خضير ميري وإبتهالات آخر الصعاليك 2-3
قصة الحداثة وما بعدها
الدراسة المنصفة والرصينة
اعتاد حغفحةع والمفكر عبد الحسين شعبان ان يتحف (الزمان) بدراسات ومقالات ذات استجابة مدروسة لاحداث وشخصيات مهمة، وهذا ما يتعلق بالدراسة التي بدأ نشرها في جريدة (الزمان) بتاريخ 21/1/2016 بعنوان (خضير ميري وابتهالات اخر الصعاليك) حيث كان للحلقة الأولى التي نشرت من هذه الدراسة صدى إيجابيا في نفوس الكثير من المثقفين، اذ عرفوا من خلالها الكثير من المعلومات عن الاديب الراحل خضير ميري، وابدوا الكثير من الامتنان للاديب والمفكر عبد الحسين شعبان على هذه المعلومات وعلى ما قدم من وجهة نظر منصفة وواقعية عن هذا الكاتب الذي عاش بعيدا عن الأضواء واستجابة لطلبات العديد من القراء وضرورة تقديم المزيد من المعلومات عن الراحل خضير ميري ولان هذه الدراسة ذات اهتمام واسع ومنصف بهذه الشخصية الثقافية فاننا نقدم الحلقات المتبقية منها بمناسبة مرور أربعين يوما على رحيل الكاتب والصحفي خضير ميري املين ان تصل هذه الدراسة المهمة والرصينة والمنصفة الى الجهات والمنظمات المسؤولة وان تقدم لخصير ميري بعض ما حرم منه، وان تبادر من خلاله الى انصاف امثاله من الادباء والكتاب والمفكرين الذين يعانون المرض والبؤس والحرمان وقساوة الظروف.
المحرر الثقافي
عبد الحسين شعبان
ضحكت، فقال كنت أقول مع نفسي: هل هذا المتمرّس بالعمل السري الذي ينصحني بعدم الإفراط في الشرب، ويدفعني للعودة إلى المنزل قبل الساعة الحادية عشر، يخفى عليه إنني كنت أتسلّل من وراء ظهره لأستكمل المقسوم، وفي كل مرّة كنت أتلفّت خلفي، فلربما لم تنطلِ الحيلة عليك، حتى وصلت إلى قناعة منذ حين، فطمأنت نفسي، إلى أن ذلك قد لا يكون اهتمامك، وإنك لا تعرف دروب الدراويش والصعاليك، وإذا بك تكتشف الحيلة.وقال لي حين جئت إلى بيروت وهي سفرة الإبداع والانتاج والجمال كما يطلق عليها، كنت توصلني بالسيارة إلى الفندق وتوصيني بعدم مغادرته خوفاً من حوادث قد لا تحمد عقباها، خصوصاً وإنني لم أعرف البلد من قبل، وكنت تأتي في الساعة الحادية عشر صباحاً، لاصطحابي إلى حيث عملنا بصورة مشتركة في تلك الحوارات الرائعة، قد تكون أنت مطمئنا إلى أنني لم أغادر الفندق، ولم يمس أحد عذريتي، لكنك ما إن تحرّك السيارة ، حتى أستدير أنا من التوجّه إلى الفندق الذي وضعتني في بابه، إلى حانة بالقرب من شارع السادات، كنت قد عرّفتني عليها، ويقصد “جدل بيزنطي” أو بار ايلي (اليساري التاريخي) المعروف، والذي يتردّد عليه يساريون من ذلك الزمان كما قلت لي، لأقضي وطراً من الليل، حتى يحين الهزيع، فأغادر وكل رئتي مملوءة برائحة الخمر والبحر.قلت له أيها الملعون كل ذلك كان يحصل وأنا المغفّل.. قال إنها حياة الصعاليك، عشق الحياة بكل مساماتها وبكل دقائقها وتفاصيلها. مثلما كان النيل يسحره فقد سحره البحر المتوسط، البحر الشاسع والممتد والأزرق والعذب، سواء حين كان هادئاً أو عندما يهيج، كان خضير ميري يلوذ به.