حين فشلت التنظيمات:الدولة والتشيّع في عراق القرن التاسع عشر- صادق الطائي

 

الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا،‭ ‬‮«‬الشيعة‭ ‬ودولة‭ ‬التنظيمات‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬العثماني‭ (‬1830-‭ ‬1910‭)‬‮»‬،‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬المرهج‭ ‬للطباعة‭ ‬والنشر‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬2025‭ ‬لمؤلفه‭ ‬أرخان‭ ‬بكتاش،‭ ‬بترجمة‭ ‬أنجزها‭ ‬بدقة‭ ‬ووعي‭ ‬تاريخي‭ ‬د‭.‬حميد‭ ‬الهاشمي،‭ ‬يقدّم‭ ‬للقارئ‭ ‬العربي‭ ‬عملاً‭ ‬بحثياً‭ ‬من‭ ‬الطراز‭ ‬الرفيع،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بإعادة‭ ‬سرد‭ ‬تاريخٍ‭ ‬معروفٍ‭ ‬جزئياً،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬تفكيكه‭ ‬وتحليله‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬منطق‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬نفسها،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬أدواتها‭ ‬الإدارية‭ ‬والمالية‭ ‬والتعليمية،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬مفصلية‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬الحديث‭. ‬وهو‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬ليس‭ ‬كتاباً‭ ‬في‭ ‬‮«‬التاريخ‭ ‬المذهبي‮»‬‭ ‬بالمعنى‭ ‬الشائع،‭ ‬بل‭ ‬دراسة‭ ‬في‭ ‬تشكّل‭ ‬السلطة،‭ ‬وحدودها،‭ ‬وإخفاقاتها،‭ ‬حين‭ ‬واجهت‭ ‬واقعاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬وقبلياً‭ ‬معقداً‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬إخضاعه‭ ‬بالكامل‭.‬

يقدّم‭ ‬الكتاب‭ ‬قراءة‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة‭ ‬لمسألة‭ ‬طالما‭ ‬جرى‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬العربية‭ ‬بمنطق‭ ‬تبسيطي‭ ‬أو‭ ‬سجالي‭ ‬وهي‭: ‬مسألة‭ ‬انتشار‭ ‬التشيّع‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬فالكتاب‭ ‬لا‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬لماذا‭ ‬تشيّع‭ ‬العراقيون؟‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬سؤالاً‭ ‬مذهبياً‭ ‬أو‭ ‬عقائدياً،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬إرباكاً‭: ‬كيف‭ ‬أسهم‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬الإصلاحي‭ ‬نفسه،‭ ‬عبر‭ ‬التنظيمات‭ ‬والسياسات‭ ‬الحميدية،‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الخريطة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمذهبية‭ ‬للعراق؟

منذ‭ ‬المقدمة،‭ ‬يضع‭ ‬المؤلف‭ ‬إطاراً‭ ‬منهجياً‭ ‬واضحاً‭ ‬يميّز‭ ‬عمله‭ ‬عن‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدراسات‭ ‬السابقة،‭ ‬إذ‭ ‬يعلن‭ ‬صراحة‭ ‬أن‭ ‬اهتمامه‭ ‬موجّه‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬وحدودها،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬السجال‭ ‬العقائدي‭. ‬إذ‭ ‬يقول‭ ‬بكتاش‭: ‬‮«‬سأقوم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأطروحة‭ ‬بدراسة‭ ‬تنفيذ‭ ‬سياسات‭ ‬الإصلاح‭ ‬الحميدية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬العراقية‭ ‬التابعة‭ ‬للإمبراطورية‭ ‬العثمانية‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬الحكم‭ ‬المركزي،‭ ‬بضمن‭ ‬ذلك‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬الحكومة‭ ‬تجاه‭ ‬انتشار‭ ‬التشيع‭ ‬في‭ ‬العراق‮»‬‭.‬

هذا‭ ‬التحديد‭ ‬ليس‭ ‬شكلياً،‭ ‬بل‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬الكتاب‭ ‬كلها‭. ‬فالتشيّع‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬مشكلة‭ ‬دينية‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭-‬سياسية‭ ‬نشأت‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬سياسات‭ ‬التوطين،‭ ‬والضرائب،‭ ‬والتجنيد،‭ ‬والتعليم،‭ ‬مع‭ ‬التنافس‭ ‬الإقليمي‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وكل‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬وبريطانيا‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭.‬

