خفايا وأسرار في مذكرات المؤرخ الراحل عماد عبد السلام رؤوف  -3-

 

خفايا وأسرار في مذكرات المؤرخ الراحل عماد عبد السلام رؤوف  -3-

قصة البطل الكردي بير جب وغيابه في جُب النسيان

سلام الشماع

قليلون يعرفون علم الخطط الذي هو دراسة تطور المدينة والاستدلال على المندثر منها من خلال ما هو شاخص، وقد قال لي الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، مرة، وكنت ألتقيه كثيراً: ليس كل مؤرخ خططياً لكن كل خططي مؤرخ بالضرورة.

الواقع أن الدكتور رؤوف اهتم مبكراً بخطط بغداد التي هي مجال جديد في كتابة التاريخ في بلادنا، وقد خطر بباله، مرة، ان يؤرخ لهذا العلم، وحينما عرض فكرة تأليف كتاب بذلك على الدكتور صالح العلي لم يبد اهتماماً كبيراً بها، بل تساءل إن كان مقبولا أن نسمي دراسة خطط المدن علما، فقال له الدكتور رؤوف هو علم ما دام يحكمه منهج بحث، فاستمر العلي على عدم اقتناعه، ومع ذلك فقد شرع رؤوف بتتبع مراحل البحث في خطط بغداد، بدءا بالمحاولات الأولى التي قام بها مؤرخو بغداد العصر العثماني حتى نهايات القرن الثالث عشر، وأكثرها يقوم على تعيين قبور الأولياء، ثم دراسات المستشرقين في الموضوع نفسه، وأبرزهم ليسترنج وهرزفيد، وما أضافوه من منهج يقوم على الاستدلال بدراسة الأنهار واتجاهاتها، ثم كتابات محمود شكري الآلوسي وعبد الحميد عبادة ومحمد سعيد الراوي، التي تناولت وصف المعالم الخططية الشاخصة، من مساجد وتكايا وسقايات وغيرها، فدراسات يعقوب سركيس ومصطفى جواد وأحمد سوسة، التي اعتمدت خريطة بغداد المتأخرة في فهم المعلومات الخططية في النصوص الأدبية والتاريخية، وصولاً إلى دراسات صالح العلي نفسه، التي نظرت إلى علم الخطط على أنه وسيلة لفهم تنظيم الإدارة ووسائل الاتصال والعلاقات الاجتماعية لأهلها، لا غاية قائمة بذاتها، متتبعاً تطور مناهجهم ودوافعهم ونتائجهم، فخرج الكتاب وهو يغطي قرناً كاملاً من جهود المؤرخين، وتولى (ملتقى القاموسي) وهو أحد المنتديات الثقافية في بغداد نشره، فصدر بعنوان (خطط بغداد في دراسات المؤرخين المحدثين) وذلك في سنة 2002.

 المطراقي زاده

 زار كل من الدكتور حسين علي محفوظ والأستاذ جميل الكاظمي وآخرون الدكتور رؤوف، في داره سنة 1988? وقد أسعده جميل الكاظمي عندما أهداه كتاباً مهماً هو (رحلة العراقين) تأليف المؤرخ والرسام الماهر نصوح أفندي مطراقي زاده، وهذا الكتاب يتضمن وقائع رحلته بصحبة جيش السلطان سليمان القانوني إلى ايران والعراق سنة 1534، والأهم من ذلك احتواؤه على نحو 132 صورة ملونة بريشة المطراقي تمثل مراحل الطريق الطويل الذي قطعه الجيش من المدن والقرى والجبال والأنهار وغير ذلك، ففكر الدكتور رؤوف أن من المحزن فعلاً أن يبقى هذا الكتاب النفيس حبيس نسخته التركية، ورأى أن من المفيد جداً نقله إلى العربية، ولذا اتصل بصديقه الدكتور صبحي ناظم، ليترجمه إلى العربية ففعل، ثم تولى هو التعليق على النص المترجم بما يشرح مصطلحاته، ويعرف بالمواقع الكثيرة التي وردت في تضاعيف الرحلة، وبعد أن أنجز الكتاب عرضه على محمد الخاقاني، فاقترح تقديمه إلى المجمع الثقافي في أبو ظبي ليتولى طبعه، وقد فعل، فخرج الكتاب مطبوعاً بصفة أنيقة سنة 1998.

