حين إنتصر المزبّن على السيكار الكوبي – رائد فؤاد العبودي

حين إنتصر المزبّن على السيكار الكوبي – رائد فؤاد العبودي

عضَّ صدام على طرف دشداشته، ثم تسوّر حائط صفوان ، وبعقلية شقاوة ريفي لا يُفرّق بين الحدود وبين السقوط في هاوية التاريخ ، غرسَ نعلَه الثقيل في رمل الكويت.

في رأس صدام، لم تكن الكويت دولة. كانت حارةً منسيةً على أطراف قرية العوجة، زريبةً موروثةً من عشيرة المجيد، أو بئرَ نفطٍ بلا غطاء، مجهولِ المالك، يراه حلالًا للنهب… كما تُنهب أموال العراق اليوم تحت فتاوى النجف التي تغسل ذنوب الفاسدين بحيلة “مجهولية المالك”.

لم يفهم المهيب الركن ، الذي لم يؤدي الخدمة الإلزامية ، ان الكويت لم تكن مجرد دولة وحسب ، بل كانت دُرّةَ التاج الأمريكي، وسبائكَ الذهب التي تعبّد طرقات وول ستريت، وقارورةَ العسل الأسود التي تقطر زيتًا في دواليب مصانع السلاح.

كانت الكويت قصرًا أسطوريًّا من وبر الإبل، فيه ملايينُ الغرف الذهبية التي لا يسكنها إلا أميرٌ واحد، يفطر كل صباح بصحنٍ صغيرٍ من النفط، ويترك الباقي للطباخ الكاوبوي.

منحت أمريكا صدام مهلةً وهميةً للانسحاب: مسرحيةٌ مزيفةٌ تنتهي عند منتصف الليل، مثل نقطةُ شرفٍ كاذبةٌ على جبينِ هزيمةٍ وشيكة، ووعدٍ زائفٍ بالأمان يشبه قبلة يهوذا على جبين يسوع.

مهلةٌ مفخخةٌ كانت إعلانًا لانتهاء البروفات، وبدء العرض الحقيقي لفيلمٍ طال انتظاره، بعنوان: (إعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة).

وحين هدأ غبار عاصفة الصحراء، تجلّى المشهد سرياليًّا بامتياز:

صدام متجهًا إلى خيمة صفوان ليوقّع على كل شيء بـ”نعمٍ” واحدة، باردة، بلا شروط.

وخلفه يسير رَتْلٌ من الجنائز الفولاذية الصامتة : دباباتٌ عُجِنَ حديدُها بعظام أولاد الخايبة، وقد كُتب عليها: (تي 72 – صُنعت في أوكرانيا).

انطفأ اسم العراق من نشرات الأخبار، وعاد العالم للاهتمام بمهرجانات الأزياء، وأفلام “كان”، وهدّافي المونديال.

وبقينا نحن نستيقظ كل صباح على غبار العار والخيبة.

الوطنُ كلّه تحوّل إلى جسدٍ مشلول، تفوح منه رائحةُ عرق صدام. وأعمدةُ شارع الرشيد صارت أشبه بأسنانٍ مكسورةٍ في فم المدينة، وعليها بقايا ورقٍ ممزق، تحمل قصائدَ حسين مردن، مذيلةً ببصمات الذين هجروا مقهى البرازيلية، واستقرّوا في الساحة الهاشمية.

أما أنا، فكنت أبدأ رحلتي اليومية المقدسة، برفقة البطالة والإفلاس، من ساحة الميدان إلى نصب الحرية مشياً على الأقدام ، ثم العودة الى الميدان مرة أخرى مشيًا على دبق رصيف شارع الرشيد.

أُدخّنُ، بكبرياء، سجائر (المزبن) التي ما فارقت جيبي، وأُرتِّلُ لعناتي على صدام، ومن خلفي يُردد كلُّ المشردين والمدمنين النبلاء في ساحة الميدان : آمين آمين .