
هناك العديد من المصادر التي تغذي روح الإنسان وفكره وتساهم في بناء وجدانه وعاطفته، وبالتالي تعمل على التأثير في قناعاته ومواقفه وردود فعله وسلوكياته.
يولد الإنسان، في العادة، في كنف أسرة يرضع في حليبها كثيراً من مكونات نظرته للحياة وقيمها وعادات عيشها. هذا الطفل يبدأ نموه في حارة ومدرسة وبيت عبادة ويكملها بين أرجاء جدران مجتمعه.
كثير منا يحمل أسماءً تعبر عن انتماءات أو فخر أو تقديسات “مبرمجة” في تشكيل وعيه الباطن. وهذا ما ينعكس ربما في القول الشائع: لكل إمرىء من اسمه نصيب!
وهكذا يلعب الفن بأشكاله المتنوعة دوره كذلك في تشكيل وعي الإنسان من خلال ما ينقله من معرفة وما يبثه من إيحاءات ومؤثرات جمالية سمعية وبصرية وإثارات عاطفية ووجدانية.
وهنا لا بد من الإشارة الى دور صناعة سينما هوليود مثلاً في تكريس صور تاريخية في أذهان ملايين الملايين من المشاهدين على مدى عقود الزمن الماضية، متفوقة بذلك في تأثيرها أحياناً كثيرة على مئات الكتب والمناهج التربوية.
وعليه فإنه من الغريب أن يستغرب ويستهجن البعض دور الفن في تبني اتجاه فكري أو معرفي معين بدعوى أنه لا ينبغي له أن تكون له علاقة بدور الفن، وكأن من يصنع الأعمال الفنية من كتاب ومخرجين وممثلين ومنتجين هم من الملائكة والرسل المنزهين والمعصومين!
نعم، إنه من الجميل أن نستمع الى كل من وما يدعو إلى عدم إثارة الفتن من خلال التطرق الى قضايا وشخصيات جدلية. بيد أننا عند نتحرى عن من يقف وراء هذه الدعوات هم، في الغالب، ممن لا تميل كفة الأعمال الدرامية الى صفه، انتماءً أو موقفاً.
اننا ازاء عقد تاريخية كانت قد فعلت فعلها في حفر خنادق متناحرة في صفوفنا، وباتت تشكل تقيحات في عقولنا ونفوسنا، يخزها من يستفيد من طفحها بين الفينة والأخرى، ومن يتبناها من قيادات ومرجعيات سياسية وروحية وقومية.
انه ليس من الصحيح أننا نبقى نتستر على أخطاء وتجهيل يحافظ على جدران خنادق خلافاتنا. بيد أننا يجب أن نمتلك مهارة الطبيب الجراح وطهارة مبضعه في التعامل مع هذه الإشكالية!
برلين، 08.03.2025



















