
الكتاب الذي بين أيدينا، «الشيعة ودولة التنظيمات في العراق العثماني (1830- 1910)»، الصادر عن دار المرهج للطباعة والنشر في بغداد 2025 لمؤلفه أرخان بكتاش، بترجمة أنجزها بدقة ووعي تاريخي د.حميد الهاشمي، يقدّم للقارئ العربي عملاً بحثياً من الطراز الرفيع، لا يكتفي بإعادة سرد تاريخٍ معروفٍ جزئياً، بل يعيد تفكيكه وتحليله من داخل منطق الدولة العثمانية نفسها، ومن خلال أدواتها الإدارية والمالية والتعليمية، في لحظة مفصلية من تاريخ العراق الحديث. وهو بهذا المعنى ليس كتاباً في «التاريخ المذهبي» بالمعنى الشائع، بل دراسة في تشكّل السلطة، وحدودها، وإخفاقاتها، حين واجهت واقعاً اجتماعياً وقبلياً معقداً لم تستطع إخضاعه بالكامل.
يقدّم الكتاب قراءة تاريخية مختلفة لمسألة طالما جرى التعامل معها في الكتابة العربية بمنطق تبسيطي أو سجالي وهي: مسألة انتشار التشيّع في العراق خلال القرن التاسع عشر. فالكتاب لا ينطلق من سؤال «لماذا تشيّع العراقيون؟» بوصفه سؤالاً مذهبياً أو عقائدياً، بل من سؤال أعمق وأكثر إرباكاً: كيف أسهم مشروع الدولة العثمانية الإصلاحي نفسه، عبر التنظيمات والسياسات الحميدية، في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والمذهبية للعراق؟
منذ المقدمة، يضع المؤلف إطاراً منهجياً واضحاً يميّز عمله عن كثير من الدراسات السابقة، إذ يعلن صراحة أن اهتمامه موجّه إلى سياسات الدولة الحديثة وحدودها، لا إلى السجال العقائدي. إذ يقول بكتاش: «سأقوم في هذه الأطروحة بدراسة تنفيذ سياسات الإصلاح الحميدية في الولايات العراقية التابعة للإمبراطورية العثمانية في ظروف الحكم المركزي، بضمن ذلك رد فعل الحكومة تجاه انتشار التشيع في العراق».
هذا التحديد ليس شكلياً، بل ينعكس على بنية الكتاب كلها. فالتشيّع هنا ليس «مشكلة دينية»، بل ظاهرة اجتماعية-سياسية نشأت نتيجة تفاعل سياسات التوطين، والضرائب، والتجنيد، والتعليم، مع التنافس الإقليمي بين الدولة العثمانية من جهة، وكل من إيران وبريطانيا من جهة أخرى.
يعتمد الكتاب اعتماداً واسعاً على وثائق الأرشيف العثماني، لا بوصفها مصدراً للحقيقة النهائية، بل بوصفها مرآة لذهنية الدولة ومخاوفها. ومن خلال هذه الوثائق، يتبيّن أن الإدارة العثمانية نظرت إلى انتشار التشيّع بوصفه تهديداً مزدوجاً: تهديداً للهوية السنية الرسمية، وتهديداً سياسياً لأمن الحدود الشرقية والجنوبية للإمبراطورية. غير أن القيمة الحقيقية للدراسة لا تكمن في عرض هذا الخطاب الرسمي، بل في تفكيكه، وإظهار محدوديته وعجزه عن فهم الواقع العراقي.
يبيّن بكتاش أن سياسات التنظيمات، التي سعت إلى إخضاع القبائل عبر التوطين القسري وربطها بنظام الضرائب والتجنيد، أدّت إلى تفكيك البنى التقليدية دون أن تنجح في بناء بدائل فعالة. فقد تراجعت سلطة شيوخ القبائل، من دون أن تحلّ الدولة محلّهم فعلياً في إدارة المجتمع المحلي. وفي هذا الفراغ، برزت قوى اجتماعية جديدة، كان في مقدمتها العلماء الشيعة المرتبطون بالمدن المقدسة، والذين امتلكوا موارد مالية ورمزية مكّنتهم من لعب دور قيادي متزايد.
ولا يفصل المؤلف هذا التحوّل الداخلي عن السياق الإقليمي الأوسع. فالنجف وكربلاء، كما يوضح، لم تكونا مجرد مراكز دينية، بل عقدتين اقتصاديتين وسياسيتين في شبكة عابرة للحدود، تغذّيها الزيارات والأوقاف والتبرعات القادمة من إيران ومن شيعة الهند. هذا التدفق المالي منح المؤسسات الدينية الشيعية استقلالاً فعلياً عن الإدارة العثمانية، وأتاح لها أن تكون أكثر حضوراً وتأثيراً من مؤسسات الدولة نفسها في كثير من المناطق.
كما يكتسب تحليل التحوّل العقائدي داخل التشيّع أهمية خاصة، ولا سيما صعود المدرسة الأصولية على حساب الإخبارية. فهذا التحوّل، كما يبيّن بكتاش، منح العلماء الشيعة سلطة اجتماعية وشرعية دينية أوسع، وجعلهم أكثر قدرة على مخاطبة القبائل المستقرة حديثاً، وتقديم أنفسهم بوصفهم مرجعيات جامعة في ظل غياب الدولة أو ضعفها. وهنا لا يتعامل المؤلف مع العلماء بوصفهم فاعلين دينيين فقط، بل بوصفهم جزءاً من بنية سلطة بديلة، لها مواردها المالية (الأوقاف، التبرعات، الزيارات) وشبكاتها العابرة للحدود.
