حينما يتأرّق النمل

قصة قصيرة

حينما يتأرّق النمل

علي الجنابي

– عفواً سيدي، هلّا من دواءٍ عندكَ يَنفعُ مع داءِ أرقٍ على خافقي قد لَبَس وكَبَس؟

– أرق! ما أسمُكِ يا نملتي المُتَأرِّقَة، وما حاجتكِ لدواءٍ من أرقٍ فيكِ قد إرتكَس؟ وقد تعلمينَ  أنّ الأرقَ (إكذوبةٌ) وأنه لا يؤرِّقُ نبضَ خافقٍ  إلا خافقاً واهناً في الجهالة قد إنتكسَ، وأمرُهُ عليهِ قد إلتَبَس؟

– أسمي (بَنَّو) وأنا نملةٌ صَبيّةَ، وحالمةٌ وقومي يَدَّعُونَ أنّي متمردةٌ وشقيّة، ولم أكُ بينهم لطرفةِ عينٍ في عَيشي رَضيّة، وأستنكفُ إحتِماءً بنملِ قبيلتنا العَليّة، وأستَلطِفُ إختباءً بين خيلِ قصورِكمُ البهيّة، وأَستَعطِفُ إنتماءً لمملكةٍ بشريّة، وإحتذاءً، بل نَسْخَاً الى فتاةٍ آدمية، ليس لرغبة في جنسِكم، بل لهَوَسٍ في قصورٍ غنيّة، وفي كثيرٍ من أحلامٍ وأمانيَّ، وما تمتلكُهُ سيداتُكم من زُخرُفٍ ومن قلائد هنيّة، وحين عثر الحمقى على كسرةِأحمرِ شِفاهٍ في حُجرتي أثناءَ إدامةٍ لهم يوميّة، حسبوها خطيئَة كبرى تَخَطَّت  كلَّ صّفحٍ وعفوٍ في أعرافِنا القَبَليّة؟