لم يترك مجالاً في القاهرة إلاّ وطرقه، لقد أصبح أحد فرسان القاهرة الذين لا يشقّ لهم غبار، فمن الصحافة والتلفزيون إلى السينما والنقد السينمائي، ومن الأدب والفن والفلسفة، إلى السياسة والحدث اليومي، لدرجة أصبح مرجعاً لكثير من هذه الأمور. ولم يكن ميري محاطاً بعشرات الأصدقاء، بل كان الكثير منهم ينتظرون دورهم في صداقته، سواءً عرفوه أو سمعوا عنه أو قرأوا له… كل ذلك في غضون سنتين ونيّف. ومن يصل إلى القاهرة من العراقيين ولم يلتقِ خضير ميري، كأنه لم يشاهد ركناً من أركان القاهرة. علّق أحد الأصدقاء قائلاً أربعة معالم في القاهرة، لا بدّ من زيارتها: الأهرامات وبرج القاهرة (والأزهر وخان الخليلي وهما متجاوران مع سيدنا الحسين) وخضير ميري.كان الكثير من الأدباء والإعلاميين المصريين يتقرّبون منه ويتودّدون إليه لبساطته ولحديثه الذي له مذاق لذيذ مع مبالغات شائقة. وقد أجاد اللهجة المصرية، وأخذ أحياناً يناقش فيها. وكان الأصدقاء الذين يتعرّف عليهم، سرعان ما يدعون أصدقاء جدد، وهكذا كانت دائرته تتّسع، حتى إنه في مرّة من المرّات عند تجديد إقامته سأله الضابط، من أين لك كل هذا العدد من المحبين والندماء؟ قال له بسرعة بديهة: إن المصريين جميعهم ندماني، لأنهم جميعهم ظرفاء وودودين و”جدعان”! لم يكسب ميري أصدقاء لنفسه، بل كان في كل زيارة يجلب لي أصدقاء جدد، هو يعتقد إنه سيكسبهم لي، حتى وإنْ لم أرغب، بل كنت أمانعه أحياناً، وفي مرّة اعتذرت منه بزعم موعد طارئ عنّ لي، فأحياناً يحرجني ببعضهم، معدّداً صفاته ومزاياه، ولكن بعد فترة يطلب مني أن أنساه ولا أضعه في مفكّرتي، خصوصاً للوسط العراقي. وفي أحد المرّات وبعد الانتهاء من ندوة لي في القاهرة اصطحبني إلى بيت سيّدة لبنانية، وقال لي إن بنتها شاعرة، وهي تريد أن تقرأ على مسامعك ، ولا أدري كيف تخلّصت من هذا المأزق بعد نحو ساعة أو أقل من تلك الزيارة التي وضعني فيها أمام الأمر الواقع، وكان قد دعا واحداً من معارفه أو أكثر إلى تلك الأمسية. هكذا يتصرّف ميري بطريقة عفوية أو مقصودة، وأحياناً بدلاً من أن يكسب لك أصدقاء جدد، فإنه قد يجلب لك أعداء أحياناً.
مجلة الحداثة وما بعد الحداثة
دعاني مرّة مع مجموعة من الأصدقاء في مكتب أحدهم وهو ناشر وإعلامي يُدعى إلهامي لطفي بولس، وفاجأني حين طلب مني إدارة الجلسة، والموضوع إصدار مجلة الحداثة وما بعد الحداثة، وهو ما كنّا قد ناقشنا في أهمية وجود مجلة تعنى بذلك، وقد نسيت الأمر لأنه كان في سفرتي السابقة إلى القاهرة، فما كان منه إلاّ أن هيأ لمجموعة تبنّت الفكرة وأقنعهم بأنني صاحبها، وأبدوا هم استعدادهم للتمويل الذاتي، واقترح هو في نهاية المطاف مع أحد الأصدقاء هيئة تحرير بإشرافي، وأن يكون هو رئيسها وبولس رئيس مجلس الإدارة وعبد الناصر الدشناوي مديراً للتحرير وأشرف عزمي سكرتيراً للتحرير .ووضع نائباً له (الكاتب حسن متعب – العراق) وعدداً من المستشارين بينهم عراقيين ومديراً للشؤون الثقافية الدولية (الشاعر سعد جاسم). لم أستطع أن أنبس ببنت شفة، فقد كان قد هيّأ كل ذلك واعتراضي سيعني خذلاناً له.