وعلى الرغم من أناقة الطباعة، فأن رؤوف كان يشعر أن الكتاب لم يُوف الصور الدقيقة الملونة ما تستحق من دراسة، لا سيما ما يتعلق منها بالعراق، مدنه وفيافيه ومشاهده ومعالمه المختلفة، وفي سنة 2014 شرع بالعمل على تحقيق مشروع يقضي بإعداد دراسة لنحو خمسين صورة من صور الكتاب، رسم فيها المطراقي تلك المعالم بإتقان مدهش وألوان خلابة، وجاءت الدراسة بثلاثة أبعاد: بعد تاريخي أو خططي، كون هذه المعالم تمثل مدناً ومشاهد لها تاريخها، وبعد آثاري يتعلق بنوع عمارتها وتطور أساليبها البنائية وما إلى ذلك، وبعد ثالث يتصل بالجانب الفني البحت، من حيث ألوانها وطريقة تنفيذها واسلوب تخطيطها. وقد تولت طبعه بالالوان مؤسسة الاعلمي في بيروت، فخرج إلى قرائه في 288 صفحة كبيرة. كما أني نشرت دراسة مستقلة عن الصورتين اللتين رسمهما المطراقي لمدينة كربلاء بعنوان (كربلاء كما رسمها المطراقي زاده) في العدد الثاني لسنة 2016 من مجلة جديدة هي (السبط) يصدرها مركز كربلاء للأبحاث هناك.

متحف  لبغداد

أفكار كثيرة تقدم بها الدكتور عماد عبد السلام رؤوف لإحياء معالم بغداد القديمة، كنت أنقل بعضه إلى الصحافة بنفسي، ومن تلك الأفكار أنه ظل يدعو، لمدة عقدين، إلى إنشاء متحف لبغداد، متحف يستطيع مشاهده أن يتتبع تاريخ المدينة وتطور عمرانها وخدماتها من خلال ثلاثة عشر مجسماً كبيراً، يزود كل مجسم منها بدوائر الكترونية توضح أماكن المدارس والقصور والمستشفيات والقلاع والحصون وغير ذلك في كل قرن، ويحوي معلومات مصورة ومجسمة لمظاهر الحضارة فيها، عبر عمرها الطويل، وقد وضع دراسة تفصيلية عن هذا المشروع: فكرته، وتقنياته، وغايته، وأسلوب عرضه، وصور متخيلة لأجزائه، عرضها على أكثر من أمين لبغداد، لاسيما المهندس خالد الجنابي الذي تولى منصبه في أواسط الثمانينات، وكان متحمساً لإحياء تراثها، إلا أن نقله من منصبه أنهى الفكرة، فأعاد عرضها على الأمناء التالين تباعاً، وكانوا جميعاً يعجبون بها، ويتحمسون لتنفيذها، ثم إذا بعزائمهم تفتر عنها وينصرفون.

كتب مرة دراسة مفصلة عن الباب الوسطاني، آخر ما تبقى من أسوار بغداد، تناول فيها تاريخ تأسيسه، وتخطيطه، وتصميم عمارته، وذيلها بجملة من المقترحات لغرض تحويل هذا الباب العتيد إلى معلم سياحي وثقافي بارز من معالم بغداد، وأن يصار إلى جعله مشروع ضوء وصوت يحكي تاريخ بغداد في عَرض خلاب، تشارك فيه مؤثرات مختلفة، أسوة بمشروع الضوء والصوت في أهرام الجيزة بمصر، حيث يتابع المشاهد عرضاً ناطقاً مضيئاً لتاريخ مصر عبر العصور. وكان الباب الوسطاني، عهد ذاك، قد اصبح مجرد مكب كبير للقمامة، وقد تجاوزت الدكاكين والكراجات على أرضه، وعلت أكماته القبور. عرض المشروع على مدحت الجادرجي، وكيل أمين بغداد، فقرر أن تتبناه الأمانة، ثم كان أن غادر منصبه فنسي المشروع، ثم أعاد عرضه على الدائرة الهندسية في ديوان الرئاسة، وعقدت جلسة لدراسته ومناقشته حضرها لفيف من المؤرخين والآثاريين والمهندسين، ولكن المشروع ما لبث أن نسي، وربما طغت عليه اهتمامات أخرى، فلم يذكره أحد حـــــتى احتلال بغداد سنة 2003.

