حين يبوح النخيل: مذكرات هدى النعيمي عن الحرب والخوف والنجاة

   



أمل الجبوري

 

لا تُعد مذكرات هدى النعيمي ” حين يبوح النخيل” مجرد رحلة ذاتية، بل هي أرشيف حي للذاكرة والخوف والصمود، تلقي الضوء على بعض من أكثر اللحظات اضطراباً وظلمة في التاريخ العربي الحديث الا وهو الحدث المفصلي لغزو العراق للكويت عام 1990 ومن ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ..

تنتقل النعيمي، وهي عالمة تحوّلت إلى الكتابة، من سرد سيرتها الذاتية إلى نسج حكاية تمتد لتشمل المشهد الإقليمي الأوسع. لا يقتصر عملها على توثيق تجربة شخصية، بل يتحوّل إلى وثيقة تاريخية عميقة، تدعو القراء والباحثين معاً للتأمل في قضايا الحرب والنزوح والبقاء في العالم العربي.

يعكس انتقال النعيمي من ميدان العلوم إلى الأدب مدى قوة السرد كأداة لحفظ التجارب المعاشة. وتُبرز مذكراتها كيف أن التاريخ الشفهي قادر على التقاط أصوات غالباً ما تُهمّش في السجلات الرسمية، لكنها تحمل الأبعاد النفسية والاجتماعية والوجدانية للصراعات.

في كتابها ” حين يبوح النخيل”، تمتزج الذكريات الفردية بالصدمة الجمعية. ومن خلال استعادة تفاصيل حياتها، توثق النعيمي ليس فقط مسيرتها الذاتية، بل أيضاً مشاعر الخوف والأمل والصلابة التي عاشتها مجتمعات الخليج خلال حرب الخليج، والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والتداعيات الإقليمية اللاحقة.

استهداف الصحفيين: من بغداد إلى غزة

من أبرز المحاور التي تتناولها النعيمي في مذكراتها، تأملاتها حول استهداف الصحفيين أثناء الحروب. فهي تسترجع مشهد قصف مكتب قناة الجزيرة في بغداد عام 2003 من قبل القوات الأمريكية، والذي أسفر عن استشهاد الصحفي طارق أيوب.

ولعل مقارنتها والقارئ اليوم بين هذا الحدث وما يجري في غزة اليوم، حيث لا يزال الصحفيون يُستهدفون ويُغتالون بشكل ممنهج. هذا التشابه يكشف كيف أصبح التحكم في السرد الإعلامي أداة استراتيجية في الحروب، تمنع العالم من الوصول إلى الحقيقة على الأرض.

عبء الخوف والدعاية

تغوص النعيمي في التأثير النفسي العميق للحرب على المواطنين العاديين. فتصف كيف أن الخوف من الهجمات الكيميائية في أوائل التسعينيات أي العدوان الثلاثيني ضد العراق عام 1991 ،كان يُخيّم على الشعوب الخليجية، بينما كانت الآلة الإعلامية تبث مشاعر الهلع وتعزز الإحساس الجماعي بالعجز.

وتُعد تأملاتها تذكرة صارخة بكيفية تأثير الحرب النفسية والدعاية الإعلامية على الحياة اليومية، حتى في المناطق التي لم تكن في قلب الحدث العسكري.

المرض وقوة الايمان

من بين خيوط الحرب في المذكرات، تبرز معركة النعيمي الخاصة مع مرض السرطان. هذا الصراع، الذي تزامن مع الاضطرابات السياسية والاجتماعية، يتحوّل في السرد إلى استعارة عميقة للصلابة. فنجاتها من المرض توازي صمود المجتمعات التي نجحت في البقاء رغم الاحتلال والدمار والتفكك الاجتماعي.


في جوهرها، تُعد هذه المذكرات شهادة إنسانية على النجاة، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فهي تذكّرنا بأهمية الشهادة الشخصية في حفظ التاريخ ومقاومة النسيان.

بالنسبة للباحثين، تمثل المذكرات مورداً قيّماً لدراسة التاريخ الشفهي، ودور الإعلام في مناطق النزاع، وكيفية تَشكُّل مقاومة المجتمعات خلال الحروب. أما بالنسبة للقراء عموماً، فهي قصة إنسانية عميقة تربط بين النضال الشخصي والسياق التاريخي العالمي.

ومع استمرار الحرب في غزة، تزداد تأملات النعيمي إلحاحاً. إنها دعوة صريحة لحفظ أصوات المدنيين والصحفيين والنشطاء، الذين قد تُطوى صفحاتهم في غياهب النسيان، رغم أن شهاداتهم هي المفتاح لفهم الحاضر وصناعة المستقبل