لكن ملاحظاتي الاعتراضية أوردتها بطريقة أخرى، هو أننا إذا لم نستطع إيجاد تمويل لستة أعداد على الأقل (كل أربعة أشهر عدد، أي لسنتين) فالأفضل ألاّ نبادر إلى إصدارها، وتعهد هو وبلغة الواثق بأن التمويل ليس مشكلة، ولكن المهم أن نصدر العدد الأول، وكتبت افتتاحيته، وزخر العدد بموضوعات مهمة ومثيرة وساهمت فيه نخبة متميّزة، ولقي اهتماماً مصرياً كبيراً لدرجة أقرب إلى الاحتفالية، وبدرجة أدنى عربياً ونشر عنه في العراق كذلك، لكننا لم نستطع الحصول على تمويل، وليس بالإمكان إصدار عدد مع الحصول على سلفة، وهكذا توقّفت المبادرة المهمة، كما هو متوقّع.(علماً بأن العدد الأول واليتيم صدر في حزيران /يونيو العام.(2010 ليس مألوفاً وليس مقبولاً مصرياً، بل أكاد أقول من معرفتي بالجو المصري، يكاد يكون الأمر مستحيلاً أن يكون عراقيان في صدارة مجلة ثقافية وفكرية تصدر في مصر، والأغرب أن يموّلها مصريّون. قد يكون ممكناً ثمة سعوديين أو كويتيين مع إدارة مصرية، ولكن التمويل سيكون خليجياً والوظائف مصرية. كان الأمر استثناءً، ولكنه استثناء لا أظنه يتكرّر، وهو استثناء لخضير ميري وحده دون سواه، وأقول ذلك من تجربتي مع العديد من المنظمات العربية والدولية العاملة في القاهرة،والتي ساهمتُ فيها لسنوات، فكل شيء يمكن أن يكون مقبولاً إلاّ إدارتها وموظفيها وتمويلها.
الحرفوش وعناقيد السخرية
كان خضير ميري صعلوكاً على غرار الصعاليك الشعراء النبلاء عروة بن الورد وصحبه، خفيف الظل، متوقّد الذهن، لا يكلّ ولا يملّ عن اللف والدوران، ويجد في ذلك متعة أحياناً، يوقع في شركها بعض ” الجادين” المزيفين، أو كما يسمّيهم الذين يلبسون وجه الجدّية، مع أن وجوههم لا تعبير فيها، وهم فارغون بامتياز.يحبّ خضير ميري التجريب والتغيير، ويميل إلى التقريب، وليس إلى التخريب، وإلى التواصل والتفاعل، بدلاً من التباعد والتنافر، ومع ذلك فهو مع الشيء وضدّه أحياناً، إنه حمام شارد من سرب الطيور، فقد خرج على المجتمع وقوانينه وأعرافه، ويريد أن يظلّ هائماً حد التيه، وكلّما عنّ عليه عش إلتجأ إليه، ولكن سرعان ما يملّ ويجزع.إنه أحد الحرافيش المسكونة بالادعاء والهوس والهوى، وهو عدو النمطية والرتابة والوقار، ويتحايل أحياناً على قدره الغاشم، ويتغافل مع حظه التعيس، ولكن ببهجة وفنون من الضحك، بل وعناقيد من السخرية، حتى وإنْ كانت حزينة، وهل توجد سخرية حقيقية دون الحزن، ستكون سطحية وجوفاء، وحسب ماركس فإنه هو القائل” إنني أقف مما هو مضحك موقفاً جاداً”.خضير ميري لا يصطنع الضحك ولا يتكلّف بإنتاج السخرية، إن ضحكته الصافية النقية كانت تمزّق الوقار وتفضح الزيف، يلقيها حتى وإن كان باستهتار وبمروق وبوهيمية وفوضوية، لكنها مؤثرة وهادفة، وكان كثيرون يتحاشونها. لا يتحوّط في بعض الأحيان فيلقى ما يغضبه، حتى وإنْ كان فطناً، ولكن تفوته أشياء كثيرة، وأحياناً يستخف بما هو سائد.
في العشق
قال لي مرّة ألا تتعب من العقلانية والإتزان والاعتدال؟ قلت له أتقصد أن أتجه إلى الصعلكة؟ قال لي لم أرغب أن أقولها، فأنت في داخلك صعلوك، لكن ظروف حياتك وانخراطك المبكر بالعمل السياسي والفكري قد حال دون ذلك… وكان ينتظر الجواب مني … قلت له: الصعلكة نمط حياة ومنهج فلسفي ورؤية وجودية، أتريدني أن أكون صعلوكاً مدّعياً أو متكلّفاً أو مزيّفاً، حينها سوف لا أكون صعلوكاً حقيقياً، لأنني سأكون طارئاً وملفّقاً. ولكنني فاجأته، بل وأرحته حين قلت له نعم في أعماقي شيء صعلكة: إنني صعلوك في العشق، فالعاشقون أمة واحدة ودين واحد،وهذا هو الله حسب المتصوّفة.
