حين‭ ‬لايتوقف‭ ‬الرأس‭ ‬عن‭ ‬التفكير‭ ‬-د. فاروق الدباغ

نعيش‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬وكأن‭ ‬صدورنا‭ ‬مشدودة‭ ‬بخيط‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭.‬

نضحك‭ ‬أحيانًا،‭ ‬ننجز،‭ ‬نمضي‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬اليوم،‭ ‬لكن‭ ‬شيئًا‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬يبقى‭ ‬متيقظًا،‭ ‬حذرًا،‭ ‬كأنه‭ ‬لا‭ ‬يثق‭ ‬تمامًا‭ ‬بأن‭ ‬الأمور‭ ‬بخير‭. ‬القلق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬طارئًا،‭ ‬صار‭ ‬رفيقًا‭ ‬صامتًا‭. ‬والخوف‭ ‬من‭ ‬الغد‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬كفكرة‭ ‬واضحة،‭ ‬بل‭ ‬كإحساس‭ ‬ثقيل‭ ‬يسبق‭ ‬النوم،‭ ‬ويوقظنا‭ ‬قبل‭ ‬المنبّه‭.‬

كثيرون‭ ‬يشعرون‭ ‬أنهم‭ ‬متأخرون‭ ‬عن‭ ‬حياتهم‭. ‬متأخرون‭ ‬عن‭ ‬أحلام‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تتحقق،‭ ‬عن‭ ‬نسخ‭ ‬أقدم‭ ‬من‭ ‬أنفسهم‭ ‬كانوا‭ ‬أكثر‭ ‬خفة،‭ ‬أكثر‭ ‬تصديقًا‭. ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬بلا‭ ‬قصد،‭ ‬نفتح‭ ‬أبوابًا‭ ‬أغلقناها‭ ‬منذ‭ ‬زمن،‭ ‬ونحاسب‭ ‬أنفسنا‭ ‬بقسوة‭: ‬لو‭ ‬فعلت،‭ ‬لو‭ ‬انتبهت،‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬أسكت‭. ‬كأننا‭ ‬ننسى‭ ‬أننا‭ ‬كنّا‭ ‬نعيش‭ ‬بما‭ ‬نملكه‭ ‬حينها،‭ ‬لا‭ ‬بما‭ ‬نعرفه‭ ‬الآن‭.‬

العالم‭ ‬من‭ ‬حولنا‭ ‬لا‭ ‬يساعد‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يطلب‭ ‬منا‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أقوى،‭ ‬أسرع،‭ ‬أقل‭ ‬تردّدًا‭. ‬لا‭ ‬وقت‭ ‬للتعب،‭ ‬ولا‭ ‬مساحة‭ ‬للارتباك‭. ‬لكن‭ ‬الداخل‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬بهذه‭ ‬الوتيرة‭. ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬الأشياء‭ ‬تمشي‭ ‬ببطء،‭ ‬وتتراكم‭ ‬بهدوء،‭ ‬وتنتظر‭ ‬أن‭ ‬يُلتفت‭ ‬إليها‭.‬

أحيانًا‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬التوتر‭ ‬سببه‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭. ‬شعور‭ ‬قديم‭ ‬بعدم‭ ‬الأمان،‭ ‬فقدٌ‭ ‬لم‭ ‬يُحزن‭ ‬عليه‭ ‬كما‭ ‬ينبغي،‭ ‬كلمة‭ ‬لم‭ ‬تُقل،‭ ‬أو‭ ‬وداع‭ ‬لم‭ ‬يكتمل‭. ‬هذه‭ ‬الأشياء‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬لأنها‭ ‬صمتت‭. ‬تبقى،‭ ‬وتجد‭ ‬طريقها‭ ‬إلينا‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬اللحظات‭ ‬عادية‭: ‬في‭ ‬خوف‭ ‬مفاجئ،‭ ‬في‭ ‬دمعة‭ ‬بلا‭ ‬سبب‭ ‬واضح،‭ ‬في‭ ‬ضيق‭ ‬لا‭ ‬يفسّره‭ ‬المنطق‭.‬

