنام الناقة، لكنني أتصور أن من يعشق الخيمة لا يمكن أن لا تجري في دمه أخبار القوافل ومغامرات الرحالين السابقين وإن امتطى طيارة أو قطارا أو حافلة اضطرارا في زمن الحداثة…ويسر بدل لأصدقائه وكأنه يعتذر بأنه يفضل أن يدخل البلدان برا فالطريق بالنسبة له جزء من الرحلة سواء كانت عامرة بالناس وبحركاتهم وسكناتهم أو مقفرة تزهو فيها الطبيعة بسحرها الخالد. في الخيمة ينسج بدل قصصه وحكاياته وأحلامه، ويرتاح من تعب الأيام والسنين، تحمــــــله الذكريات إلى أراضي وطئتها قدماه في شـــــــتى بقاع الدنيا، شرقــــــا وغربا، شمالا وجنوبا.

بالخيمة التي تحتضن الطبيعة وتحتضنها الطبيعة بنسائمها و همساتها وتغريداتها، بهبوبها وعوائها ونهامها…، يصادف أيضا من افتتنوا بالسفر والتخييم، فتثري قصصهم مخزونه الإنساني وتجاربه الحياتية الخصبة.

بجانب الخيمة استضاف الرحالة بدل رفو رئيس بلدية شفشاون محمد السفياني الذي قلده في لقاء أدبي سابق وشاح المواطنة الفخرية، و تبادل معه الحديث في جلسة بسيطة بساطة الكبار، والحديث ذو شجون.

بجانب الخيمة يلتقي الرحالة أصدقاءه الأوفياء من مختلف الشرائح الاجتماعية، وكأنه يفصح عن هويته التي تقول: كل قلوب الناس جنسيتي فلتسقطوا عني جواز السفر. بجانب الخيمة تذوقنا نكهة الشاي العراقي مع الأسفنج الشفشاوني، واحتسينا مختلف أنواع القهوة الشرقية والغربية مع الحلوى، على إيقاع الضحكات المجلجلة في الآفاق ونغمات القيتارة الكلاسيكية وأنامل منير بشير والمواويل العربية، بجانب الخيمة كان بدل جدلا كرقص الفراشة يكتب في مخيلته سطور لقاء الغد.

في الغد؛ الجمعة 19 من سبتمبر نزل الرحالة بدل رفو من خيمته إلى خيمة أخرى ليحكي لجمهور شفشاون-برحاب المعلمة الأندلسية/المركز الثقافي بالهوتة في لقاء نظمه، جماعة، منتدى الحوار للفنون والثقافات وجمعية فضاءات تشكيلية وجمعية أصدقاء المعتمد- عن ما شاهده وسمعه وتذوقه وخبره في رحلاته،  وليروي بشغف عن مدينته الأثيرة شفشاون جوهرة عقد مازاره،  في هذا اللقاء الأدبي الاحتفالي الراقي وقع بدل رفو كذلك الجزء الأول من كتابه “العالم بعيون كردية”، وهو كتاب في أدب الرحلة وضع بين دفتيه ست عشرة رحلة في قالب مشوق وممتع، وقد كتب مقدمته الدكتور عبدالإله الصائغ، كما وقع كتابه “أطفال الهند علموني/ قصائد وشهادات من الأدب الكوردي في المهجر” الذي يتضمن قصائد الرحالة وشهادات لكتاب وشخصيات عربية عن تجربته كشاعر  ورحالة مبدع في أدب الرحلة المعاصر، و الكتاب صاغ مقدمته الشاعر والناقد المغربي الحسن العابدي.

  وإني  أتخيل الآن الخيمة الزرقاء ترقص دفئا وغناء تحت ضوء القمر، وتشرئب إلى مواعيد ثقافية وأدبية أخرى يلتقي فيها بدل رفو بأصدقائه وجمهوره، كما أتخيلها كبساط الريح يرحل ببدل رفو إلى حيث تهفو نفسه؛ إلى عوالم الحرية والجمال والإنسان.

مشاركة