خديعة التمدن.. الخيمة تبتلع أطلال الدولة – عدنان أبوزيد

 

بينما‭ ‬تنشغل‭ ‬الماكينات‭ ‬الإعلامية‭ ‬بضجيج‭ “‬المؤسساتية‭” ‬الكاذب‭ ‬وتزويق‭ ‬وجه‭ ‬السلطة‭ ‬بمساحيق‭ ‬الحداثة،‭ ‬تصفعنا‭ ‬الحقيقة‭ ‬المرة‭: ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬عصر‭ ‬الردة‭ ‬الكبرى،‭ ‬حيث‭ ‬يبتلع‭ “‬الترييف‭” ‬التحضر،‭ ‬ويحل‭ “‬قانون‭ ‬السناين‭” ‬محل‭ ‬سلطة‭ ‬القضاء‭ ‬المدني،‭ ‬حتى‭ ‬ان‭ ‬أحياء‭ ‬بغداد‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ “‬راقية‭” ‬يوميا‭ ‬تحولت‭ ‬الى‭ ‬مخيمات‭ “‬دكات‭ ‬عشائرية‭”.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يشهده‭ ‬العراق‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ “‬تنامٍ‭” ‬لدور‭ ‬اجتماعي‭ ‬طبيعي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬انقلاب‭ ‬بنيوي‭ ‬مكتمل‭ ‬الأركان‭ ‬أطاح‭ ‬بمفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬لحساب‭ ‬‭”‬مشيخات‭” ‬مستحدثة،‭ ‬ترتدي‭ ‬رداء‭ ‬السياسة‭ ‬فوق‭ ‬عباءة‭ ‬القبيلة‭ ‬والتدين‭ ‬المزيف،‭ ‬لتؤسس‭ ‬لنموذج‭ ‬مشوه‭ ‬من‭ ‬النفوذ‭ ‬يتغذى‭ ‬على‭ ‬أنقاض‭ ‬القانون‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬سقطت‭ ‬الأقنعة‭ ‬وتعرّت‭ ‬النخب؛‭ ‬فالمثقف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُفترض‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حارس‭ ‬التنوير،‭ ‬استحال‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ “‬منظر‭ ‬قبلي‭” ‬يسبّح‭ ‬بحمد‭ ‬العشيرة‭ ‬طلباً‭ ‬للحماية‭ ‬أو‭ ‬النفوذ‭. ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬يتبجح‭ ‬بالديمقراطية‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية،‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬حقيقته‭ ‬سوى‭ “‬شيخ‭ ‬فخذ‭” ‬يشتري‭ ‬الولاءات‭ ‬عبر‭ ‬الوساطات‭ ‬والتعيينات،‭ ‬محولاً‭ ‬دوائر‭ ‬الدولة‭ ‬الرسمية‭ ‬إلى‭ ‬إقطاعيات‭ ‬عائلية‭ ‬ضيقة‭ ‬تُدار‭ ‬بعقلية‭ ‬المحسوبية‭ ‬لا‭ ‬الكفاءة‭.‬

‭ ‬إن‭ “‬ترييف‭ ‬المدن‭” ‬الممنهج‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬من‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نتاج‭ “‬زواج‭ ‬مسيار‭” ‬مشبوه‭ ‬بين‭ ‬سلطة‭ ‬ضعيفة‭ ‬تستجدي‭ ‬الأمن‭ ‬من‭ ‬شيوخ‭ ‬العشائر،‭ ‬وعشائر‭ ‬استمرأت‭ ‬دور‭ ‬البديل‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭.‬

لقد‭ ‬وصل‭ ‬التغول‭ ‬حد‭ ‬التأثير‭ ‬على‭ ‬مشاريع‭ ‬الري‭ ‬الكبرى،‭ ‬و‭ ‬ضخ‭ ‬النفط،‭ ‬والتحكم‭ ‬بمصائر‭ ‬الثروات‭ ‬الوطنية،‭ ‬بل‭ ‬والنزاع‭ ‬الدموي‭ ‬على‭ “‬غنائم‭” ‬من‭ ‬ممتلكات‭ ‬الدولة‭ ‬واموالها،‭ ‬في‭ ‬وضح‭ ‬النهار،‭ ‬وسط‭ ‬عجزٍ‭ ‬مخجل‭ ‬للأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تلعب‭ ‬دور‭ “‬الوسيط‭” ‬الذليل‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ “‬المنفذ‭” ‬الصارم‭ ‬للقانون‭.‬

‭ ‬

أين‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة‭ ‬حين‭ ‬يضطر‭ ‬حامل‭ ‬شهادة‭ ‬القانون‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬لـ‭ “‬الفريضة‭” ‬العشائرية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المحاكم؟‭ ‬وأين‭ ‬المؤسساتية‭ ‬حين‭ ‬تُستحدث‭ “‬وزارات‭ ‬للعشائر‭” ‬لتكريس‭ ‬الانقسام‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬صهر‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬المواطنة؟‭.‬

  ‬إننا‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬سريالي‭ ‬مرعب‭: ‬مكاتب‭ ‬فخمة‭ ‬مجهزة‭ ‬بأحدث‭ ‬التقنيات،‭ ‬يقابلها‭ ‬عقلٌ‭ ‬جمعي‭ ‬يلوذ‭ ‬بالخيمة‭ ‬عند‭ ‬كل‭ ‬منعطف‭.‬

لقد‭ ‬انحسر‭ ‬الفكر‭ ‬المدني‭ ‬واليساري،‭ ‬وصار‭ “‬المثقف‭ ‬العشائري‭ ‬والمذهبي‭” ‬هو‭ ‬سيد‭ ‬الموقف‭ ‬وقائد‭ ‬المرحلة‭.‬

إنها‭ ‬الحقيقة‭ ‬التي‭ ‬يخشى‭ ‬الكثيرون‭ ‬النطق‭ ‬بها‭: ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬لا‭ ‬تحكم،‭ ‬بل‭ “‬تساوم‭”‬،‭ ‬وإذا‭ ‬استمر‭ ‬هذا‭ ‬الارتماء‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬العرف‭ ‬القبلي،‭ ‬فسلامٌ‭ ‬على‭ ‬وطنٍ‭ ‬أضاع‭ ‬بوصلة‭ ‬العصر،‭ ‬ليعود‭ ‬طوعاً‭ ‬إلى‭ ‬ظلام‭ ‬عصور‭ “‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭”.‬