حين تتحول الوسيلة إلى غاية – حسين الصدر

294

حين تتحول الوسيلة إلى غاية – حسين الصدر

-1-

لا نذيع سراً اذا قلنا :

ان الخشية من الله تتناسب تناسبا طردياً مع عمق المعرفة به، فكلما عظُمت مساحة العلم بالله كانت الخشية منه عظيمة وكبيرة للغاية .

ألا ترى .

أنَّ الانبياء والرسل وأولياء الله لم تستطعْ كلُّ اغراءات الدنيا ومفاتنها أنْ تجرهم للوقوع بأفخاخها ، حيث عظُم الخالقُ في أعينهم فصغرُ عندهم ما دُونَهُ.

وبالتالي فانهم لم يقعوا أُسارى حبّ المال فضلاً عن الحرص الفظيع عليه..

-2-

والمال – كما هو معلوم – ليس غايةً في نفسه ،

وانما هو وسيلة للحصول على ما يحتاجه الانسان من مستلزمات حياته،

واذا كانت ثمة أمنيات تراود أذهان معظم الناس في ثراءٍ عريض، فانّ ذلك لا يعني أنهم جميعاً أصبحوا عبيداً للصنم الرهيب .

أنّ المال يتحول الى صنم يُعبد عند فريقٍ واحد فقط، وهم اولئك الذين لا يعنيهم في الدنيا إلاّ أكتناز المال ، فهم يدورون مداره في كلَّ خطوة من خطواتهم .

انه الصنم الذي يطوفون حوله صباح مساء ، ويكفّون عن ذلك ولا يفترون .

أما العقلاء من الناس ، فضلاً عن الابرار وذوي البصائر ، فانهم يعتبرون الثروةَ نعمة من الله يجب ان يؤدوا شكرها ، وشكرها لن يكون بالقول فحسب ، بل بالقول والعمل ، ومن هنا تراهم يقيمون المشاريع النافعة ، ويتعهدون الأُسر العفيفة ، والمستضعفين والبائسين بشكل خاص ، بكل ألوان الرعاية والبر ..

-3-

وقديما خاطب الشاعر العربي عابد المال قائلاً :

أيا من عاش في الدنيا قليلاً

وأفنى العمرَ في قِيلٍ وقالِ

وأتعب نفسه فيما سيفنى

وجَمّعَ مِنْ حرامٍ او حلالِ

هَبْ الدنيا تُقاد اليك طوعاً

أليسَ مصيرُ ذلك للزوال ؟

فمن يكدح لتكديس المال واختزانه – ممن جعل المال غاية لا وسيلة –

لن يذوق طعم الراحة على الاطلاق .

-4-

وقد وقفتُ على ما كتبه رجلٌ من أصحاب الثروة الاسطورية قبل موته ، ورأيت ان انقل لكم ما قاله لاشتماله على افكار وخواطر ونصائح قد تكون مجهولة او منسية عند الكثيرين .

ومن هنا فانها تعتبر من المُنهبات المفيدة على خطل المسالك الفاسدة وبؤس الغارقين في بحار الحرص الذميم .

الملياردير ستيف جوبز مؤسس شركة (أبل) للبرمجيات،  الذي تُوفيَ بعد صراع طويل مع مرض السرطان وترك وراءه عند رحيله شركة بلغت قيمتها السوقية 700مليار دولار أمريكي وهي أغلي شركة في التاريخ ، كتب يقول :

“لقد وصلتُ لِقِمَّةِ النجاح في الأعمال التجارية.. في عيون الآخرين، حياتي كانت رمزًاً للنجاح، ومع ذلك، وبصرف النظر عن العمل، كان لدي القليل من الوقت للفرح. وأخيرًا، في النهاية ثروتي هي مجرد حقيقة أنا معتاد عليها.

في هذا الوقت، وأنا ممدد على سريري في المستشفى أتذكر حياتي الطويلة، أدرك أن جميع الجوائز والثروات التي كنت فخوراً جداً بها أصبحت ضئيلة وغير ذات معنىً مع إقتراب الموت الوشيك.

في هذا الظلام، وعندما أنظر إلى الأضواء الخضراء لمعدات التنفس الاصطناعي وأنصت لأصواتها الميكانيكية، أشعر بِنَفَسِ الموت يقترب مني.

الآن فقط أفهم بعد أن أمضيت حياةً محاولاً جمع ما يكفي من المال لبقية حياتي، أن لدينا ما يكفي من الوقت لتحقيق أهداف لا تتعلق بالثروة فقط.

يجب أن تكون أهدافنا أكثر أهمية …. ، عدم التوقف عن ملاحقة ثروة يمكن أن يجعل منك مجرد شخص منهك أو كائن آلي.

نحن كائنات يمكن أن تشعر بالحب. الحب كامن في قلب كل واحد منا، ومصيرنا يجب أن لا يكون فقط الجري وراء الأوهام التي تبنيها الشهرة أو المال الذي أفنيت من أجلهما حياتي،

ولا يمكنني أن آخذهما معي الآن.

لا يمكنني أن آخذ معي إلا الذكريات التي تَعَزَّزَتْ بالحب.

هذه هي الثروة الحقيقية التي سوف تتبعك. وسوف ترافقك،

وستعطيك القوة والضوء للمضي قدمًا وإلى الأمام.

الحب يمكن أن يسافر آلاف الأميال وهكذا تصبح الحياة لا حدود لها.

انتقل إلى حيث تريد أن تذهب. إ

اسْعَ للوصول للأهداف التي تريد تحقيقها. كل شيء كامن في قلبك ويديك.

ما هو أغلى سرير في العالم؟

إنه سرير المستشفى.

إذا كان لديك المال، يمكنك استئجار شخص لقيادة سيارتك، ولكن لا يمكنك استئجار شخص لِحَمْلِ مرضك وآلامك بدلاً عنك.

يمكن العثور على الأشياء المادية المفقودة مَهْمَا غَلَى ثمنها. ولكن هناك شيء واحد لا يمكنك أن تجده أبدا عندما ستفقده: إنه “الحياة”.

مهما كانت المرحلة التي نعيشها من مراحل حياتنا، سَنَضْطَرُّ في النهاية لمواجهة اليوم الذي سيسدل فيه الستار.

اجمع كنزك من حب عائلتك، من حب زوجتكَ أو زوجكِ، من حب أصدقائك. اعتن بنفسك جيداً واهتم بأقربائك.

كن عطوفًا وكريمًا وحليمًا مع الآخرين، فلا تدري كم من الوقت بقى لك.

مشاركة