خنزير بستان سيد ورد – عبد الزهرة المنشداوي

قصتان قصيرتان

خنزير بستان سيد ورد – عبد الزهرة المنشداوي

صورة  فوتغرافية ملونة بحجم صفحة لشخص ، بدا فيها شيخ متهالك اخذت له  قبل  وفاته  بسنوات قليلة ،فصلتها عن الكتاب، اطرتها ،علقتها على جدار غرفتي بأنتظار سائل  كنت قد اعددت الاجابة له مسبقا عنها بدواعي التفاخر :

 هذا الرحالة (ولفريد ثيسكر) حملني بين ذراعيه عندما كنت صبيا لم اتجاوز السادسة .لم يسألني احد حطم ابن شقيقتي الصورة ومزقها نتفا عابثا قبل ان يراها احد.

كان صباحا ربيعيا مشرقا .  خرجت من ظلمة  بيتنا القصبي فغمرني ضوء النهار ومحا خيالات اللصوص الليلية التي كانت ترتسم لي  على جدار بيت الشيخ الطيني كلما حل المساء بصورة حيوانات ضخمة سود تشيع في نفسي رعبا لاسبيل لوصفه، أرتعد  خوفا ولا اعاود النظر من خلال باب صريفتنا .

 هرولت مسرعا نحو ابي وولفريد عندما لمحتهما يتحدثان قريبا من شاطيء النهر ، انظم اليهما الشيخ الاقطاعي قبل ان اصلهما . بهرتني  نصاعة بياض دشداشته ولون حقيبته الجلدية أمسك بي حانيا ،رفعني الى  الاعلى مبتسما وكاشفا عن اسنان لؤلؤية ، لمحت شعر رأسه الاشقر المفروق الى الجانب ،عيناه الزرقاوان بزرقة ماء البحر ،قوامه الفارع  حفر في ذهني  انطباعا لايمكن ان تمحوه الايام مهما ابتعدت ، صور ذاكرة الطفولة تبقى واضحة وصافية لا تعروها شائبة مثل لوحات عصر النهضة. سنحت لي الفرصة أن التقي بمترجم كتاب لرحالة انكليزي اخر ،عاتبته عتابا مرا منتصرا فيه لصاحب طفولتي ولفريد الذي اشار لهذا الرحالة بالكتابة عن الاهوار في الجنوب بدلا من الذهاب الى  صحارى الجزيرة العربية .قلت له:

– تترك الاستاذ وتترجم للتلميذ!!

كلت له صفعات متتالية بتعداد هفوات ترجمته متحيزا لولفريد ثيسكر طالبا بثأره.

– كان يأتينا ويقوم بختان الاطفال وانا منهم.

قال قريبي ابن الثمانين الذي وجدت فيه  تلالا  من الاتربة تخفي تحتها  ازمنة وصورا،ندى وقصبا،رجالا ونساء، صور ملونة طوتها اودية النسيان ومرت عليها ممحاة الزمن العاثر من على صفحة ذكرياته الواهنة سطرا فسطرا بفعل الهرم والشيخوخة .

 ولكن بفؤوس ومعاول كان علي العمل لازاحة الاحجار والرمال عن ذاكرة هذا الشيخ الهرم  المحكوم عليها بالتلاشي مثل تلاشي حلم ليلة صيف صعب استعادة صوره عند الصباح التالي. بدأت حفرياتي في تلال ذاكرته.وعملت كفؤوسي ومعولي لأزاحة الكثير من الاتربة فجاءت الذكريات منه مثل سيل مكتسح وجد له منفذا بعد طول احتباس طويل بقدرة قادر.

.قال: في ليلة من الليالي زارنا ولفريد ،كنا في اعماق الاهوار ،جلس في مضيف الشيخ وطلب وسادة لينام ليلته .

حاشية الشيخ ارادت ان تجعل منه مزحة لها في تلك الليلة. شكت  له من خنزير موهوم في بستان سيد ورد خدين الشيخ، يقطع عليهم الطريق ليلا  ما بين المضيف وصرائفهم  ،ويخشون مهاجمته ، وهم يستنجدون به لتخليصهم من شره بأستخدام مهارته وولعه بصيد هذا الحيوان المدمر.  ما كان معد أمر اخر لا صلة له بخنزير قال محدثي الثمانيني.