“انظر بقلبك
وستعرف إن كل ذرّات الكون في رقصة عشق أبدية
ستعرف أنها تتلمّس العاشقين فتعرفهم”
وأضفت مناوراً معه في لعبة يستحليها ويستطيبها: قلبي هو دليلي كما يُقال، لكنني حسب محمود درويش: لا أتذكر قلبي إلاّ إذا شقّه الحب نصفين أو جفّ من عطش الحب. وأقول الآن: إن قلبي لم يتعب من فعل الحب، بل أراد أن يجدّد نفسه ويفسح في المجال للعشق، ليكون قادراً على استعادة حيويته المعهودة.في العشق أنت صعلوك، عليك أن تذهب إلى النهاية، أن تمضي دون توقّف ودون التفات، فنور العشق تسلّل إلى داخلك وبنوره أنت تهتدي. حين تدخل بستان العشق تتعطّر بالبهجة والحبور، وتزدان بكل الأطايب وتنغرس فيك المحبّة بلا حدود.وفي العشق لا توجد أنصاف حلول أو مساومات، أنت عاشق يعني إنك متماهيٌ مع المعشوق في وحدة لا انفصام فيها، ليس هناك نصف عشق أو نصف حب، هناك حب وهناك عشق، وليس هناك أنصاف حب أو أنصاف عشق أو نصف تماهي. تلك هي صعلكتي الحقيقية، بل ذوباني، وهو نوع من التمرّد على المألوف، حين تجد صورتك في صورة المعشوق، فهو أنت ولكنك فيه، وهو فيك ولكنه هو.
قال بعد أن استمع لي وأنا مندمج: كأني أراك تريد منافستي على الفلسفة أيضاً، يكفيك القانون والدساتير والأديان والحقوق والعلاقات، أتلحقني على فقري وبؤسي؟.
عن باقة الصعاليك
حكيت له القصة التي رواها لي الشيخ الجليل حسن النهر، وكان جليساً أنيساً ومحدّثاً وإنساناً كريماً وراقياً.. جالسته منذ مطالع السبعينيات في الشام حين كان يتردّد عليها. وكنّا نلتقي في مقهى الفاروق بصحبة تلك الأيام، ففينا من اللجنة المركزية والقيادة المركزية وجيش التحرير الشعبي الذي تأسس في العام 1974 والحركة الاشتراكية والبعثيين اليساريين وآخرين، كنّا نتحلّق حول حسن النهر (الذي قتل نجله معين في مواجهة مسلحة مع السلطة وأعدم نجله الثاني ظافر). قال النهر: في يوم من الأيام شعر حسين مردان إن صحته ليست على ما يرام بل أخذت تتردّى، فأخذه النهر إلى الطبيب،وبعد التحاليل والفحوصات، كانت النتيجة إن حسين مردان يعاني من فقر الدم، فضحك حتى كاد يختنق وعندما سأله الطبيب لماذا فأجاب: لأن الفقر لحقه إلى الدم. ثم أعطاه وصفة طبية وبضع نصائح منها : عليك بالإكثار من أكل الكبدة (المعلاق) واللحوم والزبدة والحليب والعسل والفواكه والخضروات، لكي تتخلص من الدوخة وفقر الدم، فضحك مرّة أخرى، قائلاً لو كنت أتمكّن من تناول كل هذه المأكولات، أتظن إن فقر الدم كان سيتربّص بي ، لكنه وجدني خالي الوفاض فتسلّل إليّ ليكمل الحال: فقير في كل شيء.ويعتبر ميري فقير في كل شيء، مع حظوظ تعيسة، وقد روى لي إن خليفة ما أقطع أحد الأدباء أو الفلاسفة قطعة أرض، فنزلت صاعقة عليها وأحرقتها، وقال إن المصريين ينكّتون: “الليّ يخاف من العفريت يطلع له” (يطلعلو). ثم علّق: عمّي أنا قابل اعطوني قطعة أرض ولتنزل عليها صاعقة، فعلى الأقل أقول كان لديّ قطعة أرض.
