خريجو خراطيم المياه الحارة – ياس خضير البياتي

543

شهق الناس

خريجو خراطيم المياه الحارة – ياس خضير البياتي

ربما يكون العنوان غريبا وصادما للبعض، لأنه يحمل من التهكم والسخرية ما لا يطيقه المزاج العراقي المثقل بالنكبات والاحزان، لكنه يحمل من الاحزان ما يمزق القلب ويدميه، لأننا نتحدث عن شباب الوطن الذين سحقتهم رموز اللصوصية والجهل، وجعلتهم يبحثون عن ابرة العيش في كومة القش، والبحث عن النور بطريقة يمكن تشبيهها بمن يحفر في الصخر في واقع بات لا يعبأ بأحلام الشباب، حياة وتعليما وتوظيفا ومستقبلا، فبدلا ما نجدهم في وظائف الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات الابتكار وشركات المستقبل ،فأننا نراهم بالآلاف في مقاهي الوطن يقضون معظم عمرهم ،ويتسكعون في الشوارع الخلفية لابتكار الجريمة ،وصنع الوظائف المحرمة والمنحرفة ،بل ان شوارع وطن الشباب تغرق بهم في مهن لا يستحقونها كباعة شاي وكباب ونفط مهرب ، وبسطات بأنواعها خاضعة للابتزاز والملاحقات ،رغم فقرهم وشهاداتهم الجامعية والعليا. أمس شاهدت على الشرقية صورة مفزعة وصادمة لشباب نينوى، ينتظرون سيارات القمامة من اجل الحصول على لقمة العيش من خلال جمع النفايات الصلبة وبيعها للشركات والافراد بحفنة دنانير لا تساوي وجبة طعام في مطعم شعبي، مثلما شاهدت في قناة أخرى شباباً انهوا الدراسات العليا وهم يعملون باعة فواكه وخضروات والكل يشهق (عمي وطن احنا ما عندنا .والله ما عندنا وطن ) بينما شباب الخليج ينتظرون الطائرات العملاقة لنقلهم الى بلدان اوربا للنزهة والراحة والاستجمام، ويتمتعون بفرص عمل تناسب شهاداتهم وخبراتهم، ويعيشون حياة كريمة تليق بالبشر.وهناك دول تفاجئك يوميا بصنع الابتكار والعالمية ،وترفع من رختر الابداع والتميز والتفوق  الى حد الزهو والافتخار ، ولم تفتخر بإنجازاتها العالمية على الأرض ،انما اختارت الأصعب من الإنجاز في الفضاء ، ووضعت إنجازاتها عنوانه الشباب ،فها هو هزاع المنصوري الشاب الاماراتي يحلق في السماء ليبتكر لوطنه تاريخا جديدا يليق بها . بينما شباب بلدي من حملة الشهادات العليا تنتهك كرامتهم، وتهان انسانيتهم بخراطيم المياه الحارة في مظاهرة احتجاج يطالبون بحقوقهم المشروعة في حق العيش والتعيين.  مثل هذا الأمر، سيتكرر كثيراً في قادم السنوات ،لان البلد اصبح مصنعا للازمات المزمنة ،والشباب هم الضحية الأولى ،لان منظومة السياسة والتعليم منظومات بدائية ومتهالكة ،وتحتاج الى رؤية عميقة تخرج من هذه الفوضى الخلاقة ، وهذا التهديم المبرمح للتعليم من خلال توسيع الجامعات وبرامجها التقليدية ، ومخرجاتها التي لاتتناسب  مع سوق العمل الحديث ،وهذه التجارة الرائجة في تناسل الجامعات الخاصة ،والأخطر هذه الموجة التوسانمية االمرعبة للدراسات العليا التي أصبحت لامعنى لها في ظل ( الاسهال ) العلمي ،والاستسهال المثير في موضوعات البحوث التي تنطق بالتكرار الممل من خارج تغطية الزمن المجهول ، والاستنساخ المنهجي التقليدي ،والاشراف لمن لايفقه باصول البحث ،وربما لم يكتب في حياته بحثا اصيلا .