يعتمد‭ ‬الكتاب‭ ‬اعتماداً‭ ‬واسعاً‭ ‬على‭ ‬وثائق‭ ‬الأرشيف‭ ‬العثماني،‭ ‬لا‭ ‬بوصفها‭ ‬مصدراً‭ ‬للحقيقة‭ ‬النهائية،‭ ‬بل‭ ‬بوصفها‭ ‬مرآة‭ ‬لذهنية‭ ‬الدولة‭ ‬ومخاوفها‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الوثائق،‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬العثمانية‭ ‬نظرت‭ ‬إلى‭ ‬انتشار‭ ‬التشيّع‭ ‬بوصفه‭ ‬تهديداً‭ ‬مزدوجاً‭: ‬تهديداً‭ ‬للهوية‭ ‬السنية‭ ‬الرسمية،‭ ‬وتهديداً‭ ‬سياسياً‭ ‬لأمن‭ ‬الحدود‭ ‬الشرقية‭ ‬والجنوبية‭ ‬للإمبراطورية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للدراسة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬تفكيكه،‭ ‬وإظهار‭ ‬محدوديته‭ ‬وعجزه‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬الواقع‭ ‬العراقي‭.‬

يبيّن‭ ‬بكتاش‭ ‬أن‭ ‬سياسات‭ ‬التنظيمات،‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬إخضاع‭ ‬القبائل‭ ‬عبر‭ ‬التوطين‭ ‬القسري‭ ‬وربطها‭ ‬بنظام‭ ‬الضرائب‭ ‬والتجنيد،‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬البنى‭ ‬التقليدية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬بدائل‭ ‬فعالة‭. ‬فقد‭ ‬تراجعت‭ ‬سلطة‭ ‬شيوخ‭ ‬القبائل،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحلّ‭ ‬الدولة‭ ‬محلّهم‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الفراغ،‭ ‬برزت‭ ‬قوى‭ ‬اجتماعية‭ ‬جديدة،‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬العلماء‭ ‬الشيعة‭ ‬المرتبطون‭ ‬بالمدن‭ ‬المقدسة،‭ ‬والذين‭ ‬امتلكوا‭ ‬موارد‭ ‬مالية‭ ‬ورمزية‭ ‬مكّنتهم‭ ‬من‭ ‬لعب‭ ‬دور‭ ‬قيادي‭ ‬متزايد‭.‬

ولا‭ ‬يفصل‭ ‬المؤلف‭ ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬الداخلي‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬الإقليمي‭ ‬الأوسع‭. ‬فالنجف‭ ‬وكربلاء،‭ ‬كما‭ ‬يوضح،‭ ‬لم‭ ‬تكونا‭ ‬مجرد‭ ‬مراكز‭ ‬دينية،‭ ‬بل‭ ‬عقدتين‭ ‬اقتصاديتين‭ ‬وسياسيتين‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬تغذّيها‭ ‬الزيارات‭ ‬والأوقاف‭ ‬والتبرعات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬ومن‭ ‬شيعة‭ ‬الهند‭. ‬هذا‭ ‬التدفق‭ ‬المالي‭ ‬منح‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدينية‭ ‬الشيعية‭ ‬استقلالاً‭ ‬فعلياً‭ ‬عن‭ ‬الإدارة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وأتاح‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬حضوراً‭ ‬وتأثيراً‭ ‬من‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المناطق‭.‬

كما‭ ‬يكتسب‭ ‬تحليل‭ ‬التحوّل‭ ‬العقائدي‭ ‬داخل‭ ‬التشيّع‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬صعود‭ ‬المدرسة‭ ‬الأصولية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الإخبارية‭. ‬فهذا‭ ‬التحوّل،‭ ‬كما‭ ‬يبيّن‭ ‬بكتاش،‭ ‬منح‭ ‬العلماء‭ ‬الشيعة‭ ‬سلطة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وشرعية‭ ‬دينية‭ ‬أوسع،‭ ‬وجعلهم‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬القبائل‭ ‬المستقرة‭ ‬حديثاً،‭ ‬وتقديم‭ ‬أنفسهم‭ ‬بوصفهم‭ ‬مرجعيات‭ ‬جامعة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬الدولة‭ ‬أو‭ ‬ضعفها‭. ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬يتعامل‭ ‬المؤلف‭ ‬مع‭ ‬العلماء‭ ‬بوصفهم‭ ‬فاعلين‭ ‬دينيين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بوصفهم‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬بنية‭ ‬سلطة‭ ‬بديلة،‭ ‬لها‭ ‬مواردها‭ ‬المالية‭ (‬الأوقاف،‭ ‬التبرعات،‭ ‬الزيارات‭) ‬وشبكاتها‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭.‬