هكذا كان يشعر أن سوء الحظ حليفه، وإن طالعه منكود، وأيامه مطعّمة باللعنة، وإن الدهر لا يتركه حتى يصرعه. قلت له لا يهمّك فسوء الحظ والصعلكة سمة العباقرة، فهذا هو المتنبي ألم يكن ساخراً وصعلوكاً ومغامراً، ألم يكن الجواهري يعاني وعاش حياة أقرب إلى الصعلكة والعشق والتماهي مع الشعر. أليس رامبو صعلوكاً؟ كيف جاب البلدان ووصل إلى عدن، حين ردّد قبل أن يترك باريس: لقد بُليت سراويلنا من مقاعد الدرس. وهذا بيكاسو أحد أهم الصعاليك وكذلك سلفادور دالي، تم تذكّر معي من المصريين ألم يكن عبد الرحمن الخميسي صعلوكاً ومحمود السعدي وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم . هل تنسى عزيز السيد جاسم، وقد أخبرني صلاح عمر العلي، بأن أبا خولة (السيد جاسم) كان يأتي لمنزله، يسكر ويتعشى، ثم يبدأ بشتم التكارتة حتى النفس الأخير قبل أن يغادر .وبلند الحيدري، كان عمّه وزيراً، وقد أراد إحراجه، فأتى بطاولة ونصبها مقابل الوزارة ليعمل عرضحالجي (كاتب عرائض ) كجزء من التمرّد، والبياتي كان صعلوكاً على مستوى عالمي من دمشق إلى القاهرة ومن موسكو إلى مدريد وحتى عمان ودمشق ليدفن بالقرب من ابن عربي، وقد جرّب كل فنون الصعلكة، ثم هناك الصعلوك الكبير الحصيري وهو القائل:
أنا الإله وندماني ملائكة
والحانة الكون والجلاّس من وجِدوا
وكانت مقالبه ومقالب الآخرين معه، حديث بغداد في الستينات وحتى أواسط السبعينات. ولديك سعدي يوسف أحد كبار الشعراء الصعاليك النبلاء. ألا تعرف الشاعر وليد جمعة فقد كان حمل فيروس السل في صدره لعقود من الزمان، فماذا تريد أكثر من ذلك؟ قد يكون مبدعون آخرون، لكنهم لم ينالوا شهرة مثل هؤلاء الصعاليك. وبالمناسبة فقد رحل وليد جمعة قبل بضعة أشهر وأعدُ القراء بأنني سأتوقف عند حياته وإبداعه وصعلكته، فهو شاعر مبدع وهجّاء كبير وأحتفظ بعدد من الرسائل له أحاول نشرها.كان خضير ميري بصعلكته همزة وصل بين كثيرين، وأحياناً بين أعداء يجمعهم على طاولة واحدة، فقد كان ريحانة المجالس وزهرة الحضور أو مزهرية الموائد، ولأنه لم يسع إلى منصب ولم يفكّر في مكانة، وهو لا ينافس أحد فقد كان الجميع يريدونه، حين وإن كانوا يريدون خصومته، لأنهم يريدون أن يكون إلى صفهم، وهو إلى صف نفسه يسخر من الحياة والزيف ويتعقّب السأم والرتابة، بالمقالب والسخرية.يمتلك خضير ميري حافظة هائلة، فهو يقرأ ويردّد أحياناً مع نفسه ويكون أقرب إلى التهجّي وبعدها تشعر وكأنه حفظ جملة أو قام بتوليفها عند نسيانه، ولأن جزءًا كبيراً من ثقافته سمعية، وشفاهية، وهو ما يبدو في مرحلتها الأولى، فقد انطبعت الحروف والكلمات في ذهنه من خلال الأذن، وإذا كان السيد المسيح قد قال في “البدء كانت الكلمة”، “فأول الفلسفة سؤال”، وهذا يعني الانتقال من النطق إلى الأذن، والأذن حسب فيورباخ الذي كان حسيّاً هي الأولى، التي تنقل من اللسان إلى الدماغ، وهذا هو الذي يصدر الأوامر، وبالتالي يكوّن المنظومة السلوكية للإنسان ومعه القلب، وهكذا كانت ثقافته. وحين يكتب يسترسل، وأحياناً بدون توقّف وبجمل طويلة، وكأنه يستكمل موضوعاً برأسه، الأمر الذي يحتاج إلى إعادة صياغة وتقطيع للجمل ووضع الفوارز وعلامات التعجب والاستفهام، وتلك هي دالاّت على المعنى والمضمون، بقدر ما هي جماليات للكتابة وتناسق وهارموني في المبنى والشكل.ولهذا ابتُدِعَ في الغرب وظيفة خاصة بالتحرير، فحتى كبار المؤلفين، هناك يوجد من يحرّر لهم ويقوم بوضع اللمسات الأخيرة في كتبهم وكتاباتهم وأعمالهم.أحياناً يوحي خضير ميري لمستمعه، وهو محدث لبق ومعلّق وناقد في المؤتمرات والندوات ومقدّم لبرنامج وإدارة جلسات، ما تختلط فيه الحقيقة والاختلاق، وما يتداخل فيه الجد والهزل، والوقار والفكاهة. وكان بحق المغرّد الصدّاح في المجالس الأدبية والفكرية والثقافية وبجلسات السمر، خصوصاً إذا لا يوجد هناك من يناكفه ويحاول إطفاؤه.
