خراب

1774

خراب

عبد المنعم حمندي

كانت الشمسُ أبهى

وقلبُ المدينة عُرسًا

من الحلم هانئةً .

وقلوبُ بنيها على الصبر

محفوفة بالتراتيل

ترنو إلى نجمةٍ وهلال  !

الشوارعُ مزهوةٌ بالجسور

على الضفّتينِ هديرٌ من الحب يجري،

وفي كل سوق لنا كرنفال

وعلى غفلةٍ داهمتنا الرزايا..

 برابرةٌ..

والمطاريد نمرٌ وفي كل سهلٍ غزال

أدرك النهر معنى الهزيمة

من قبل أن تضحك القبّرات

إنهم يزحفون ..

برابرةٌ وغزاة

سمموا قمح أيامنا، بالخرافات والترهات

دمروا حلمنا..

خلطوا دمنا بالحليب

 الذي جفّ في المرضعات

تزحف الخنفساء ..

والأفاعي تفحّ  .. وما من حليمٍ

يميز بين السموم وبين الهواء

 كل شيء هباء

….

رؤوسٌ مدببةُ وعمائمُ من قينقاع

تهشُّ القطيع اذا ما دعتهُ ..

وتغزو المدينة ليلاً بسطو الرعاع

سكاكينُ مغروسةٌ في الخصور

وفي الغدر طبع الضباع

ننام بعينين مفتوحتين

وفي الدود نارٌ

وفأسٌ تهدّم كل القلاع

….

يزحفون على سرة الأرض فوق الجفون

و يذرّون رملأ ونملاَ بدمع العيون

فكيف نداوي الرمد ؟

زرقةُ البحر ترغو وليسَ سواه  الزبد

…..

يزحفون على صدر   أمي!

على فجرها السومري..

 اذا ما صحوتُ من الخوف ..

هذي الطفولة حلمٌ وسحرٌ

فلم يبق حبلٌ لنشر الغسيل

واذا ما نظرتُ الى الغيم يوما

وعرّش فوق الرؤوس النخيل

وتمدد في العشب صبرٌ جميل

أكتفي بالأسى

وأكفكف دمعي ..

عساي أبلّسمُ جرحي  بضوءٍ نحيل

…..

 فقدت التأمل في الأفق

هذي العصافير ترقب ظلي

ونعش انتظاري

وفي الريح نايٌ وصوتٌ حزين

 فيشعل برقاً

كما الشوق حين يلملم  أشواظه بالحنين

….

استبد البلاء ..

وما من رجاء

 فكان الغمام بلون الثكالى

وفي كل فجر سواد

لماذا اطاردُ ظلي

 وخلفيَ نزفي ونهر رماد ؟

اجوبُ الشوارع وحدي غريباً ..

واهلي بعيدون..

علّي أراها، مدينة حبي، وعمري

وما من مجيب ،

سواها  الخرائب تندبُ ليل البلاد..

نخلةٌ لا تموتْ

حيدر الخفاجي

 ما جئتُ انشدُكمْ قصيدةْ

و أقولُ شِعراً فيهِ قافيةٌ جديدةْ

لكنْ أنا مندوبُ جِسرٍ

تحتهُ شقَّ الفراتُ ضفافَهُ حزناً

و دجلةَ قربَهُ يبكي الفقيدةْ

انني مندوبُ  شعبٍ عاشقٍ

متشردٍ في اخرِ الدنيا البعيدة

مَنْ ماتَ ماتَ و مَنْ بقي

ستراهُ في الطرقات منتظرا بريدَه

ماتتْ لميعةُ كالنخيلِ شموخُها

فكأنّها كلُّ العراقِ

تراهُ بامرأةٍ وحيدة

ماتتْ فعاندتِ الغيابَ

فلم تَمُتْ

هو ديدنُ المَلِكاتِ

عاشقةٌ

عنيدة

لو أنبَأها العرّافُ

بأنَّ الموتَ يلاقيها

في ارضِ الغربةِ

لا بغدادْ

لَرَمَتْ في دجلةَ عينيها

و اختارتْ قاعَ البحرِ لها

سكناً

وبلادْ

لو أنبأَها العرافُ بأنَّ الموتَ

يجيءُ الى الشعراءِ بلا استئذانْ

لَآنتَبَذَتْ ركناً في المنفى

يشبهُ بيتاً في ميسانْ

لو أنبَأنا العَرّافُ بأنّا سوف نموتْ

في ارضٍ اخرى

دونَ نخيلٍ

لحَمَلنا مَعَنا سعفاً و جذوعاً

نصنعُ في المَنفى تابوتْ

أيدري الموتُ ما جَمْرُ  المآقي

وقدْ نزَفَتْ على بنتِ العراقِ

و هل يدري بمَنْ ماتوا بعيداً

عنِ الاوطانِ مِنْ حمّى الفراقِ

فكمْ نزفوا حنيناً في الليالي

وكمْ تاقوا الى يومِ التلاقي

و كمْ حلِموا باهلٍ بانتظارٍ

وجيرانٍ و لثمٍ او عناقِ

فلا عادوا و لا لَثموا تراباً

و ذابَتْ روحُهُمْ فرطَ احتراقِ

لميعةُ اهِ كمْ انشدتِ شعراً

وكمْ هيَّجتِ في المنفى آشتياقي

بكاك النخلُ في ميسانَ حتى

كأنْ لَمْ يبْقَ في الاحداقِ باقي

بكتكِ الخيلُ يا مُهْراً اصيلاً

ويا مَنْ توجَّتْ كلَّ العتاقِ

لميعةُ لمعةٌ مِنْ وجهِ بدرٍ

وقلبٌ أبيضٌ لونَ البُراقِ

لميعةُ لمْ تَمُتْ لكِنْ كبدرٍ

سيظهرُ دائماً بعدَ المُحاقِ

مشاركة