وكان قد دعا أيضاً إلى إعادة إحياء باب الطلسم (باب الحلبة العباسي) ببنائه مجدداً على وفق الأسس التي كشفت عنها الهيئة العامة للآثار في أثناء انشاء الطريق المعلق حول بغداد الشرقي الذي سمي (طريق محمد بن القاسم) قرب ساحة النهضة، ووفقا للصور الفوتوغرافية الدقيقة التي أخذت له قبل أن ينسفه الجيش العثماني المنسحب عشية دخول القوات البريطانية بغداد في 17 آذار سنة 1917? وكان يمكن لو أعيد بناء هذا الباب الجميل أن تستعيد بغداد أحد أروع معالمها التاريخية، وأن تتحول المنطقة البائسة حوله إلى مقصد للمواطنين والسائحين. وكان يتمنى أن يصار إلى الاحتفاظ بمحلة بغدادية واحدة، في الأقل، هدية من أهل هذا الجيل، إلى أبناء الأجيال القادمة، وقال: إن لم نفعل، فلن يبقى في أيدي تلك الأجيال من مدينتهم إلا ذكرى لا واقع يقوم عليه، وخيالاً لا جسم يتمثله، وأوصافاً في كتب مع غياب الموصوف نفسه.  ولكنه كان كلما اقترح شيئا بخصوص تخليد معلم في بغداد أو إحيائه فترت الهمة عن تنفيذه.

اكتشاف مركز المدينة المدورة

دعا الدكتور عماد عبد السلام رؤوف، غير مرة، فيما حاضر وكتب، الى أن تقوم الجهات الآثارية بجهد خاص لاكتشاف موقع مدينة المنصور، أو المدينة المدورة كما صارت تسمى من بعد، مؤكداً في دعواته تلك: “لقد شاءت العناية الإلهية أن تبقي على مساحة كبيرة من الأرض التي كانت تقوم عليها مدينة المنصور خالية من البناء حتى اليوم، ومن ثم ليس مستحيلاً في عراق لم يعرف المستحيل قط، أن توظف الجهود العلمية، وتوفر الإمكانات الفنية، للقيام بحملة مكثفة، وطويلة النفس، للبحث عن أسس المدينة المدورة، أو عن أي من مرافقها التليدة، وإننا على يقين بأن الأجيال المقبلة ستذكر لأبناء هذا الجيل، بكل فخر، أنه هو الذي نفض التراب عن مدينة الاجداد عبر القرون، وأنقد رمز بغداد الخالدة من مطاوي النسيان، وأكد، مرة أخرى، على نبل إحساسه بالماضي، ووفائه لبناة حضارته رواد العالم في تلك العصور”.

لكن (الجهات المعنية) لم تكن معنية بالأمر، فلم تحرك ساكناً، حتى إذا بدأت أمانة بغداد بمشروع إكساء شواطئ بغداد بالصخر، سنة 1999- 2000 اكتشف مهندسوها وعمالها مصادفة، في 1/10/1999 في منطقة (العطيفية) على شاطئ الجانب الغربي من بغداد، أسساً لقاعة كبيرة على عمق 6-7 أمتار تحت الأرض، قد فرشت أرضيتها بالطابوق الفرشي الكبير، تتصل بنفق عال يتجه نحو الشمال الغربي، ويتخلل سقفه المعقود سلسلة من الفتحات، فجرى الاتصال بالهيئة العامة للآثار، التي أوقفت العمل مؤقتاً، وأجرت أعمالاً تنقيبية سريعة توصلت، من خلالها، إلى أن هذه القاعة تقوم فوق مقبرة فرثية سبق وجودها تأسيس بغداد، كما عثرت على ختم باسم (عبد الله بن محمد) وقطع نقدية معروفة باسم (الدوانيق). وكان سهلاً أن يقترن الاكتشاف باسم الخليفة المنصور مؤسس المدينة المدورة، فعبد الله هو اسمه، والدوانيق هي العملة التي شاع ضربها في عهده حتى عرف بالدوانيقي، لكن المشكلة كانت تتمثل في تعيين أي معلم من معالم هذه المدينة كان هذا الذي جرى اكتشافه.