-هَوناً (بَنُّو) فالأمرُ ليس أمر كنوزٍ وقَصرٍ وصَقْرٍ قائمٍ في  مدخلِ الصالة بإنتصاب، ولا أمر قَصرٍ على رقصٍ لعُراةٍ في جزيرةٍ بلا أثواب، ولا أمر أحمر شفاهٍ، ولا أمر هجرانٍ لأبوابِ الحِكمةِ وفصل الخطابِ، ولا سخرية من نقابٍ و هزوٍ من تعففٍ وحِجابِ، بل الأمرُ عظيمٌ مُتعاظِم الأسباب، إنّه يا (بَنُّو) أمرُ خِلافةٍ مُطلَقةٍ في الأرضِ دون عِتابٍ مِن المستخلفِ أو إستجواب، أمانةُ تكليفٍ دونَ جَبرٍ ولا سيفٍ مُسَلَّطٍ على الرقاب، وأنتم (يا بَنّو) قد فرَرتم من الأمانةِ و الأختبار ومن الأنتخاب، وكُلٌّ على ظهرها قد فرَّ وما أناب، والسمواتُ فررنَ، والأرضُ والجبالُ فررنَ وأبَينَ الحملَ والإنتداب، وقد بيَّنَ الرَّبُّ ذلكَ في سورةِ  إسمها ” الأحزاب،وإنما أنتم حزبٌ من أولئكَ الأحزاب، وما خلا أبن آدمَ فكلُّ ما على ظهرها همُ أحزابٌ وشيعٌ مستنفرة من أولئك الأحزاب، أبيتمُ الحملَ وحملنَاها نحنُ رغبةً بإنتدابٍ، لا رهبةً من إنتساب، طَوعاً بإنسياب لا كَرْهاً بإستقطاب، ثمّ إنّ قليلاً مِنّا يا (بَنُّو) من أدَّى الأمانةَ فتَبارَكَ بها، وما قَلَّتْ أموالُهُ بإقتضاب ، بل قد ذُلِّلَت له ميادين الصعاب، وما ضَلَّت أحوالُهُ، بل كُلَّلَتْ له رياحين الصّواب، و إنّ أكثرَنا تعجّلَ المتعَ والمتاعَ وضربَ صفحاً بالأسباب، فأجَّلَ عن السؤالِ الجوابَ، فكانَ لسؤالِ الأمانةِ خائناً بغلوٍ وألقى معاذيرَه بإطناب، والخونةِ منّا يا (بَنُّو) على موعدٍ مع شَرّ مآب، وَحيث ُ( الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) وإنّ المستخلِفَ لسريعُ الحساب، وسيجمعُ الأولينَ والأخرينَ وما ستلدُ الأرحامُ في قادم الأحقاب، على مائدةٍ من ثواب، أو على وائِدةٍ من عقاب، وسيعلمُ أبنُ آدم أنّ أحزانَ الزمانِ كلُّها ما كانت لتعدل ذبذبةً في سراب، وميزانَ المكانِ كله ما كانت لتعدل قَبْقَبةً في قَبقَاب، لكنَّكم يا (بَنُّو) في حِلِّ من تلك الحسرةِ ومن ذاكَ الحسابِ، وستُمسونَ تراباً بعد الموتِ فلا عقاب ولا تَباب. إنَّما نفسُ أبن آدم – يا جميلتي يا ذا أرقٍ- متماوجةٌ في أربعةِ عوالمِ، أُنِيطَ لنا منها بعالمٍ واحدٍ ظاهرٍ معلومٍ، وذاك عالَمٌ ملموسٌ والنّفسُ فيهِ مُتَقَلِّبةٌ في كبدٍ وهموم، وثلاثة عوالمٍ أحيطَت ببرزخٍ باطنٍ قاهرٍ مَخْتُوم، عَالَمُ أجنةٍ قد مضى، وعالَمُ برزخٍ سيُقضى ليُفضى لعالَمٍ أبديُّ مقضيُّ مَرقوم. تلكَ عوالمٌ غُلِّفَت بغيبٍ مطلقٍ مُحكَمٍ مَكتوم، فلا تعلمُ نفسٌ شيئاً كيف كانت خلجاتُها إذ هي جنينٌ، وكيف ستكونُ مُخرجاتُها والأنين في عَالَمٍ قادمٍ مَعصوم. عوالمٌ ثلاثةٌ النّفسُ لا تُلقي لها بالاً، وغيرَ ذي شأنٍ عندها مَفهوم، لأنّها جُبِلَت على أن تُقَيّدَ مُتَعَها ومَتاعَها بِقيّدِ يومٍ مُجَسَّمٍ موسوم، تعيشُهُ ما بين شروقِ بازغٍ مرسومٍ، وغروبٍ مُقَدرٍ مَحتوم ومَبرُوم، وتشتغلُ في جَمعِ مُتعٍ من عَصير برتقالٍ يَعبُرُ البلعوم، أو مصيرٍ يقبرُ الفقرَ بظلالٍ من ثراءٍ مَدعوم، أو شطيرةِ لحمٍ تسبرُ الحلقوم، أو أميرةِ تجبرُ الخاطرَ بجاهٍ مُتَوَسَّمٍ مزعوم. إنَّها النّفسُ التي أستلطَفَت دورانَها في فلكِ عالَمٍ ملموسٍ ومفهوم، تحسُّهُ وتلمسُهُ، أو خُيِّل إليها أنّها تفهمُهُ فتَعْلمُهُ، فَرَكنَت إليهِ بفَمٍ أبكمٍ مَكموم، و فَصَلت بَينها وبينَ عوالمِها الثلاثةِ بِبَرزخٍ مُبهمٍ مَلغوم.