تطورات تكنولوجية

ومن يتابع التطورات التكنولوجية، سيعلم أن الكثير من التخصصات المستقبلية ستتجه نحو الرقمنة، و(من الواجب على جامعاتنا أن تستعد لهذه المرحلة، بأن تجد لنا تخصصات دراسية تجمع بين الطب والتكنولوجيا، تجمع بين الإحصاء والمحاسبة، بين البرمجة والكثير من المجالات، بين الأمن والأمن السيبراني، بين السياسة والتحليل الرقمي، بين الإعلام ومنصات إنتاج الأخبار الرقمية). انظروا كيف يتم تدمير مستقبل الشباب  من خلال هذه الجامعات ومخرجاتها ،هي ازمة مخرجات لاتناسب سوق العمل ،وأزمة اعداد غفيرة لايمكن لاي دولة في العالم استيعابهم ، وسوء تخطيط في اختيار التخصصات العلمية من الاهم الى المهم الى الأقل اهمية ،مع الاخذ بالحسبان جدوى دراسة الطالب ،وخيارات العمل المطلوب ،وإعطاء الأهمية للتخصصات العلمية  ، وادماج العديد من التخصصات في تخصصات جديدة،لأن وظائف المستقبل معقدة ومتغيرة  ومتداخلة مع بعضها ،هي اشبه بالوظائف الهجينية التي يطلق عليها البعض في سوق العمل، أي مستحدثة من شيئين مختلفين، وبما أن الوظائف أصبحت هجينة، إذن، وجب على التخصصات الجامعية أن تكون هجينة، وعلى المنظومة التعليمية أن تُغير من جلدتها سريعاً،.و تواكب التطورات المستحدثة في سوق العمل. ما يحدث اليوم ان خريج الجامعة عندنا ، بسبب العطل والاجازات الدينية والوطنية ،والتساهل في الدراسة ،وامراض الأحزاب وتدخلاتهم في الشأن التعليمي ، والرشاوى والقبلية ، بدأت تنخر بالمؤسسة العلمية ، وتخرج لنا خريجا جاهلا في تخصصه .وقد صدمت حقا ان خريج كلية هندسة في جامعة عراقية عريقة لايستطيع ان يملئ استمارة بسيطة باللغة الإنكليزية في تقديمه لشركة في دبي ،بل شعرت بالخجل امام الصديق العربي المسؤول الذي كان كان يحدثني بأن الاهل أيام زمان كانوا يفتخرون امام الأصدقاء بأن ابنهم يدرس في جامعة عراقية !

دراسات عليا

وهكذا هو حال الدراسات العليا أيضا التي اصبح خريجوها يعانون ارهاصاتها العديدة ،تتمثل في حالة انحدار الشهادة العلمية ،وعدم احترامها ،بل أصبحت موضع تندر من الجميع  لموضوعاتها المستهلكة والغريبة ، كأنه تناسل بفعل ولادات قيصرية ،تتمخض عنها مواليد مشوهة تنتظر العلاج! ما الذي يحدث في وطن الرافدين الغارق بالنفط والفقر والمجاعة والبطالة، ومالذي  يجري اليوم عندما تتهدم تقاليد الجامعات العلمية ،ويتهدم معها العقل العلمي للشباب المظلوم بهذا الواقع المزري الذي لايجد فيه فرصة العمل بسبب انهيار المنظومة التعليمية والتربوية ،وفساد المنظومة السياسية ،وعدم اكتراثها بمستقبل الجيل الجديد ، إضافة على عدم قدرته الحصول على العمل في الخارج بسبب المعايير والمتطلبات الواردة في أي إعلان وظيفة،التي تفوق قدراتهم بمراحل، وبعيدة كل البعد عن تخصصاتهم. فأكاد أجزم أن أبسط بسيط بات اليوم على علم بالكثير من المجريات التي تدور في تعليم الجهل،ويعرف ان الدولة غير قادرة على مواجهة إعصار الخريجيين ،وليس لها حل الا ابتكار اختصاص جديد هو خراطيم المياه الحارة ،وادخاله كتخصص نادر في جامعتنا لمواجهة تحديات المستقبل المظلم الذي ينتظر شباب العراق .

يا له من اختراع مبتكر وفعال لو كانت هذه الخراطيم موجهة على لصوص السياسة ومخترعي الجهل وصناع الازمات !

ياله من حلم جميل !

مشاركة