خافوا التاريخ

407

الشاعر اللبناني صلاح ستيتيه:

خافوا التاريخ

شكيب كاظم

بغداد

لقد سمعت الكثير، عن الكاتب والشاعر والدبلوماسي اللبناني صلاح ستيتيه، كما قرأت عنه كثيرا، لكني لم اقرأ شيئا من نتاجاته – للاسف- هذا الاديب المولود  في بيروت سنة 1929، كان ابنا لشاعر لبناني، – كذلك- وكثيرا ما شاهد هذا الطفل الذكي، زوار ابيه من الشعراء، امثال شبلي ملاط والشاعر العراقي  البدوي – كما  شصفه – احمد الصافي النجفي، الذين كانوا يتحدثون بلغة جميلة، لا يفقه لها معنى وهو الطفل، لكنها تلذ له ويطرب لها.

ولعل السبب في اني لم احظ بقراءة  شيء مما كتب ان هذا الاديب الفرانكفوني يكتب بالفرنسية، مع ان له كتابات بالعربية، ولقد سعدت حقا وانا اسمع اللقاء الاذاعي، الذي اجرته معه الاذاعة المحاورة المثقفة (كابي لطيف) وبثته اذاعة مونت كارلو عند السابعة من مساء السبت 20/ من ايلول / 2014 هذه الاذاعة التي ظلت سلوانا الوحيدة، بعد ان احتجب القسم العربي بهيئة الاذاعة البريطانية B.B.C، عن اسماعنا على موجة الاف . ام المسموعة في وطننا العربي واعني بذلك العراق ومنذ شهر حزيران/ 2014، راجين منها بثها للعراق ومدنه  وصدر سعادتي، ان اذاعة مونت كارلو، قدمت لنا حوارا ثقافيا معرفيا جميلا لمناسبة صدور مذكرات هذا الشاعر اللبناني  المهم والمفكر، التي تؤرخ لسبعين سنة من حياته وسمها بـ(حفلة جنون) صدرت بالفرنسية عن احدى دور النشر الباريسية – وتقع في ثماني مئة صفحة باللغة الفرنسية، وصفة الفرانكفونية تطلق على الكاتبين بالفرنسية من غير الفرنسيين وتمنح لهم جوائز مهمة منها الكونكور. لقد تحدث عن الفوضى الاخلاقية التي ضربت العالم، ولا منجاة لاحد منها، وان على العالم ان يكتشف طريقة للعودة الى الثقافة الانسانية، والتعاليم الاخلاقية كي ينجو فالناس ذهبوا الى الشيطان وتركوا تعاليم الله.

وكانت فلسطين جرح صلاح ستيتية، ودافع عن شعب فلسطين الذي انتزعت منه ارضه وطرد وشرد، دفاعا باسلا، حتى اذا اشتعلت الحرب الاهلية اللبنانية ربيع سنة 1975، وجه اهتمامه نحو بلده، الذي سماه (بلد حريقة) والذي تركه العالم يحترق على مدى نحو عقدين من الزمن، معيدا سبب هذا الاهمال، كون لبنان  بلدا غير نفطي، ولو كان نفطيا لهرع العالم لنجدته، فالعالم يركض نحو مصالحه المادية. واذ تسأله المحاورة كابي لطيف عن سر فشل العرب بالسياسة والوحدة، يقول: هذا سر ولست افهم هذا الخذلان، مع ان العرب اصحاب حضارة، وقادوا العالم لقرون وتشهد الاندلس بحضارتهم، وكان لهم دور مؤثر في تطور العالم، ويرى ان ما يمر به الوطن العربي من حرائق ومنذ 2011 عصي على التفسير وما مروا به منذ الاف السنين. يرى الشاعر والمفكر صلاح ستيتيه، ان اكتشاف النفط، قدم للعرب اموالا طائلة، لكنه اضاع شخصية العرب، لذا تراهم يعيشون تمزقا مؤلما، وليس لهم توجه موحد، او ارادة موحدة، ولعل ستيتية في ارائه هذه يتناغم مع اراء الروائي العربي الكبير  الدكتور عبد الرحمن منيف في روايته (مدن الملح) ولعله اراد بالملح، النفط! يقول صلاح ستيتيه : لقد سعيت الى حوار مع هذا العالم المعذب والمعذب في ان معا، ولكني رايت في اقواله ما يشبه الاعتقاد بالتناسخ، تناسخ الارواح، فهو يرى ان الطبيعة التي شاءت ان اكون، هي التي تشاء في النهاية  ان لا اكون، وان النفس الذي يحيينا هو النفس الذي سيذهب الى غيرنا بعد ان يغادرنا كي يحيا بعد ان حيينا به زمنا!

يؤمن الشاعر ستيتيه، باستمكان  الضعف الانساني، ازاء ظواهر الطبيعة ، فالانسان ليست له امكانية السيطرة على اي من  ظواهرها).

وان هذه الظواهر هي التي تفرض  ارادتها عليه، وليس هو الذي يفرض ارادته عليها مما يؤكد انه مؤمن بالنظرية الجبرية القدرية، وان الانسان – في رأيه- مجير غير مسير.

واذ يسال عن اكثر ما يخشاه مغادرا الدنيا، والمغادرة قدر مقدور، يجيب ان اخشى ما يخشاه، مغادرة من يحب، ومغادرة الذكريات، ذكرياته حلوها ومرها، وارى  انه الحلو من هذه الذكريات . فالموت حلم طويل.

واخيرا يوجه الشاعر صلاح ستيتيه، جملة موجزة للتاريخ وللناس: خافوا التاريخ، فالتاريخ مزور، وان الشيء الاساس ان يخرج الانسان من التزوير وينتشل نفسه منه، فالدنيا بين مزور ومزور.