خاصرةُ زقاقٍ كئيب – علي السوداني

496

مكاتيب عراقية

بدا‭ ‬الزقاقُ‭ ‬الليلةَ‭ ‬موحشاً‭ ‬كئيباً‭ ‬،‭ ‬مثلَ‭ ‬وجه‭ ‬جنديٍّ‭ ‬راجعٍ‭ ‬من‭ ‬هزيمةٍ‭ ‬تكاد‭ ‬تصيح‭ .‬

في‭ ‬ذيلِ‭ ‬نشرة‭ ‬أنباء‭ ‬المزاد‭ ‬،‭ ‬غطّت‭ ‬الشاشةَ‭ ‬مذيعةٌ‭ ‬مذهلةٌ‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬تسرد‭ ‬بلغةٍ‭ ‬لذيذة‭ ‬،‭ ‬تنويعاتٍ‭ ‬خبريةٍ‭ ‬عن‭ ‬حالة‭ ‬الطقس‭ ‬وجنون‭ ‬البحر‭ ‬،‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬المطر‭ ‬المصحوب‭ ‬بزخيخِ‭ ‬حبّات‭ ‬ثلجٍ‭ ‬،‭ ‬قد‭ ‬تعزف‭ ‬على‭ ‬نافذتك‭ ‬،‭ ‬سلّةَ‭ ‬حناناتٍ‭ ‬منوّطات‭ ‬على‭ ‬سلّم‭ ‬الوجع‭ .‬

في‭ ‬كلّ‭ ‬زخّةٍ‭ ‬إلهيةٍ‭ ‬رحيمةٍ‭ ‬،‭ ‬سيخرجُ‭ ‬بدر‭ ‬شاكر‭ ‬السيّاب‭ ‬من‭ ‬قمقمهِ‭ ‬الماجد‭ ‬،‭ ‬ليطعنَ‭ ‬بقيا‭ ‬ليلك‭ ‬السخيّ‭ ‬بسؤال‭ ‬الفراق‭ ‬:

أتعلمينَ‭ ‬أيَّ‭ ‬حزنٍ‭ ‬يبعثُ‭ ‬المطر‭ ‬؟

الحقُّ‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬لاشيء‭ ‬حدث‭ ‬مما‭ ‬جاءت‭ ‬عليه‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬الرائعة‭ ‬،‭ ‬فلا‭ ‬مطر‭ ‬ولا‭ ‬برَد‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬غيمات‭ ‬قليلات‭ ‬يرقصن‭ ‬فوق‭ ‬سطح‭ ‬الدار‭ .‬

ثمة‭ ‬حاوية‭ ‬قمامة‭ ‬عرجاء‭ ‬مزروعة‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الزقاق‭ ‬،‭ ‬تتقافز‭ ‬حولها‭ ‬قطط‭ ‬الفقراء‭ ‬،‭ ‬وساعة‭ ‬يأتي‭ ‬الشاب‭ ‬الطويل‭ ‬وهو‭ ‬يدفع‭ ‬أمامه‭ ‬عربةً‭ ‬مهلهلة‭ ‬،‭ ‬فإن‭ ‬تلك‭ ‬الكائنات‭ ‬المسالمة‭ ‬،‭ ‬يقفزنَ‭ ‬بسرعة‭ ‬من‭ ‬بطن‭ ‬الحاوية‭ ‬،‭ ‬وينشتلن‭ ‬على‭ ‬سياجٍ‭ ‬واطىء‭ ‬،‭ ‬لينتجنَ‭ ‬مشاهدة‭ ‬ممتعة‭ ‬عن‭ ‬حركة‭ ‬الشاب‭ ‬،‭ ‬وهو‭ ‬يطمس‭ ‬يديه‭ ‬بأكياس‭ ‬الزبل‭ ‬،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬علبة‭ ‬ألمنيوم‭ ‬سعيدة‭ ‬،‭ ‬يراها‭ ‬الآن‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬مثقال‭ ‬ذهبٍ‭ ‬مبين‭ .‬