يقول الدكتور رؤوف: “كان الصحفي سلام الشماع قد أذاع خبر الاكتشاف بين عدد من الباحثين، من بينهم الدكتور حسين علي محفوظ، الذي كان يسكن في مكان قريب من موضع الاكتشاف، فتوصل الى أنه ليس إلا قصر الخلد، مستندا على قرينتين، الأولى أنه قصر من قصور المنصور، والثانية انه يقع على شاطئ دجلة، وهذا ما اتصف به قصر الخلد بالضبط، وحينما وجه اليّ السؤال نفسه، كانت إجابتي تختلف اختلافا بيناً، فصحيح أن وجود ختم الخلافة وهو يحمل اسم المنصور يدل على أن القصر عائد حتما لهذا الخليفة، لكنه ليس قصر الخلد بأي حال، والدليل على ذلك وجود ذلك النفق المعقود ذي الفتحات العلوية مما أشرنا إليه، وكان قد أنشأه لغرض توصيل المياه من نهر كرخايا، وهو نهر كان يأخذ من الفرات، في الشمال الغربي من بغداد، وأن المنصور نفسه قال ذات يوم أنه أنشأ نفقاً بهذه الصفة يستطيع أن يسلكه إذا ما حوصر في قصره، فيخرج منه على مسافة فرسخين، وقد قال معاصروه إنه كان يقصد به هذا النفق، فأي دليل أقوى من هذا الدليل الذي يثبت أنه قصر المنصور أول معلم أنشأه في بغداد؟ أما أن وجود القصر على نهر دجلة، وقصر المنصور كان يقع في وسط المدينة المدورة بالضبط، فهذا لأن دجلة جرف نصف المدينة المدورة تدريجيا فلم يبق الا نصفها الغربي، أما النصف الشرقي فما زال يقبع في قعر دجلة، وقد استعنت لإثبات هذا التغيير في مجرى دجلة بدلائل عدة، أهمها صور (التحسس النائي) التي التقطتها الأقمار الصناعية لمجرى النهر، وحصلت على دلالاتها من خلال عون مشكور قدمه الدكتور جعفر ضياء جعفر. وكنت أتوقع أن يسعد هذا التعيين المسؤولين في الجهات الثقافية، ومنها الهيئة العامة للآثار، فاكتشاف قصر المنصور سيؤدي الى اكتشاف المدينة المدورة بأبوابها الاربعة ومرافقها الكثيرة”يضيف: “لكني فوجئت بغضب مستتر يسري في كل شيء أحاط بهذا الاكتشاف، وأولها الجهات الاثارية، إذ بدت ملامحه بقيام الهيئة بدفن معالم القصر بالشفلات بسرعة، مُخفية كل آثاره، وتعليل ذلك أن قانونها يقضي بذلك، وأن المصلحة العامة تستلزمه، لأنه يحول دون انتشار البعوض في المنطقة، وفي الواقع فإنه كان سبباً يدعو الى الضحك فعلا. وحينما راجع الصديق الصحفي سلام الشماع دائرة الاثار لم ير إلا وجوها عوابس، وتهديدات مبطنة بإغلاق الموضوع وعدم طرحه في الصحافة. وحينما أبلغت الأمر الى وزير الثقافة والأعلام لم يكن رد فعله بأفضل من رد فعل دائرة الاثار، وأشيع في حينه أن موقع القصر كان قريباً من أرض كانت تستحوذ عليها امرأة ذات نفوذ وحظوة، ولم يكن مرغوباً أن تجري أعمال تنقيب قريبة من أرضها”. وهكذا مات اكتشاف كان يمكن أن يكون أهم الاكتشافات الخاصة ببغداد منذ تأسيسها وحتى نهاية القرن العشرين، ودفن بالشفلات خشية انتشار البعوض في مدينة السلام!

