خدري الجاي خدري – ضرغام الدباغ

خدري الجاي خدري – ضرغام الدباغ

حدث أن أقام بقربي في السجن، شخص محترم، شغل لفترة طويلة وأكتسب بها خبرة، متخصصاً كمدير فرع الشاي بشركة المبايعات الحكومية، وكان يسافر إلى سيلان(سريلانكا) عدة مرات في السنة، ومنه علمت أن الشاي هو عبارة خلطة (وهي من أسرار صناعة وتسويق الشاي)، تتراوح بين عنصرين : اللون والطعم، واكتشاف نقطة التوازن المطلوب بين اللون والطعم والرائحة ليست مسألة سهلة، والشاي وإن يزرع في دول عديدة، إلا أن الشاي السيلاني مشهور بجودته، ومن غير المعروف للناس، أن الشركات العملاقة البريطانية خاصة (نبتون) تهيمن على قطاع واسع من زراعة وتجارة الشاي العالمية. وقد زرت مزارع شاي، رائعة في تنسيقها ودقة العمل، الا أن الشاي الذي تنتجه لا يشتغل برأسي العراقي، ولنتذكر المثل المعروف : لولا تباين الأذواق لبارت السلع في الأسواق «.

أود أن أشير هنا إلى تقليد شرب الشاي في العراق، بحيث أن العراقيين في الخارج، يبحثون بلهفة على المقهى الذي يقدم الشاي الغامق اللذيذ، وإن وجدوه استقروا في تلك المقهى. وصارت مقهاهم المفضل، هذا يحدث في عمان ودمشق وبيروت، والقاهرة، وإسطنبول. وأصحاب المقاهي يعلمون بعشق العراقيين للشاي الغامق.

والشاي (وهي كلمة صينية الجذر) شكله وطعمه ولونه، وطريقة تناوله (بالاستكان) صارت (Motivation)/ موضوعة، لعشرات الصور واللوحات الفنية العراقية، كما أن جلسة العصر، ومعها (الكليجة)، هي من مستلزمات البيت والحياة البغدادية والعراقية. وأعتقد أن الشاي دخل البلاد العربية في القرن السادس عشر أو  نحو  ذلك، في وقت متقارب مع دخوله القارة الأوربية (1610) على يد البرتغاليين.

وشعوب العالم تنقسم تقريباً إلى قسمين:

  • شعوب تفضل الشاي، ووضعت له تقاليد وثقافة وهي على الأرجح الشعوب الشرقية. وبعض الأوربيين كالهولنديين والبرتغال، ثم لحق بهم الإنكليز، بسبب حملاتهم الاستعمارية المبكرة في آسيا. • شعوب اتجهت للقهوة، وموطنه الأساسي القديم هو الهضبة الأثيوبية وما إلى جوارها، وجبال اليمن. ومنها انتشرت تجارة القهوة لمصر وشبه الجزيرة إلى كافة أقطار المشرق العربي، ومنها إلى إيطاليا فأوربا. وهذا لم يتم قبل القرن الخامس عشر. منها انتشرت زراعتها إلى أميركا الجنوبية(البرازيل وأرجاءها). بحيث أن الشركات الأمريكية الجنوبية يروجون لأصناف القهوة من إنتاجهم (القهوة العربية / cafe arabica).

اسيوية الشاي

الشاي القادم انتشر في آسيا، بل وزرع حتى في تركيا، وروسيا (القرم) لتكرس آسيوية الشاي بشدة، ولكن دون أن تقضي على القهوة، التي تقلصت ثقافتها، قياسا إلى الشاي، واقتصرت على تقليد تناولها قبل الفطور في سورية ولبنان ومصر، وجزئيا العراق. مقابل ثقافة تجذرت في هذه البلدان لصالح الشاي، الذي حل كقاعدة ومؤشر لفترة العصر، وغالباً في على هيئة اجتماع عائلي، ويقدم فيه (الكليجة) وصارت البيوت تتفنن بصنعه بالجوز والتمر، وتطيبه بالهيل، وصارت له تقاليد أن يحضر على مدفأة، أو طباخ صغير (جولة) وتتولى السيدة الأكبر سناً في العائلة تحضيره.

ومن أصول الشاي العراقي، أن يكون ذا نوعية جيدة غامق اللون على الأرجح، وله رائحة طيبة، كأن يوضع في الشاي حبة هيل، أو أوراق نعنع شاي يحرص العراقيون على زرعه في بيوتهم وأن يكون بمتناول اليد. ويوضع الشاي اليابس في الماء بدرجة الغليان، وتخفف الحرارة على القوري (الكتلي/ كلمة عراقية مشتقة من الإنكليزية ــ كيتل)، ويستحسن أن يغطى بغطاء، ويترك لبضعة دقائق وتسمى (التخدير) ويتناول العراقيون الشاب بقدح خاص يسمى الاستكان. شخصياً لم أكن أعلم ، أو بالأحرى لم أكن أقدر الظاهرة حق قدرها، إلا في الغربة، حيث لاحظت أن المزاج العراقي متحد في هذه المسألة، وطافت بي الذكرى إلى الاغنية الشهيرة « خدري الشاي خدري … عيوني ألمن أخدره «  شيئ آخر يثير الدهشة، وهو كثرة الصور واللوحات التي لها موضوعات(Motivation)  رئيسي مشنرك وهو « تخدير الشاي» لا أبالغ إن قلت لدي فولدر كامل تحت عنوان « خدري الشاي»  عشرات الصور واللوحات .. بالطبع إلى جانب موضوعات أخرى، منها «كهوة الطرف» « العربانة ــ الربل» التي سيحرم الجيل القادم من رؤيتها. «و(موكب العرس)،  و «الشناشيل» وبالطبع دائماً رمز « السبع عيون «، وأخرى كثيرة … تمتلئ بهم الخزانة العراقية من المشتركات الكامنة في الوجدان،  يندر أن يمر يوم لا تنوح فيه ذاكرتي، وأرتجف شوقاً لبغداد .