حياة فازت بأوسكار السنة-علي السوداني

1148

حاولتُ‭ ‬كثيراً‭ ‬تدجيج‭ ‬القصة‭ ‬بمصطلحات‭ ‬نقدية‭ ‬فنية‭ ‬ممكنة‭ ‬لفلم‭ ‬ممتع‭ ‬حصد‭ ‬أهم‭ ‬جوائز‭ ‬الأوسكار‭ ‬العالمي‭ ‬،‭ ‬لكنني‭ ‬فشلتُ‭ ‬مثل‭ ‬تلميذٍ‭ ‬غضٍّ‭ ‬يكره‭ ‬معلّم‭ ‬درس‭ ‬الحساب‭ ‬وعصاه‭ ‬ذات‭ ‬الفقار‭ ‬الكثيرة‭ .‬

كائن‭ ‬بديع‭ ‬واحد‭ ‬اتكأ‭ ‬عليه‭ ‬هذا‭ ‬الشريط‭ ‬المدهش‭ ‬الذي‭ ‬شال‭ ‬اسم‭ ‬أرض‭ ‬الرحّالة‭ . ‬

هي‭ ‬الممثلة‭ ‬المذهلة‭ ‬فرانسيس‭ ‬ماكدورماند‭ ‬،‭ ‬أما‭ ‬الباقون‭ ‬فثانويون‭ ‬تماماً‭ ‬لكنهم‭ ‬رائعون‭ .‬

سأجمّل‭ ‬أحزان‭ ‬الفلم‭ ‬وأسميها‭ ‬أشجاناً‭ ‬لذيذة‭ ‬،‭ ‬وتلك‭ ‬إحدى‭ ‬الحيل‭ ‬التي‭ ‬ألجأ‭ ‬إليها‭ ‬لعلاج‭ ‬بعض‭ ‬أعطاب‭ ‬الروح‭ .‬

فاقدو‭ ‬أمل‭ ‬ومحبطون‭ ‬ومرضى‭ ‬ومفلسون‭ ‬وصعاليك‭ ‬خسروا‭ ‬أعمالهم‭ ‬ومدخراتهم‭ ‬وعائلاتهم‭ ‬فهاموا‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬يباب‭ ‬لا‭ ‬زرع‭ ‬فيها‭ ‬ولا‭ ‬نهر‭ ‬ولا‭ ‬طير‭ ‬،‭ ‬ومساكنهم‭ ‬سيارات‭ ‬ضيقة‭ ‬تم‭ ‬تحويرها‭ ‬وتعديلها‭ ‬فصارت‭ ‬بيوتاً‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬مخيالهم‭ ‬وقلوبهم‭ ‬وربما‭ ‬أوهامهم‭ .‬

لم‭ ‬تحدث‭ ‬عملية‭ ‬قتل‭ ‬واحدة‭ ‬ولا‭ ‬صفقة‭ ‬مخدرات‭ ‬ولم‭ ‬يظهر‭ ‬بطلٌ‭ ‬يضرب‭ ‬التراب‭ ‬بعصاه‭ ‬فتظهر‭ ‬نافورة‭ ‬نفط‭ ‬أو‭ ‬منجم‭ ‬ذهب‭ ‬أو‭ ‬شتلة‭ ‬عنب‭ ‬تتوالد‭ ‬فتصير‭ ‬بستان‭ ‬كرم‭ ‬شاسع‭ ‬وأغنيات‭ ‬موسم‭ ‬حصاد‭ ‬ونبيذ‭ ‬بكر‭ ‬يسوره‭ ‬المشردون‭ ‬المفلسون‭ ‬ويسكرون‭ ‬ويرقصون‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬الحطب‭ ‬والعيون‭ ‬الدامعة‭ .‬

ستينيون‭ ‬وسبعينيون‭ ‬أحسنهم‭ ‬حظاً‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬تدبّر‭ ‬سطل‭ ‬ماء‭ ‬نظف‭ ‬به‭ ‬بعض‭ ‬أجزاء‭ ‬جسده‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬يكاد‭ ‬الناظر‭ ‬إليهم‭ ‬يشمّ‭ ‬عفن‭ ‬أجسامهم‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون‭ .‬

أحببت‭ ‬الأداء‭ ‬الإستثنائي‭ ‬للبطلة‭ ‬فرانسيس‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬أكرهها‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬ظهرت‭ ‬بمشهد‭ ‬مقزز‭ ‬حقاً‭ ‬،‭ ‬وهي‭ ‬جالسة‭ ‬تتغوط‭ ‬بمقعد‭ ‬مرحاض‭ ‬افتراضي‭ ‬داخل‭ ‬سيارتها‭ ‬الصغيرة‭ ‬المحورة‭ ‬الى‭ ‬كرفان‭ ‬بحجم‭ ‬زنزانة‭ . ‬كانت‭ ‬تحاول‭ ‬استعمال‭ ‬منديل‭ ‬ورقي‭ ‬،‭ ‬وكانت‭ ‬مائدة‭ ‬طعامها‭ ‬ملاصقة‭ ‬للمرحاض‭ ‬الجوال‭ ‬أو‭ ‬حفرة‭ ‬التنك‭ .‬

يتجمع‭ ‬المشردون‭ ‬ليلاً‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬دائرة‭ ‬بمركزها‭ ‬موقد‭ ‬خشب‭ ‬مشتعل‭ ‬،‭ ‬ويبدأ‭ ‬كل‭ ‬واحد‭ ‬منهم‭ ‬بسرد‭ ‬قصته‭ ‬والأسباب‭ ‬التي‭ ‬دفعته‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬الموحشة‭ ‬الفقيرة‭ .‬

أمراض‭ ‬كثيرة‭ ‬تستوطن‭ ‬هذه‭ ‬الأجساد‭ ‬البائسة‭ ‬اليائسة‭ ‬،‭ ‬وزعيم‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬سانتا‭ ‬كلوز‭ ‬الحميم‭ ‬ما‭ ‬انفك‭ ‬يحدثهم‭ ‬عن‭ ‬الحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬والتطهر‭ ‬والانعتاق‭ ‬من‭ ‬سطوة‭ ‬الآلة‭ ‬وسلطة‭ ‬العمل‭ ‬وقوة‭ ‬الإجابة‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬المصير‭ . ‬التكافل‭ ‬والتكاتف‭ ‬كان‭ ‬مصدهم‭ ‬وساترهم‭ ‬،‭ ‬فهم‭ ‬يتقاسمون‭ ‬الطعام‭ ‬القليل‭ ‬والدواء‭ ‬الممكن‭ ‬وصولاً‭ ‬الى‭ ‬السجائر‭ ‬وأعقابها‭ . ‬لقد‭ ‬ذكّروني‭ ‬كثيراً‭ ‬بصعاليك‭ ‬الأدب‭ ‬والفن‭ ‬،‭ ‬وكانوا‭ ‬نبلاء‭ ‬وصبورين‭ ‬في‭ ‬تأويل‭ ‬وتجميل‭ ‬حيواتهم‭ ‬الإكراهية‭ ‬،‭ ‬حيث‭ ‬الفك‭ ‬الرأسمالي‭ ‬المتوحش‭ ‬ظلَّ‭ ‬يطاردهم‭ ‬حتى‭ ‬النهاية‭ .‬

مشاركة