لكن‭ ‬النقطة‭ ‬الأكثر‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬وربما‭ ‬الأكثر‭ ‬إضاءة‭ ‬للحاضر،‭ ‬هي‭ ‬تحليله‭ ‬لفشل‭ ‬السياسات‭ ‬العثمانية‭ ‬المضادة‭ ‬للتشيّع،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬سياسة‭ ‬إحياء‭ ‬التعليم‭ ‬السني‭. ‬فالدولة،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تكشف‭ ‬الوثائق‭ ‬التي‭ ‬يستند‭ ‬إليها‭ ‬المؤلف،‭ ‬فسّرت‭ ‬انتشار‭ ‬التشيّع‭ ‬تفسيراً‭ ‬اختزالياً،‭ ‬وردّته‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬جهل‭ ‬البدو‮»‬‭ ‬وغياب‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬السنية،‭ ‬متجاهلةً‭ ‬العوامل‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والسياسية‭ ‬الأعمق‭. ‬ويكتب‭ ‬بكتاش‭ ‬بوضوح‭:‬‮»‬‭ ‬ووفقاً‭ ‬للتقارير‭ ‬والمراسلات‭ ‬الرسمية،‭ ‬فإن‭ ‬نمو‭ ‬التشيع‭ ‬ينبع‭ ‬من‭ ‬عجز‭ ‬المراكز‭ ‬التعليمية‭ ‬السنية‭ ‬والتأثيرات‭ ‬القوية‭ ‬للعلماء‭ ‬الإيرانيين‭ ‬على‭ ‬البدو‭ ‬في‭ ‬العراق‮»‬‭.‬

انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التشخيص،‭ ‬أرسلت‭ ‬الدولة‭ ‬علماء‭ ‬وخطباء،‭ ‬وأنشأت‭ ‬مدارس‭ ‬وتكايا،‭ ‬لكنها‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أي‭ ‬اختراق‭ ‬حقيقي‭. ‬والسبب،‭ ‬كما‭ ‬يبيّن‭ ‬المؤلف،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬نفسه،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬متشدداً‭ ‬ومنفصلاً‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المحلي‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الجهود،‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬تذكره‭ ‬التقارير‭ ‬العثمانية‭ ‬ذاتها،‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬النفور‭ ‬من‭ ‬الدولة‭.‬

ويصل‭ ‬الكتاب‭ ‬إلى‭ ‬خلاصة‭ ‬لافتة‭ ‬هي؛‭ ‬إن‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية‭ ‬أساءت‭ ‬تشخيص‭ ‬المشكلة،‭ ‬إذ‭ ‬ربطت‭ ‬انتشار‭ ‬التشيّع‭ ‬بغياب‭ ‬التعليم‭ ‬السني‭ ‬فقط،‭ ‬متجاهلةً‭ ‬أن‭ ‬التحوّل‭ ‬المذهبي‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تعبيراً‭ ‬عن‭ ‬رفض‭ ‬اجتماعي‭ ‬وسياسي‭ ‬لسياسات‭ ‬التنظيمات‭ ‬نفسها‭. ‬فالقبائل‭ ‬التي‭ ‬أُجبرت‭ ‬على‭ ‬الاستيطان،‭ ‬وفُرضت‭ ‬عليها‭ ‬الضرائب،‭ ‬وسُحب‭ ‬شبابها‭ ‬إلى‭ ‬التجنيد‭ ‬الإجباري،‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬الانتماء‭ ‬المذهبي‭ ‬الجديد‭ ‬إطاراً‭ ‬رمزياً‭ ‬لمقاومة‭ ‬الدولة،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬للتمايز‭ ‬عنها‭. ‬وهنا‭ ‬يلتقي‭ ‬تحليل‭ ‬بكتاش‭ ‬مع‭ ‬أطروحات‭ ‬باحثين‭ ‬مثل‭ ‬إسحق‭ ‬نقّاش،‭ ‬لكنه‭ ‬يضيف‭ ‬بعداً‭ ‬جديداً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قراءة‭ ‬المراسلات‭ ‬والتقارير‭ ‬العثمانية‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬مقدار‭ ‬القلق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يساور‭ ‬الإدارة‭ ‬المركزية‭.‬

