خلاف من الصغر – رندة أحمد عبيد

328

خلاف من الصغر – رندة أحمد عبيد

جميلة الأسرة الشّرقية بما تُخلّفه من علاقاتٍ حميمةٍ تبدو و تظهر في مرحلةٍ و قد غدوا الفتية شبّاناً و رجالاً ؛ لكن هذا لا يعني أنهم لم يكونوا على خلاف في صغرهم وأنّ أيّامهم قد مضت و هم متعانقين يجمعهم كل الودّ ليس إلّا.

فالشجار بين الأطفال لا يكاد يخلو منه بيت من البيوت ،لأسبابٍ هامّة أو جدّ سطحية.

يسأل الأهل دائما و في خضّم المشاجرات و يأسهم تجاهها هل أصبحنا عاجزين عن حل أبسط المشكلات داخل أسرَنا و هل نحن لهذه الدّرجة من الفشل حتى ننام بمشاكل و نصحو على أخرى ؟

لا بدّ لكلّ أهل من مواجهة أنفسهم عن أسباب الخلاف و حسم الأمور بمنطقيّة لكن قبل الغوص بذلك يجب الانتباه إلى متى يجب أن أتدخّل و متى لا فمثلا إذا كان أحد الأولاد عرضة للإصابة بأذىً جسدي يجب التدخّل  فوراً حتى ليُمنع  الخطر المحدق و بعد أن يتحقق الهدوء ، لابدّ من الاستماع بعيداً عن التّعاطف إلى حيثيّات المشكلة  رغم أن من المستحيل غالباً أن تصل إلى القصة الصحيحة ، ولكن المهم هو أن شعورهم أن ذويهم محايدين و يتقنون الاستماع الفعّال  .

حاجة متسارعة

أما في حال لم يكن هناك ضرب أو استعمال العضلات و الأذى في النزاع ، فلا حاجة إلى المسارعة للتدخّل وحل النزاع ، فالأولاد يحتاجون لمثل تلك النزاعات والخلافات ، فهم يتعلمون منها أموراً كثيرة ، ولو حاولنا  منع الشجار تماماً فإنهم سيبحثون عن بديل لتفريغ تلك الطاقة و لا ننسى كم من الخبرة تتولّد بهكذا شجارات فكثيراً ما يستمتع الإخوة وهم يتشاجرون مع بعضهم البعض ؛فيتعرفون من خلال تلك المناوشات على إمكاناتهم ونقاط الضعف والقوة عندهم ، وهم يجربون نشوة الإثارة و الانتصار رغم ما تبعثه هذه المعارك من قلق في نفس الأبوين الّلذان يصلان لمرحلة الحيرة و العجز أما مشكلات الخلاف سيّما عندما تكون أسبابها واضحة لهم كالغيرة و حبّ التّملك  و الشعور بالنقص و انشغال الأبوين أو إهمالهم بقصد أو غير ذلك ثم قد يطفو شعور الصغار باضطهاد الكبار و عدم حكمتهم مما يولّد في داخلهم القسوة و الاستعداد لظلم بعضهم كأن يظلم الأخوة الذّكور الأخوات البنات كما أن الأطفال الذكور يحاولون السيطرة على البنات ، وقد يعيّر الأطفال بعضهم بعضاً بشكل الجسم أو قِصره أو ضخامته ممّا يترك أثاراً سلبيّة من عقد نقص و غيرها و قد تعزز نقاط الضعف تلك حتى تبدو ظاهرة و مؤثرة مع تقدّم العمر  ..

يظن  البعض أن دوام السّيطرة على البيتِ هادئا بلا مناوشات الأبناء يعني أنّه بالسّلمِ  و الأمان .

ليس من علاقة تخلو من الأخذ و الرّد والشدّ و الجذب ليس بين الزوجين فقط و لا بين الأصدقاء بل أيضا بين الأخوة فليس كلّ خلافٍ ضار فإذا كنت دائم السيطرة على المواقف فهذا يعني أن العلاقة بينهم غير طبيعية ، ومضبوطة بسلطتك أنت عليهم و أن روح العداء والإحساس بالمظلوميّة وروح  الضغينة ستدوم بينهم طالما يُنَفَّس عنها طوال طفولتهم ، وستكون العلاقة بينهم ضعيفة حيث يفضلون الانفصال عن بعضهم في أول فرصة .

و بدل التدخّل السّلبي ليكن التنبيه الموجز بأن لا ضوضاء مع أي خلاف مما يضطرهم لبحث مشاكلهم بهدوء  ربّما رويّة و إذا ما اضطر الأمر يُصادر سبب الخلاف بشرط إعادته مجرد الوصول إلى حلّ سلميّ ؛ كلّ من الأولاد هو صمّام أمان لأخيه رغم ما يعتريهم من غيظٍ  و انزعاج مؤقت .

فلا بدّ من الحكمة في التّعاطف المبالغ به أمام دموع المستعطف أو جرأة المتحدّث منهم .  الحثّ  ليس على الكبير بالعطف على الصغير و ليس باحترام و طواعية الصغير للكبير و حسب ْ بل بألّا يتجاوز أحدٌ حدوده مع الآخر و شعوره بمسؤوليته تجاهه و مشاعره و هيبته و حضوره .

تشكيك الابناء

النّدم مؤسف ٌ  خاصّة عندما يأتي أحد الوالدين ليقول لقد تسرّعتُ بمعاقبة أحد أبنـــــائي الموضوع ليس آنيّ الحكمة و النتــــيجة بل هو تشكيك الأبناء بحكمة الأهل و إنصافهم وقـــدرتهم على حمايتهم و تصاعد لعقدة المظــلوميّة وربّما تأجيج لحقد وضغينة بين الأبناء و رغبة التّشفّي والانتقام .

لكلّ حالة طريقة معالجة ولكلّ ثورة أسلوب امتصاص حوّل الضغينة لمحبّة وتفاهم و حريّة تعبير ونيل حقوق وفق منهج العقلانيّة والتفرّغ لحل المشاكل وحسن الاستماع والانتباه فليس من مشاعر وحلول تطرح و الأب عينيه على التلفزيون و الأم عينيها بجوّالها تتبادل الشات و المحادثات مع صديقاتها فبقدر ما يكون الأبوان  قدوة حسنة بهذه الحالات بقدر ما يكون تجاوب الأبناء أسرع وتفاهمهم وحسن تدبيــــرهم بمشكلات الحياة أفضل, ليس من طفلٍ يولد وطبعه معه بل نحن من يشكّله ويُشكّل طباعه وسماته النّفسية ومنظومته الأخلاقية ولمجتمعيّة .

مشاركة