مهلاً (بَنُّو)! فلرُبَما تكونُ النفسُ قد دَنَتْ ذاتَ مرّةٍ، فدَلَّتْ بدلوِها لكشفِ بئرِ تلكَ العوالمِ، فَتَرَينَها قد كَلَّتْ فَمَلَّتْ فَوَلَّت هاربةً بَسَأمٍ مذموم؟ ولَرُبَما قد حَلَّتْ عندَ البئرِ كرةً أخرى، فَغَلَّتْ في غياهِبِهِ، فَمَلَّتْ فَضَلَّتْ، فَكَرَّتْ عَوداً لعالَمِها المَقسوم، فإستسلمَت فنَفَتِ الغيبَ وحَفَت فَغَفَت عند مائهِ، رغمَ أنّهُ ماءٌ مُتَبَخِّرٌ زائلٌ مأثوم، أمَدُهُ في سجلِّ الزّمانِ يومٌ أو بعضُ يومٍ، إغفاءةٌ من نوم، ما بين آهاتِ شهيقٍ مهضومٍ، وواهاتِ زفيرٍ مظلوم.ذاكَ هو بئرُ عالَمِها، بئرٌ ترتيبُهُ الثاني في متواليةِ آبارٍ أربعة، وذاكَ ترتيبٌ ظاهِرٌ غيرُ معدوم. آبارٌ كأنّها أستحوذَت لنفسِها قمّةَ الأرقام: “تسعةً” وذاك رقمٌ مُكَرَّم محشوم: فتسعةُ أشهرٍ عُمُر النفسِ قَبيلَ مهدِها، فتسعونَ عامٍ عُمُرها قبيلَ لحدِها، فتسعةٌ بعدَ اللحدِ وبأصفارٍ مجهولٍ عددها، لكنّهُ مُحَدّدٌ ملزوم، ثم تأتي تسعةُ الختامِ التي تَفَتَّحَت نوافذِ أصفارِها شطرَ بحرٍ سرمديٍّ، في عُمُرٍ أبديّ رغيدٍ أو لعلّهُ مَغموم. ترتيبٌ تَتضاعفُ آمادُ أصفارِ تسعتهِ بتعجيلٍ رهيبٍ مُقَدَّرٍ محسوم.. – لرُبَّما يا سيدي سأحملُ الأمانةَ كما حَمَلَها حضرتُك الأوّاب، ولن أنبذَها وراءَ ظهري كما فَعَلَ -ولا مؤاخدةً- كثيرٌ من جنسِكُم مُرتاب؟ (أوّاب)! ومَن أدراكِ أنّي أوّابٌ ولها حاملٌ بترحاب؟ بل ياليتني كنتُ ذرةً من تراب. قد سَبَقناكِ نحنُ في ذاتِ القولِ في غابرِ الأحقاب، حينما كُنّا في عالمِ الذرِ في الأصلاب، لمّا أشهدَنا ربُّنا على أنفسِنا؛ ألستُ بِربِّكم؟ فقُلنا: بلى، ثم نُكِسنا على رؤوسِنا بتَغطرسٍ وإعجاب، وإذ بكلٍّ منّا لربِّ السمواتِ والأرض خَصيم مُبينٌ ومُسرِفٌ كذّاب. أفلا تَرَينَ يا (بَنُّو) إبنَ آدم وكيفَ يجادلُ بآيات اللهِ العزيزِ الوهّاب، عالمِ الغيبِ والشهادةِ سبحانَهُ وإذ هو الآن يسمعُ ويَرى همسي وإيّاكِ، وما نحنُ فيهِ من حالٍ ضَباب.– نعم سيدي، وَضَحَ الأمرُ الآنَ، وأحمَدُ اللهَ ربّي أن فَطَرني نملةً، وعلى الأقلِّ لم يجعلني قملةً، تَتَطَفَّلُ على رؤوسِ صبيةِ لاهينَ في ريفٍ على كُثَيِّبِ رَملة. وإنّي أستغفرُ اللهَ ربَّ كلِّ نملة، ربِّي ورَبَّ الدّجاج ورَبَّ النخلة، وهو العليمُ بما نَدِّخِرُ من مؤونةٍ في بطونِ حُجُراتِنا ويعلمُ مقدارَ الشَّرابِ في بطنِ كلِّ نحلة، ويعلمُ متى أنتَ تُشعِلُ السيجارَ ومتى تَسعلُ السَّعلة، وأعوذُ به من سَخَطِهِ، وأسألُهُ ألّا يُسلّطُ عليَّ عدوّاً من سوءِ فِعلة، سواءً أكانَ عُصفوراً، أم دِيكاً، أم كانت دجاجةً مُتَجحفِلةً مع أفراخِها يبغونَ غداءً من أفخاذِ نملة.

إنّهُ سبحانَهُ قدّرَ فكالَ بموازين القِسط كَيلَه.

مشاركة