بطل منسي

في لقائه سنة 1997 الرئيس الراحل صدام حسين، الذي استدعاه لمعرفة تفاصيل أكثر عن مشاركة قوة من المتطوعين من ولاية بغداد في الجهد العسكري العثماني من أجل تحرير مصر من الفرنسيين، وجد الدكتور عماد عبد السلام رؤوف فرصة ليحدث الرئيس عن شخصية كردية نبيلة، هي شخصية بير جب، بوصفه أحد الذين تطوعوا، مع رهط من شجعان قريته عقرة، للحرب ضد الفرنسيين في مصر، وقد أعجبته القصة، ورأى أنها تستحق أن تبرز إعلامياً وتعليمياً، وأمر سكرتيره، من فوره، بالاتصال بجهات حددها كيما تذكر ضمن كتب التاريخ المدرسية والجامعية. وقد كتب صاحب المذكرات، في حينها، مقالاً في جريدة الاتحاد التي كان يصدرها اتحاد الصناعات العراقي (15/9/1998 ) بعنوان (بير جب) افتتحته بعبارة تقول “إذا كانت الأمور تقاس بمعانيها لا بمبانيها، كما يقول أهل المنطق، وبجوهرها لا بمظهرها كما يرى أهل الفلسفة، فإن ما فعله الرجل البسيط المدعو رجب بن حسن الزيباري الكردي العقراوي يعني الكثير”. وحينما انتقل الدكتور رؤوف إلى اربيل، قدم مجموعة من الحلقات لقناة فضائية باسم (حكاية مكان) وكانت عقرة موضوعاً لإحدى تلك الحلقات، ولم يكتف بذلك وإنما ألقى محاضرة عن (بير جب)  في منتدى ثقافي هناك في عقرة حضره جمع كبير من مثقفي عقرة، والغريب أنه اكتشف أن أكثر الحضور لا يملك أدنى فكرة عن بير جب، فطالب في آخر المحاضرة أن يقام تمثال لهذا البطل النبيل في مكان بارز من المدينة، وأن يسمى شارع باسمه، إحياء لذكراه، إلا أن شيئاً من ذلك كله لم يحدث مع الأسف. لقد غاب بير جب في جُب النسيان مرة أخرى.

مطبوعات في مصر

يتحدث الدكتور عماد عبد السلام رؤوف في مذكراته عن جانب يخص الصحافة العراقية، في بداياتها، إذ أنه جرد، في صيف سنة 1989 مجلدات جريدة الزوراء المحفوظة في المكتبة الوطنية، والتي صدرت خلال الحقبة من سنة 1869 الى سنة 1916? فلاحظ أن هذه الجريدة الرائدة لم تكن تعنى بتتبع أخبار العراق فحسب، وإنما كانت تتابع مختلف الشؤون العسكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية لمنطقة الخليج العربي وشرقي الجزيرة العربية واليمن، من خلال مراسليها الذين كانوا بصحبة حملة مدحت باشا في الخليج سنة 1869 وحملات العثمانيين في نجد واليمن، فقرر أن يتخذ هذه التقارير موضوعاً لبحث يشارك به في مؤتمر خليجي سيعقد في مسقط، الا ان اندلاع حرب 1990? جعله ينصرف عن انجاز ذلك البحث، وبقيت مواده مركونة لديه، ثم التفت إليها مؤخراً، فعمد إلى نسخ تقارير أولئك المراسلين الرواد، ودرسها وحققها وشرح ما غمض من ألفاظها، وقدم لها بدراسة عن أهميتها وأسلوبها، فلما استوت كتابا مستقلا وضع له عنواناً هو (الخليج العربي في تقارير مراسلي جريدة الزوراء) وعمد الى نشره من خلال ناشر مصري في القاهرة.

وفي الختام

خاتمة القول إن مذكرات المؤرخ الراحل الدكتور عماد عبد السلام رؤوف تكتسب أهميتها من أنها ألقت أضواء كاشفة على أحداث مهمة عايشناها جميعاً وبعضها بقي مغلفاً بأسرار ويقبع خلف أسوار النسيان، والمذكرات، على طرافتها، كتبت بأسلوب سردي رائع ولغة أدبية سهلة لا يمل القارئ من متابعة قراءتها إلى النهاية، ومعظمها دار حول كتبه، مما يشير إلى أن المؤرخ الراحل كانت حياته لا تتعدى التأليف والمحاضرات والندوات والسفرات العلمية والرحلات للبحث عن مصادر لكتبه والرسم.. إنه أنفق سنوات حياته للعلم وللعلم فقط فاستحق محبة الناس وتبجيلهم وتكريمهم، وتقترح (الزمان) أن تطلق الجهات المختصة في أمانة بغداد اسم الدكتور عماد عبد السلام رؤوف على شارع من شوارع بغداد التي أفنى حياته في البحث عن تاريخها وإقامة تمثال يخلده في الشارع المقترح.. وذلك أضعف الإيمان.

مشاركة