نلوم‭ ‬أنفسنا‭ ‬لأننا‭ ‬نقلق‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬“يستحق”‭ ‬الموقف‭. ‬لكن‭ ‬القلق‭ ‬لا‭ ‬يقيس‭ ‬الأمور‭ ‬بالحسابات‭ ‬العقلية‭. ‬هو‭ ‬يقيسها‭ ‬بالذاكرة،‭ ‬وبما‭ ‬تعلّمه‭ ‬القلب‭ ‬عن‭ ‬الخسارة،‭ ‬وبما‭ ‬اختبره‭ ‬الجسد‭ ‬من‭ ‬ارتجاف‭ ‬قديم‭. ‬لذلك‭ ‬يبدو‭ ‬أحيانًا‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬اللحظة،‭ ‬وأثقل‭ ‬من‭ ‬السبب‭.‬

وفي‭ ‬محاولتنا‭ ‬للتماسك،‭ ‬نصبح‭ ‬قساة‭ ‬مع‭ ‬ذواتنا‭. ‬نحدّث‭ ‬أنفسنا‭ ‬بلغة‭ ‬لا‭ ‬نقبل‭ ‬أن‭ ‬نوجّهها‭ ‬لأقرب‭ ‬الناس‭ ‬إلينا‭. ‬نطالب‭ ‬بالتحسن‭ ‬السريع،‭ ‬بالنسيان‭ ‬الفوري،‭ ‬بالتجاوز‭ ‬الكامل‭. ‬كأن‭ ‬الداخل‭ ‬آلة‭ ‬تحتاج‭ ‬إصلاحًا،‭ ‬لا‭ ‬إنسانًا‭ ‬يحتاج‭ ‬فهمًا‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العمق‭ ‬ليس‭ ‬عطلًا‭. ‬هو‭ ‬استمرار‭. ‬استمرار‭ ‬لقصص‭ ‬لم‭ ‬تُحكَ‭ ‬بعد،‭ ‬ولمشاعر‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬مكانها،‭ ‬ولحاجة‭ ‬بسيطة‭ ‬لم‭ ‬تُلبَّ‭: ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬بأنه‭ ‬مسموع،‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬نفسه‭.‬

ربما‭ ‬لهذا‭ ‬نرتاح‭ ‬حين‭ ‬يشاركونا‭ ‬إحساسًا‭ ‬مشابهًا،‭ ‬حين‭ ‬نقرأ‭ ‬كلمات‭ ‬تشبه‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬صدورنا،‭ ‬أو‭ ‬نسمع‭ ‬اعترافًا‭ ‬صادقًا‭ ‬من‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يعرفنا‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الحل‭ ‬قُدّم،‭ ‬بل‭ ‬لأننا‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬وحدنا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭.‬

شيئًا‭ ‬فشيئًا،‭ ‬حين‭ ‬نُخفّف‭ ‬الحكم،‭ ‬ونسمح‭ ‬للحنين‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نغرق‭ ‬فيه،‭ ‬وحين‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬القلق‭ ‬كرسالة‭ ‬لا‭ ‬كعدو،‭ ‬يبدأ‭ ‬الداخل‭ ‬بالهدوء‭. ‬ليس‭ ‬اختفاءً،‭ ‬بل‭ ‬طمأنينة‭ ‬خفيفة‭ ‬تقول‭: ‬لا‭ ‬بأس‮…‬‭ ‬أنت‭ ‬تحاول،‭ ‬وهذا‭ ‬كافٍ‭ ‬الآن‭.‬

ربما‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أفضل‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬أنفسنا‭ ‬اليوم‭. ‬ربما‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬أرحم‭ ‬نسخة‭.‬