في‭ ‬خاصرة‭ ‬الزقاق‭ ‬،‭ ‬تنتصبُ‭ ‬أربعُ‭ ‬نخلاتٍ‭ ‬عاليات‭ ‬ثابتات‭ ‬،‭ ‬مثل‭ ‬حرس‭ ‬شرف‭ ‬عند‭ ‬جدار‭ ‬أُم‭ ‬غسّان‭ ‬،‭ ‬كانت‭ ‬الناس‭ ‬الحالمة‭ ‬قد‭ ‬هززت‭ ‬جذوعهنَّ‭ ‬القاسيات‭ ‬،‭ ‬لكنّهنّ‭ ‬لم‭ ‬يُنزلنَ‭ ‬مثقال‭ ‬حبةٍ‭ ‬من‭ ‬رطبٍ‭ ‬ممكن‭ . ‬عندما‭ ‬تهبُّ‭ ‬الريح‭ ‬،‭ ‬فإنّ‭ ‬نخلات‭ ‬أم‭ ‬غسان‭ ‬،‭ ‬سيكوننّ‭ ‬كريمات‭ ‬مع‭ ‬الناظرين‭ ‬،‭ ‬فتتحرك‭ ‬السعفات‭ ‬مثل‭ ‬شَعرٍ‭ ‬أسود‭ ‬طويل‭ ‬،‭ ‬يرفرف‭ ‬فوق‭ ‬رأس‭ ‬فرقة‭ ‬غجرية‭ ‬بديعة‭ .‬

قبلَ‭ ‬أن‭ ‬يلفظَ‭ ‬الشارعُ‭ ‬آخرَ‭ ‬طابوقاته‭ ‬البيض‭ ‬،‭ ‬سيكون‭ ‬بمستطاعك‭ ‬رؤيةَ‭ ‬بيتٍ‭ ‬مهجورٍ‭ ‬خاوٍ‭ ‬على‭ ‬ذكرياته‭ ‬البائدات‭ . ‬يطلق‭ ‬أهل‭ ‬الحارة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البناء‭ ‬العتيق‭ ‬،‭ ‬تسميةً‭ ‬ملتبسة‭ ‬مغمسة‭ ‬بمخيال‭ ‬ألف‭ ‬ليلةٍ‭ ‬وليلة‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬بيت‭ ‬الجنّ‭ .‬

من‭ ‬أثاث‭ ‬الزقاق‭ ‬الراسخ‭ ‬،‭ ‬ثمة‭ ‬رجل‭ ‬سبعيني‭ ‬قوي‭ ‬اسمه‭ ‬أبو‭ ‬بشير‭ ‬،‭ ‬وأظنه‭ ‬كان‭ ‬قصَّ‭ ‬عليَّ‭ ‬حكاية‭ ‬البيت‭ ‬المهجور‭ ‬نحو‭ ‬مليون‭ ‬مرة‭ ‬،‭ ‬وطلب‭ ‬مني‭ ‬أن‭ ‬أنصت‭ ‬الى‭ ‬الأصوات‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬ليلاُ‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬،‭ ‬ولمّا‭ ‬رأى‭ ‬على‭ ‬وجهي‭ ‬الممصوص‭ ‬مثل‭ ‬ليمونة‭ ‬منسية‭ ‬،‭ ‬ابتسامةً‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬تالياً‭ ‬إلى‭ ‬ضحكة‭ ‬،‭ ‬سكتَ‭ ‬وأحنى‭ ‬رأسه‭ ‬بشدة‭ ‬حتى‭ ‬كاد‭ ‬حنكهُ‭ ‬يغوص‭ ‬بصدره‭ ‬الشائب‭ . ‬من‭ ‬شرفتي‭ ‬المعلّقة‭ ‬،‭ ‬أكاد‭ ‬اللحظة‭ ‬أسمع‭ ‬تثاؤب‭ ‬الشمس‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬مغطسها‭ ‬الشرقيّ‭ ‬،‭ ‬فأهبط‭ ‬ميمّماً‭ ‬وجهي‭ ‬صوب‭ ‬المخبز‭ . ‬كان‭ ‬المنظر‭ ‬مختلفاً‭ ‬تماماً‭ . ‬جدائل‭ ‬فتيات‭ ‬المدارس‭ ‬تصنع‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الطمأنينة‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬ما‭ ‬يثلم‭ ‬وجه‭ ‬البهجة‭ ‬بقوة‭ ‬سوء‭ ‬الحظ‭ .‬

ذيل‭ ‬قطةٍ‭ ‬يابس‭ ‬على‭ ‬وجهِ‭ ‬الإسفلت‭ . ‬

مشاركة