عند‭ ‬انتقاله‭ ‬إلى‭ ‬المرحلة‭ ‬الحميدية،‭ ‬يبيّن‭ ‬المؤلف‭ ‬أن‭ ‬السلطان‭ ‬عبد‭ ‬الحميد‭ ‬الثاني‭ ‬أدرك‭ ‬محدودية‭ ‬الأدوات‭ ‬السابقة،‭ ‬فحاول‭ ‬تبنّي‭ ‬مقاربة‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الوحدة‭ ‬الشيعية‭-‬السنية‮»‬،‭ ‬ورعاية‭ ‬المراقد،‭ ‬وتخفيف‭ ‬حدّة‭ ‬الخطاب‭ ‬الرسمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة،‭ ‬على‭ ‬رمزيتها،‭ ‬لم‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬تفكيك‭ ‬البنى‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬ترسّخت‭ ‬خلال‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الإخفاقات‭ ‬الإدارية‭ ‬والتدخلات‭ ‬الخارجية‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الكتاب‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬الداخل‭ ‬العثماني،‭ ‬بل‭ ‬يوسّع‭ ‬العدسة‭ ‬ليشمل‭ ‬البعد‭ ‬الدولي‭. ‬فالعراق،‭ ‬كما‭ ‬يبيّن‭ ‬المؤلف،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬مذهبي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عقدة‭ ‬استراتيجية‭ ‬في‭ ‬شبكة‭ ‬المصالح‭ ‬البريطانية‭-‬الإيرانية‭-‬العثمانية‭. ‬فبريطانيا،‭ ‬عبر‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬النهرية‭ ‬والبحرية،‭ ‬وعبر‭ ‬علاقتها‭ ‬بالوجهاء‭ ‬المحليين‭ ‬والعلماء،‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تُضعف‭ ‬قبضة‭ ‬الدولة‭ ‬العثمانية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬استخدمت‭ ‬إيران‭ ‬الروابط‭ ‬المذهبية‭ ‬والزيارات‭ ‬الدينية‭ ‬لتعزيز‭ ‬حضورها‭ ‬الناعم‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬المقدسة‭. ‬ويورد‭ ‬الكتاب‭ ‬نصوصاً‭ ‬من‭ ‬تقارير‭ ‬عثمانية‭ ‬تُحذّر‭ ‬صراحة‭ ‬من‭ ‬‮«‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬الذي‭ ‬يتلقاه‭ ‬العلماء‭ ‬الشيعة‭ ‬من‭ ‬الخارج‮»‬،‭ ‬ومن‭ ‬تحوّل‭ ‬النجف‭ ‬وكربلاء‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬نفوذ‭ ‬تتجاوز‭ ‬سلطة‭ ‬الوالي‭.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬عربي‭ ‬معاصر‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬أسير‭ ‬تفسيرات‭ ‬تبسيطية‭ ‬للتاريخ‭ ‬الطائفي،‭ ‬يقدّم‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬درساً‭ ‬بالغ‭ ‬الأهمية‭: ‬الطوائف‭ ‬لا‭ ‬‮«‬تنتشر‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬‮«‬تنحسر‮»‬‭ ‬بفعل‭ ‬الدعوة‭ ‬الدينية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬ضمن‭ ‬شروط‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬محددة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬قراءة‭ ‬بكتاش‭ ‬لا‭ ‬تُغري‭ ‬بالاستنتاجات‭ ‬السهلة،‭ ‬بل‭ ‬تدفع‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬الحديث،‭ ‬وفي‭ ‬جذور‭ ‬انقساماته،‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬السرديات‭ ‬الاختزالية‭.‬

ما‭ ‬يميّز‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬هو‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مذنب‮»‬‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬يقدّم‭ ‬سردية‭ ‬تبريرية‭ ‬أو‭ ‬اتهامية‭. ‬إنه‭ ‬عمل‭ ‬تاريخي‭ ‬يُظهر‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لمشاريع‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة،‭ ‬حين‭ ‬تُطبَّق‭ ‬بصرامة‭ ‬إدارية‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬للمجتمع،‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬نتائج‭ ‬معاكسة‭ ‬تماماً‭ ‬لأهدافها‭ ‬المعلنة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬العربية،‭ ‬بما‭ ‬التزمت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أمانة‭ ‬ودقة،‭ ‬تجعل‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬متاحاً‭ ‬للقارئ‭ ‬العربي‭ ‬بوصفه‭ ‬مرجعاً‭ ‬علمياً،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬سرد‭ ‬تاريخي‭.‬

إن‭ ‬قيمة‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬موضوعه،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬منهجيته‭ ‬الصارمة‭. ‬فهو‭ ‬عمل‭ ‬أرشيفي‭ ‬في‭ ‬الأساس،‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬دقيقة‭ ‬لوثائق‭ ‬الدولة،‭ ‬ويوازن‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬الأدبيات‭ ‬الحديثة،‭ ‬دون‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬التبرير‭ ‬أو‭ ‬الإدانة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الترجمة‭ ‬العربية،‭ ‬التي‭ ‬أنجزها‭ ‬حميد‭ ‬الهاشمي،‭ ‬تُحسب‭ ‬لها‭ ‬الدقة‭ ‬والأمانة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬المصطلحات‭ ‬الإدارية‭ ‬والدينية،‭ ‬وفي‭ ‬ترجمة‭ ‬الهوامش‭ ‬والمراجع،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الكتاب‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬للمكتبة‭ ‬العربية،‭ ‬وسدّاً‭ ‬لفراغ‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬تاريخ‭ ‬العراق‭ ‬العثماني‭.‬