حين يصبح البيت أغلى من الام – د. فاروق الدباغ

لم‭ ‬يكن‭ ‬بيتًا‭ ‬فقط‭.‬

كان‭ ‬ضلعًا‭ ‬من‭ ‬صدرها‭.‬

كان‭ ‬صوت‭ ‬زوجها‭ ‬حين‭ ‬يعود‭ ‬متعبًا‭ ‬ويقول‭: ‬“الحمد‭ ‬لله‭ ‬الذي‭ ‬سترنا‭.‬”

كان‭ ‬رائحة‭ ‬الخبز‭ ‬عند‭ ‬الفجر،

وصوت‭ ‬الملاعق‭ ‬في‭ ‬رمضان،

وصراخ‭ ‬الأطفال‭ ‬وهم‭ ‬يتشاجرون‭ ‬على‭ ‬لعبةٍ‭ ‬واحدة‭.‬

كانت‭ ‬تقول‭ ‬دائمًا‭:‬

هذا‭ ‬البيت‭ ‬ما‭ ‬انبنى‭ ‬بالحجر‭ ‬‮…‬

انبنى‭ ‬بفلس‭ ‬فوق‭ ‬فلس‮…‬

وبصبرٍ‭ ‬فوق‭ ‬صبر‭.‬”

كبر‭ ‬الأبناء‭.‬

تخرجوا‭.‬

تزوجوا‭.‬

وتفرقت‭ ‬ضحكاتهم‭ ‬في‭ ‬بيوتٍ‭ ‬أخرى‭.‬

وبقيت‭ ‬هي‮…‬

تحرس‭ ‬الذاكرة‭.‬

الاجتماع‭ ‬الأول

في‭ ‬مساءٍ‭ ‬ثقيل،‭ ‬جلسوا‭ ‬حولها‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬عيونهم‭ ‬دفء‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬صحتها‭.‬

كان‭ ‬في‭ ‬أصابعهم‭ ‬قلق‭ ‬الحساب‭.‬

قال‭ ‬الأكبر،‭ ‬بنبرةٍ‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يجعلها‭ ‬لينة‭:‬

يمّه‮…‬‭ ‬البيت‭ ‬كبير‭ ‬عليكِ‭.‬

ليش‭ ‬تتعبين‭ ‬نفسك؟

نبيعه‮…‬‭ ‬نقسمه‮…‬‭ ‬ونأخذك‭ ‬لمكان‭ ‬أريح‭.‬”

نظرت‭ ‬إلى‭ ‬الجدران‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنظر‭ ‬إليهم‭.‬

مرّرت‭ ‬يدها‭ ‬على‭ ‬الطاولة‭ ‬التي‭ ‬أكلوا‭ ‬فوقها‭ ‬خمسين‭ ‬عامًا‭.‬

قالت‭:‬

أبيع‭ ‬بيتي؟

وأعيش‭ ‬وين؟

هاي‭ ‬الغرفة‭ ‬شهدت‭ ‬موت‭ ‬أبوكم‮…‬

وهذا‭ ‬الركن‭ ‬شهد‭ ‬أول‭ ‬خطوة‭ ‬إلكم‭.‬

تريدوني‭ ‬أطلع‭ ‬منه‭ ‬حيّة؟”

تبدّل‭ ‬الهواء‭ ‬في‭ ‬الغرفة‭.‬

لم‭ ‬تعجبهم‭ ‬الإجابة‭.‬

بداية‭ ‬الاتهام

بعد‭ ‬أيام،‭ ‬بدأت‭ ‬الكلمات‭ ‬تتغير‭.‬

الحجية‭ ‬صارت‭ ‬تنسى‭.‬”

الحجية‭  ‬عقلها‭ ‬مو‭ ‬مثل‭ ‬قبل‭.‬”

امنا‭ ‬تخرف‭.‬”

لم‭ ‬تكن‭ ‬تخرف‭.‬

كانت‭ ‬فقط‭ ‬ترفض‭ ‬البيع‭.‬

وفي‭ ‬مكاتب‭ ‬باردة،

كُتبت‭ ‬تقارير‭.‬

أختامٌ‭ ‬حمراء‭.‬

تشخيصاتٌ‭ ‬جاهزة‭:‬

تدهور‭ ‬إدراكي‭.‬”

حاجة‭ ‬إلى‭ ‬وصاية‭ ‬قانونية‭.‬”

تحوّل‭ ‬اسمها‭ ‬من‭ ‬“أم”

إلى‭ ‬“حالة”‭.‬

أمام‭ ‬المحكمة

دخلت‭ ‬القاعة‭ ‬بثوبها‭ ‬الأسود‭.‬

كان‭ ‬واسعًا‭ ‬عليها‮…‬

كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬جسدها‭ ‬ذاب‭ ‬من‭ ‬الخذلان‭.‬

وقفت‭ ‬أمام‭ ‬القاضي‭.‬

صوتها‭ ‬كان‭ ‬خافتًا،

لكن‭ ‬الكلمات‭ ‬خرجت‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬عمرها‭:‬

سيدي‮…‬

أنا‭ ‬مو‭ ‬مجنونة‭.‬

أنا‭ ‬أم‭.‬

هذا‭ ‬بيتي‭.‬

ما‭ ‬بعت‭.‬

ما‭ ‬وافقت‭.‬

أريد‭ ‬أموت‭ ‬بيه‮…‬‭ ‬بس‭.‬”