لكن النقطة الأكثر حساسية في الكتاب، وربما الأكثر إضاءة للحاضر، هي تحليله لفشل السياسات العثمانية المضادة للتشيّع، وعلى رأسها سياسة إحياء التعليم السني. فالدولة، بحسب ما تكشف الوثائق التي يستند إليها المؤلف، فسّرت انتشار التشيّع تفسيراً اختزالياً، وردّته إلى «جهل البدو» وغياب المؤسسات التعليمية السنية، متجاهلةً العوامل الاجتماعية والسياسية الأعمق. ويكتب بكتاش بوضوح:» ووفقاً للتقارير والمراسلات الرسمية، فإن نمو التشيع ينبع من عجز المراكز التعليمية السنية والتأثيرات القوية للعلماء الإيرانيين على البدو في العراق».
انطلاقاً من هذا التشخيص، أرسلت الدولة علماء وخطباء، وأنشأت مدارس وتكايا، لكنها غالباً ما فشلت في تحقيق أي اختراق حقيقي. والسبب، كما يبيّن المؤلف، لا يعود فقط إلى ضعف الموارد، بل إلى طبيعة الخطاب الديني نفسه، الذي كان في كثير من الأحيان متشدداً ومنفصلاً عن الواقع الاجتماعي المحلي. بل إن بعض هذه الجهود، وفق ما تذكره التقارير العثمانية ذاتها، أدّت إلى نتائج عكسية، وأسهمت في تعزيز النفور من الدولة.
ويصل الكتاب إلى خلاصة لافتة هي؛ إن الدولة العثمانية أساءت تشخيص المشكلة، إذ ربطت انتشار التشيّع بغياب التعليم السني فقط، متجاهلةً أن التحوّل المذهبي كان في كثير من الأحيان تعبيراً عن رفض اجتماعي وسياسي لسياسات التنظيمات نفسها. فالقبائل التي أُجبرت على الاستيطان، وفُرضت عليها الضرائب، وسُحب شبابها إلى التجنيد الإجباري، وجدت في الانتماء المذهبي الجديد إطاراً رمزياً لمقاومة الدولة، أو على الأقل للتمايز عنها. وهنا يلتقي تحليل بكتاش مع أطروحات باحثين مثل إسحق نقّاش، لكنه يضيف بعداً جديداً من خلال قراءة المراسلات والتقارير العثمانية التي تكشف مقدار القلق الذي كان يساور الإدارة المركزية.
عند انتقاله إلى المرحلة الحميدية، يبيّن المؤلف أن السلطان عبد الحميد الثاني أدرك محدودية الأدوات السابقة، فحاول تبنّي مقاربة أكثر مرونة تقوم على فكرة «الوحدة الشيعية-السنية»، ورعاية المراقد، وتخفيف حدّة الخطاب الرسمي. غير أن هذه السياسة، على رمزيتها، لم تنجح في تفكيك البنى التي كانت قد ترسّخت خلال عقود من الإخفاقات الإدارية والتدخلات الخارجية.
ولا يتوقف الكتاب عند حدود الداخل العثماني، بل يوسّع العدسة ليشمل البعد الدولي. فالعراق، كما يبيّن المؤلف، لم يكن ساحة صراع مذهبي فحسب، بل عقدة استراتيجية في شبكة المصالح البريطانية-الإيرانية-العثمانية. فبريطانيا، عبر سيطرتها على طرق التجارة النهرية والبحرية، وعبر علاقتها بالوجهاء المحليين والعلماء، استطاعت أن تُضعف قبضة الدولة العثمانية، في حين استخدمت إيران الروابط المذهبية والزيارات الدينية لتعزيز حضورها الناعم في المدن المقدسة. ويورد الكتاب نصوصاً من تقارير عثمانية تُحذّر صراحة من «الدعم المالي الذي يتلقاه العلماء الشيعة من الخارج»، ومن تحوّل النجف وكربلاء إلى مراكز نفوذ تتجاوز سلطة الوالي.
في سياق عربي معاصر ما زال أسير تفسيرات تبسيطية للتاريخ الطائفي، يقدّم هذا الكتاب درساً بالغ الأهمية: الطوائف لا «تنتشر» ولا «تنحسر» بفعل الدعوة الدينية وحدها، بل ضمن شروط سياسية واقتصادية واجتماعية محددة. ومن هنا فإن قراءة بكتاش لا تُغري بالاستنتاجات السهلة، بل تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في تاريخ العراق الحديث، وفي جذور انقساماته، بعيداً عن السرديات الاختزالية.
ما يميّز هذا الكتاب، في نهاية المطاف، هو أنه لا يبحث عن «مذنب» واحد، ولا يقدّم سردية تبريرية أو اتهامية. إنه عمل تاريخي يُظهر كيف يمكن لمشاريع الدولة الحديثة، حين تُطبَّق بصرامة إدارية ومن دون فهم عميق للمجتمع، أن تنتج نتائج معاكسة تماماً لأهدافها المعلنة. كما أن الترجمة العربية، بما التزمت به من أمانة ودقة، تجعل هذا العمل متاحاً للقارئ العربي بوصفه مرجعاً علمياً، لا مجرد سرد تاريخي.
إن قيمة هذا الكتاب لا تكمن فقط في موضوعه، بل في منهجيته الصارمة. فهو عمل أرشيفي في الأساس، يعتمد على قراءة دقيقة لوثائق الدولة، ويوازن بينها وبين الأدبيات الحديثة، دون الوقوع في فخ التبرير أو الإدانة. كما أن الترجمة العربية، التي أنجزها حميد الهاشمي، تُحسب لها الدقة والأمانة، ولا سيما في نقل المصطلحات الإدارية والدينية، وفي ترجمة الهوامش والمراجع، ما يجعل الكتاب إضافة حقيقية للمكتبة العربية، وسدّاً لفراغ واضح في دراسات تاريخ العراق العثماني.



