– كيف؟ . سألته فأجاب:

– انا اقول لك:

 كان البستان في الليل حكرا على مخلوق شيطاني ندعوه الطنطل يحلو لها المزاح الثقيل مع مجتازي الطريق المار من جانب البستان  ، يظهر بهيئات مختلفة  ،شاب وشيخ، غول وامرأة ، طير ضخم  وبقرة تقذف من مؤخرتها سرجينها بوجه من تصادفه ،اخرها كانت مزحته الثقيلة مع فلاح شاء له الحظ ان يمر بالبستان  في طريقه الى بيت العطار للحصول على تبغ. ذهب متحديا رغم تحذيرات  عائلته،  قبل بلوغه العطار تجسد له بهيئة  شاب بثياب بيض سأله بود وكياسه عن مبتعاه في هذا الليل البهيم.

– التبغ

اجابه

– لاعليك معي الكثير منه  ومن اجوده .

 اظهر كيسا مليئا ، طلب منه الجلوس قبالته ليتقاسما ما به ، جلس مبتهجا.افرغه على الارض وفاحت رائحة تبغ زادت من رغبة الفلاح في التدخين وكادت تطير بصوابه.   عمل الشاب كومتين  وطلب منه  ان يختار احداهما ، تلهفه  للف سيكارة  جعله  لا يأبه لمسأة الاختيار فأشار الى احدهما لكن الشاب الكريم توجب عليه اعادة النظر في القسمة بدعوى ان الكومة التي وقع عليه اختيارها تقل عن الاخرى مما استدعي خلط الكومتين ثانية وفرزهما بانصاف صارم . وتم ذلك ولكن من سوء خط الفلاح المسكين كانت القسمة غير عادلة  شابها الشك ايضا و كان لابد من اعادة الكرة لاحقاق الحق ليس الا .في كل مرة كانت الحصتين  مثار شك الشاب المهووس بالعدالة و المساواة . مضى   وقت طويل من الليل لكن عدالة التوزيع ابت الانصياع . استمر الخلط والقسمة اكثر مما ظنه الفلاح .اخر الامر تذكر انه امام  طنطل بستان السيد .اطلق ساقيه للريح تلاحقه ضحكات  المخلوق الهازل.

بعد صمت قصير واصل محدثي:

كان لكل سلف  نصيبه من هذه المخلوقات لاهم لها غير الهزل والمزاح المر الذي لايحتمل.

لم يدر بخلد ولفريد ما كان قد دبر له .نصب  خيمته وسط البستان وجهز بندقيته لاصطياد الخنزير ولم يحسب حساب مخلوق عابث سيجعل من انكليزي  هزأة لليلة بطولها وحكاية تتناقلها الاجيال .

كانت الحاشية صانعة الاحبولة تنتظر في المضيف صوت استغاثة الانكليزي  ولكن لم يحدث ما خمنت.

 البعض غلب عليه النعاس فتوجه الى بيته ،والبعض  الاخر اثر الانتظار . السماء اصطبغت   باللون اللازوردي متهيأة لاستقبال اشعة الشمس الذهبية.عندها امر الشيخ احد رجاله للوقوف على خبر الانكليزي مع مخلوق بستان السيد . المخبر جاء بما لا يتوقع.

– وجدته يحلق لحيته امام خيمته ويأسف بأن الخنزير لم يظهر له .

توجهوا للسيد صاحب البستان لتفسير عدم ظهور المخلوق الذي الفوه  وضحك من اسلافهم منذ بدء الخليقة و تبعهم من جيل الى اخر .

– الانكليزي على غير دين المسلمين فلم يتعرض له .

ختم محدثي روايته بينما دار بخلدي انتقال هذه المخلوقات من الاهوار القصية لقلب العاصمة ابدلت المزاح بالعنف والدشداشة بربطة عنق.