رفعت‭ ‬يدها‭ ‬المرتجفة‭ ‬كأنها‭ ‬تمسك‭ ‬بجدارٍ‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭.‬

تصفح‭ ‬القاضي‭ ‬الملفات‭.‬

توقف‭ ‬عند‭ ‬التقارير‭ ‬الطبية‭.‬

هز‭ ‬رأسه‭ ‬قليلًا‭.‬

جواب‭ ‬الأبناء

وقف‭ ‬الابن‭ ‬الأكبر‭ ‬بثباتٍ‭ ‬بارد‭:‬

سيدي‭ ‬القاضي،

نحن‭ ‬لا‭ ‬نؤذي‭ ‬أمنا‭.‬

هي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تدرك‭ ‬مصلحتها‭.‬

عنادها‭ ‬ورفضها‭ ‬للبيع‭ ‬دليل‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬تدهور‭ ‬حالتها‭.‬

إيداعها‭ ‬دار‭ ‬المسنين‭ ‬رعاية‭ ‬أسرية‭ ‬مناسبة‭.‬

ونحن‭ ‬أولى‭ ‬بإدارة‭ ‬أملاكها‭ ‬حفاظًا‭ ‬عليها‭.‬”

قال‭ ‬“حفاظًا‭ ‬عليها”‮…‬

وهو‭ ‬يوقّع‭ ‬على‭ ‬بيع‭ ‬السقف‭ ‬الذي‭ ‬ظلّلها‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭.‬

الحكم

“بناءً‭ ‬على‭ ‬التقارير‭ ‬الطبية‮…‬

تُحال‭ ‬إلى‭ ‬الرعاية‭ ‬الأسرية‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬المسنين،

ويُسمح‭ ‬بالتصرف‭ ‬بالبيت‭ ‬لمصلحتها‭.‬”

لم‭ ‬تصرخ‭.‬

لم‭ ‬تبكِ‭ ‬أمامهم‭.‬

فقط‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬أبنائها‮…‬

كما‭ ‬تنظر‭ ‬أمٌّ‭ ‬إلى‭ ‬أطفالٍ‭ ‬ضاعوا‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬سوقٍ‭ ‬مزدحم‭.‬

الرحيل

في‭ ‬اليوم‭ ‬الذي‭ ‬خرجت‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬بيتها،

لم‭ ‬تحمل‭ ‬شيئًا‭ ‬سوى‭ ‬مصحفٍ‭ ‬قديم‭ ‬وصورةٍ‭ ‬باهتة‭ ‬لزوجها‭.‬

مرّت‭ ‬يدها‭ ‬على‭ ‬الباب‭.‬

قبّلته‭.‬

همست‭:‬

“سامحني‮…‬‭ ‬ما‭ ‬قدرت‭ ‬أحميك‭.‬”

أُغلق‭ ‬الباب‭ ‬خلفها‭.‬

وبعد‭ ‬أسابيع،‭ ‬بيع‭ ‬البيت‭.‬

تقاسموا‭ ‬الثمن‭.‬

واشترى‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬شيئًا‭ ‬جديدًا‮…‬

سيارةً،

شقةً،

سفرًا‭.‬

أما‭ ‬هي‮…‬

فجلست‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬المسنين‭ ‬قرب‭ ‬نافذةٍ‭ ‬ضيقة‭.‬

كانت‭ ‬تحدّق‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬البعيد،

كأنها‭ ‬تنتظر‭ ‬بيتًا‭ ‬يعود‭.‬

في‭ ‬الليل،‭ ‬كانت‭ ‬تضع‭ ‬يدها‭ ‬على‭ ‬صدرها‭ ‬وتهمس‭:‬

جمعتُ‭ ‬فلسًا‭ ‬فوق‭ ‬فلس‭ ‬لأحميهم‭ ‬من‭ ‬الحاجة‮…‬

فصاروا‭ ‬هم‭ ‬حاجتي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُقضى‭.‬

ربّيتهم‭ ‬ليكونوا‭ ‬سندًا‮…‬

فصاروا‭ ‬الحكم‭ ‬عليّ‭.‬”

هذه‭ ‬ليست‭ ‬قصة‭ ‬بيتٍ‭ ‬بيع‭.‬

هذه‭ ‬قصة‭ ‬قلبٍ‭ ‬أُخرج‭ ‬من‭ ‬صدره‭ ‬وهو‭ ‬حي‭.‬

قصة‭ ‬أمٍّ‭ ‬لم‭ ‬تُتَّهم‭ ‬بالخرف‭ ‬لأنها‭ ‬نسيت،

بل‭ ‬لأنها‭ ‬تذكرت‮…‬

أن‭ ‬البيت‭ ‬ليس‭ ‬مالًا،

بل‭ ‬عمرًا‭.‬

ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،

صار‭ ‬الناس‭ ‬يروون‭ ‬الحكاية‭ ‬بصوتٍ‭ ‬منخفض‭:‬

احذروا‭ ‬يومًا

يُصبح‭ ‬فيه‭ ‬برُّ‭ ‬الوالدين‭ ‬بندًا‭ ‬في‭ ‬ملف،

ويُسمّى‭ ‬الطمع‭ ‬“رعاية”،

ويُكتب‭ ‬الظلم‭ ‬بختمٍ‭ ‬رسمي‮…‬

بينما‭ ‬الأم‭ ‬تبكي‭ ‬بصمتٍ‭ ‬لا‭ ‬يسمعه‭ ‬أحد‭.‬