خضير ميري وأيام العسل والجنون
عاكسته مرّة حول السجن والجنون بالقول: أتراك كنت تقلّد بطل فيلم نسيت اسمه؟ لرجل ضاقت به سبل العيش وأضناه البحث عن عمل في الأزمة الاقتصادية العالمية في الثلاثينات، فقرّر دخول السجن والقيام بعمل غير مشروع، فيلقى عليه القبض متلبساً بجريمة، لتكون مسوّغاً له للحصول على المأوى والمأكل وفق مبادئ المساواة.
أخذ بطل الفيلم السيارة من سائق ووجهها نحو زجاج متجر هاروتز الشهير في حي نايتسبريدج Knightsbridge في لندن، لكن الزجاج لم ينكسر، فلم يغادر المكان ولم يهرب وظل بانتظار وصول الشرطة لإلقاء القبض عليه، ولكنه فوجئ بالمدير يشدّ على يده، ويقدّم له الشكر وسط استغراب مثير، مع تعليق ظريف من مدير المتجر الذي خاطبه: شكراً، لقد أنقذت المتجر من الغش لأنه أراد أن يجرب هل يمكن كسر زجاج المتجر الجديد ولم تكن لديه وسيلة لذلك، حتى جاءت صدمة السيارة لصاحب الحظ العاثر. أكانت تلك بالنسبة لخضير ميري بالفعل أيام العسل والجنون أم ماذا؟. جدير بالذكر أن المتجر امتلكه المصري محمد الفايد العام 1983 الذي قتل ابنه دودي الفايد مع خطيبته الأمير ديانا والدة الاميرين ويليام وهاري من زوجها جارلس.قال لي: يا رجل أتنكر عليّ فعل الجنون؟ هذه التجربة ساعدتني على الانتشار والدعاية لنفسي وما زلت أعتاش عليها، ثم أردف بالقول: إن العقل العربي هو أقرب إلى الجنون، لكن جنوني جنون أبيض، في حين أن هناك جنوناً أسود متوحشاً وقاسياً. استذكرت هنا كتاب ميشيل فوكو ” تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي” الذي صدر في العام 1961 وفيه انتصار للجنون والمجانين، وكتاب ممدوح عدوان “مقدمات دفاعاً عن الجنون”.يقول ممدوح عدوان :” نحن أمة خالية من المجانين الحقيقيين . وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكرّرة … ومملّة ” ثم يدافع عن الجنون والحاجة إليه بقوله :” نحن في حاجة إلى الجنون لكشف زيف التعقّل والجبن واللاّمبالاة ، فالجميع راضخون ينفعلون بالمقاييس المتاحة .. ويفرحون بالمقاييس المتاحة .. يضحكون بالمقاييس المتاحة .. ويبكون ويغضبون بالمقاييس المتاحة… لذلك ينهزمون بالمقاييس كلّها ولا ينتصرون أبدا. ” ولعل ذلك يذكّر بأسطورة الملك العاري الذي طلب ممن حوله امتداح ثيابه فأطنبوا وحين خرج إلى الناس صرخ طفل ولكنه عارٍ.. عارٍ تماماً، ولو كان الطفل كبيراً لاتهم بالجنون.. “كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.


















