حينما تكون دموع الشاعر هويته – إبراهيم العاتي

597

حينما تكون دموع الشاعر هويته – إبراهيم العاتي

لم تكن حياة الانبياء المرسلين والائمة الهداة الميامين، والاولياء المصلحين الصالحين، مفروشة بالورود والرياحين، وإنما كانت محفوفة بالمخاطر والمعاناة والتغرب في كل آن وفي كل حين! مع وجود تفاوت في حجم تلك المعاناة، ولكن يبقى خاتم الانبياء المصطفى محمد (ص) وعترته الطاهرة (ع) هم من نالوا النصيب الاكبر من الاذى والمعاناة على مر العصور. فمنذ اليوم الاول للدعوة التي صدع بها رسول الله (ص) ناصبته قريش العداء، وحاولت ثنيه عما امره به الله سبحانه بشتى الوسائل: من التسفيه والايذاء المعنوي الى الايذاء الجسدي، فالحصار والتجويع، ومحاولة قتله الفاشلة، وهجرته، وغير ذلك مما هو مدوّن في سيرة النبي الاكرم محمد (ص).

ولما عجزت عن الوصول النبي المصطفى (ص) في حياته، افرغت احقادها على اهل بيته بعد مماته، وخصوصا ما جرى على الامام الحسين (ع) من اجرام وانتهاك للحرمات، ذاك الذي يجعل كل من يتناول استشهاد الامام الحسين (ع) يبقى مكلوماً مصدوماً، ولا يكف عن التساؤل: كيف تمكن هؤلاء الاشرار من تنفيذ جريمتهم في غفلة من الزمن ضد انسان تكلله القداسة والمهابة والعلم ومكارم الاخلاق من كل جانب، ولان النبي (ص) صرح امام الجميع بتلك المنزلة، مثل قوله (ص): (حسين مني وانا من حسين)؟

وتبقى سحائب الحزن تسد منافذ الأفق لتنهمر الدموع بدون استئئذان، وتكون الحبر الذي سيكتب به سماحة العلامة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر – دام حفظه- أشعاره عن الامام الحسين (ع)، وضمنها كتابه او ديوانه القيّم (دموعي على الحسين…هويتي) الذي وصلني مع  عدد اخر من  مؤلفاته،هدية ثمينة من سماحته اعتز بها. وقد ضم الكتاب  مقالات عدة نشرها في الصحف العراقية عالج فيها بعض المشكلات التي تثار حول مظاهر الحزن في مثل هذه الايام من كل عام، والبكاء كلما ذكرت واقعة الطف ومصارع الشهداء من ال بيت الرسول (ص)، فيعزز  نثره بامثلة من شعره كما يشرح شعره بجوانب من نثره، فتحار من أي معين تغترف ومن اي نبع تبترد!! لأن مقالات السيد الصدر هي نوع من النثر الفني القريب في صوره من الشعر، ولذا فاننا نشير اليها عَرضا، لأننا سنركز في هذا العرض التحليلي على الشعر.

ونقتطف مما ذكرناه مثالا في قوله: (اذا كانت اخبار الحوادث والوقائع تكتب بالحبر فان واقعة الطف كتبتها دموع المحبين الاحرار على مدى الاعصار وفي شتى البقاع والامصار) (1).ويستشهد على ذلك ببيتين من نظمه يقول فيهما:

اقرأوا في عيوننا (قصة الطفّ)

وخير الرواة دمع هتونُ

واذا ما كشفتمُ حبة القلب

رأيتمْ اين الحسينُ يكونُ (2)

*

واذا استغرب البعض من موضوع البكاء على الامام الشهيد، فان الشاعر يذكرهم بأن أول من بكى الحسين هو جده المصطفى (ص)، بكاه قبل مصرعه، فكيف لا نبكيه بعد مصرعه اقتداء بالرسول العظيم (ص)؟. وللشاعر رباعية بهذا المعنى، يقول فيها:

بكاك جدك (طه)

قبل الشهادة حزنا

وليس بدعا اذا ما

قد رقّ قلبا وعينا

فأنت منه ائتلاقٌ

يشعّ هديا وحسنا

رسالة الله عادتْ

بفيض نحرك  تُبنى (3)

*

لكن الجانب المأساوي الذي يحرك الشعور والعاطفة الانسانية، ليس هو البعد الوحيد للنهضة الحسينية، بل هناك ابعاد أخرى، كالبعد البطولي والبعد الاصلاحي وغير ذلك. أما البطولة فقد ضرب فيها ابو الشهداء المثل الاعلى في الصمود والثبات على المبدأ ولو أدى ذلك الى استشهاده مع ابنائه وارحامه واصحابه، وسبي عياله، على ان يؤخذ ذليلا لابن زياد او يزيد، فكان آية من آيات الحرية والإباء والشجاعة على مر العصور، يقول السيد الصدر:

لله درّك يا ابا الاحرارِ

يا من غدا انشودة الثوار

منعوك من ماء الفرات وما دروا

ان البطولة فيك نهر جاري

ظامٍ تقاتلهم وهم في خشيةٍ

كبرى مخافة سيفك البتارِ!(4)

*

وهكذا تتدفق الصور والمعاني باسلوب العلامة السيد الصدر (السهل الممتنع)، لترسم لنا لوحة أدبية راقية عن مشهد يوم كربلاء الدامي، يستطيع الشاعر من خلالها ايصال الرسالة الحسينية الى عقول وقلوب اكبر عدد من الناس المختلفين في مستوياتهم الثقافية، وفي اتجاهاتهم الفكرية والمذهبية، وحسبه هذا الانجاز .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 1-السيد حسين السيد محمد هادي الصدر: دموعي على الحسـين…هويتي، ص17 ط1 بغداد 2020م.

 2-المصدر نفسه، ص17.

 3-نفسه، ص 19.

 4-نفسه، ص 69.

مشاركة