خلف‭ ‬الحدود- محمد زكي ابراهيم

كانت‭ ‬محاولات‭ ‬التتريك‭ ‬التي‭ ‬اعتمدتها‭ ‬إمبراطورية‭ ‬بني‭ ‬عثمان‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬هجمات‭ ‬كثيرة‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬القرون،‭ ‬لكن‭ ‬أياً‭ ‬منها‭ ‬لم‭ ‬يصادف‭ ‬النجاح،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬حرص‭ ‬العرب‭ ‬على‭ ‬هويتهم‭ ‬الذاتية‭ ‬كان‭ ‬أقوى‭ ‬مما‭ ‬تصور‭ ‬هؤلاء،‭ ‬ولم‭ ‬يعن‭ ‬لديهم‭ ‬الخضوع‭ ‬إلى‭ ‬إمبراطورية‭ ‬ما‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬ملة‭ ‬أخرى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬حول‭ ‬وطول‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬عنصر‭ ‬الممانعة‭ ‬قوياً،‭ ‬لدرجة‭ ‬قطعت‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬محاولات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬وفي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مكان،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الاستعمار‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الوحيد‭ ‬للتراجع،‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬ذلك‭ ‬واضحاً‭ ‬للعيان‭.‬

ذات‭ ‬مرة‭ ‬قال‭ (‬مالك‭ ‬بن‭ ‬نبي‭) ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يمتلكه‭ ‬الاستعمار‭ ‬من‭ ‬نفوذ‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬السبب‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬وقوع‭ ‬البلاد‭ ‬الإسلامية‭ ‬تحت‭ ‬الهيمنة‭ ‬الأجنبية،‭ ‬وليس‭ ‬هو‭ ‬علة‭ ‬ما‭ ‬ألفت‭ ‬نفسها‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬تخلف،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬ثمة‭ ‬ظاهرة‭ ‬اسمها‭ ‬القابلية‭ ‬للاستعمار،‭  ‬جعلتها‭ ‬تنقاد‭ ‬بسهولة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يريده‭ ‬الآخرون‭. 

لكن‭ ‬البقاء‭ ‬خلف‭ ‬الحدود‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬دائماً،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬عامل‭ ‬ضعف،‭ ‬وتفكك،‭ ‬وقلة‭ ‬حيلة،‭ ‬فالانفتاح‭ ‬على‭ ‬الغير،‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬وسائل‭ ‬القوة‭ ‬والانتشار،‭ ‬والخروج‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬العالمي،‭ ‬هو‭ ‬أفضل‭ ‬سلاح‭ ‬من‭ ‬أسلحة‭ ‬البقاء‭ ‬والذيوع،‭ ‬وهناك‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬العيش‭ ‬وراء‭ ‬حدود‭ ‬مغلقة،‭ ‬وأكثر‭ ‬إلحاحاً‭ ‬من‭ ‬الانزواء‭ ‬في‭ ‬وطن‭ ‬خاص‭.‬

لقد‭ ‬خرج‭ ‬البريطانيون‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬مسرح‭ ‬شكسبير،‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬يوماً‭ ‬طيلة‭ ‬400‭ ‬عام،‭ ‬وكان‭ ‬هذا‭ ‬الخروج‭ ‬إيذاناً‭ ‬بنشوء‭ ‬إمبراطورية‭ ‬كبرى،‭ ‬وقدمت‭ ‬السينما‭ ‬الأميركية‭ ‬النموذج‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬المعمورة،‭ ‬زارعة‭ ‬في‭ ‬أذهانهم‭  ‬نزعة‭ ‬التفوق‭ ‬والاقتدار‭ ‬لدى‭ ‬شعوب‭ ‬القارة‭ ‬الجديدة،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬حلماً‭ ‬من‭ ‬أحلام‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬الأمثلة‭ ‬كثيرة‭ ‬ومتشعبة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يهمنا‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬جزءً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬الشعوب،‭ ‬يرجع‭ ‬إلى‭ ‬إرثها‭ ‬الفني،‭ ‬وأن‭ ‬المحافظة‭ ‬عليه‭ ‬وتطويره‭ ‬والإضافة‭ ‬إليه،‭ ‬وتقديمه‭ ‬إلى‭ ‬العالم،‭ ‬مهمة‭ ‬قومية‭ ‬لا‭ ‬يسعها‭ ‬التفريط‭ ‬بها‭ ‬أبداً،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬والبصرية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬الشخصية‭ ‬الوطنية،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬تلون‭ ‬الذائقة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وتبلور‭ ‬الحس‭ ‬الجمالي،‭ ‬وتمنحها‭ ‬الإحساس‭ ‬بالزهو‭ ‬والفخر،‭ ‬وتجعلها‭ ‬محط‭ ‬أنظار‭ ‬الشعوب‭ ‬الأخرى‭.‬

وهي‭ ‬ليست‭ ‬ترفاً‭ ‬أو‭ ‬سلعة‭ ‬كمالية،‭ ‬يمكن‭ ‬التغاضي‭ ‬عنها،‭ ‬أو‭ ‬تأجيل‭ ‬النظر‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬موارد‭ ‬الثقافة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬والسياسة‭ ‬والاجتماع،‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬من‭ ‬البلدان‭.‬

والسينما‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬ازدهرت‭ ‬طوال‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬دليل‭ ‬ناصع‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الاستنتاج،‭ ‬ويكفي‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬صناعة‭ ‬رائجة‭ ‬طالتها‭ ‬يد‭ ‬التأميم‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬القطاعات‭ ‬التجارية‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الستينات‭! ‬وكانت‭ ‬وراء‭ ‬انتعاش‭ ‬سوق‭ ‬الأدب‭ ‬والرواية‭ ‬والإعلام‭ ‬طيلة‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬روائياً‭ ‬بحجم‭ ‬إحسان‭ ‬عبد‭ ‬القدوس‭ ‬قدم‭ (‬60‭) ‬رواية‭ ‬من‭ ‬رواياته،‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬روافد‭  ‬لهذا‭ ‬الفن‭ ‬الجميل‭! ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬أديباً‭ ‬تهيأت‭ ‬له‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭ ‬باستثناء‭ ‬أغاثا‭ ‬كريستي‭ ‬البريطانية‭.‬

لقد‭ ‬بات‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬العرب‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬بهذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬بلد‭ ‬من‭ ‬بلدانهم،‭ ‬وأن‭ ‬يشرعوا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬نهضة‭ ‬مسرحية‭ ‬وسينمائية‭ ‬ودرامية،‭ ‬نابعة‭ ‬من‭ ‬أرضهم‭. ‬،‭ ‬وأن‭ ‬تجند‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬الإمكانات‭ ‬المادية‭ ‬والأدبية،‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬سيتولى‭ ‬التعريف‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭. ‬

ليست‭ ‬صناعة‭ ‬الفن‭ ‬باهظة‭ ‬التكاليف‭ ‬قطعاً،‭ ‬لكن‭ ‬مردوداتها‭ ‬لا‭ ‬تقدر‭ ‬بثمن‭. ‬،‭ ‬ذلك‭ ‬أنها‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬وسائل‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الانقسام‭ ‬مثل‭ ‬العراق،‭ ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬سلاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفوق‭ ‬الوحدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المشاكل‭ ‬والأخطار‭ ‬والأزمات‭ ‬الكبيرة‭.‬