
بينما تنشغل الماكينات الإعلامية بضجيج “المؤسساتية” الكاذب وتزويق وجه السلطة بمساحيق الحداثة، تصفعنا الحقيقة المرة: نحن نعيش عصر الردة الكبرى، حيث يبتلع “الترييف” التحضر، ويحل “قانون السناين” محل سلطة القضاء المدني، حتى ان أحياء بغداد التي كانت “راقية” يوميا تحولت الى مخيمات “دكات عشائرية”.
إن ما يشهده العراق اليوم ليس مجرد “تنامٍ” لدور اجتماعي طبيعي، بل هو انقلاب بنيوي مكتمل الأركان أطاح بمفهوم الدولة الحديثة لحساب ”مشيخات” مستحدثة، ترتدي رداء السياسة فوق عباءة القبيلة والتدين المزيف، لتؤسس لنموذج مشوه من النفوذ يتغذى على أنقاض القانون.
لقد سقطت الأقنعة وتعرّت النخب؛ فالمثقف الذي كان يُفترض به أن يكون حارس التنوير، استحال في كثير من الأحيان إلى “منظر قبلي” يسبّح بحمد العشيرة طلباً للحماية أو النفوذ. والسياسي الذي يتبجح بالديمقراطية في المحافل الدولية، ليس في حقيقته سوى “شيخ فخذ” يشتري الولاءات عبر الوساطات والتعيينات، محولاً دوائر الدولة الرسمية إلى إقطاعيات عائلية ضيقة تُدار بعقلية المحسوبية لا الكفاءة.
إن “ترييف المدن” الممنهج لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج “زواج مسيار” مشبوه بين سلطة ضعيفة تستجدي الأمن من شيوخ العشائر، وعشائر استمرأت دور البديل عن الدولة.
لقد وصل التغول حد التأثير على مشاريع الري الكبرى، و ضخ النفط، والتحكم بمصائر الثروات الوطنية، بل والنزاع الدموي على “غنائم” من ممتلكات الدولة واموالها، في وضح النهار، وسط عجزٍ مخجل للأجهزة الأمنية التي باتت تلعب دور “الوسيط” الذليل بدلاً من “المنفذ” الصارم للقانون.
أين هيبة الدولة حين يضطر حامل شهادة القانون إلى اللجوء لـ “الفريضة” العشائرية بدلاً من المحاكم؟ وأين المؤسساتية حين تُستحدث “وزارات للعشائر” لتكريس الانقسام بدلاً من صهر المجتمع في بوتقة المواطنة؟.
إننا أمام مشهد سريالي مرعب: مكاتب فخمة مجهزة بأحدث التقنيات، يقابلها عقلٌ جمعي يلوذ بالخيمة عند كل منعطف.
لقد انحسر الفكر المدني واليساري، وصار “المثقف العشائري والمذهبي” هو سيد الموقف وقائد المرحلة.
إنها الحقيقة التي يخشى الكثيرون النطق بها: الدولة في العراق لا تحكم، بل “تساوم”، وإذا استمر هذا الارتماء في أحضان العرف القبلي، فسلامٌ على وطنٍ أضاع بوصلة العصر، ليعود طوعاً إلى ظلام عصور “ما قبل الدولة”.


















