حول‭ ‬دور‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬الدراما‭ ‬التاريخية- د.نزار محمود

هناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المصادر‭ ‬التي‭ ‬تغذي‭ ‬روح‭ ‬الإنسان‭ ‬وفكره‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وجدانه‭ ‬وعاطفته،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬قناعاته‭ ‬ومواقفه‭ ‬وردود‭ ‬فعله‭ ‬وسلوكياته‭.‬

يولد‭ ‬الإنسان،‭ ‬في‭ ‬العادة،‭ ‬في‭ ‬كنف‭ ‬أسرة‭ ‬يرضع‭ ‬في‭ ‬حليبها‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬مكونات‭ ‬نظرته‭ ‬للحياة‭ ‬وقيمها‭ ‬وعادات‭ ‬عيشها‭. ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬يبدأ‭ ‬نموه‭ ‬في‭ ‬حارة‭ ‬ومدرسة‭ ‬وبيت‭ ‬عبادة‭  ‬ويكملها‭ ‬بين‭ ‬أرجاء‭ ‬جدران‭ ‬مجتمعه‭.‬

كثير‭ ‬منا‭ ‬يحمل‭ ‬أسماءً‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬انتماءات‭ ‬أو‭ ‬فخر‭ ‬أو‭ ‬تقديسات‭ ‬“مبرمجة”‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعيه‭ ‬الباطن‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬ربما‭ ‬في‭ ‬القول‭ ‬الشائع‭: ‬لكل‭ ‬إمرىء‭ ‬من‭ ‬اسمه‭ ‬نصيب‭!‬

وهكذا‭ ‬يلعب‭ ‬الفن‭ ‬بأشكاله‭ ‬المتنوعة‭ ‬دوره‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعي‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬ينقله‭ ‬من‭ ‬معرفة‭ ‬وما‭ ‬يبثه‭ ‬من‭ ‬إيحاءات‭ ‬ومؤثرات‭ ‬جمالية‭ ‬سمعية‭ ‬وبصرية‭ ‬وإثارات‭ ‬عاطفية‭ ‬ووجدانية‭.‬

وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬الى‭ ‬دور‭ ‬صناعة‭ ‬سينما‭ ‬هوليود‭ ‬مثلاً‭  ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬صور‭ ‬تاريخية‭ ‬في‭ ‬أذهان‭ ‬ملايين‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المشاهدين‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬الزمن‭ ‬الماضية،‭ ‬متفوقة‭ ‬بذلك‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬أحياناً‭ ‬كثيرة‭ ‬على‭ ‬مئات‭ ‬الكتب‭ ‬والمناهج‭ ‬التربوية‭.‬

وعليه‭ ‬فإنه‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬يستغرب‭ ‬ويستهجن‭ ‬البعض‭ ‬دور‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬اتجاه‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬معرفي‭ ‬معين‭ ‬بدعوى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬له‭ ‬علاقة‭ ‬بدور‭ ‬الفن،‭ ‬وكأن‭ ‬من‭ ‬يصنع‭ ‬الأعمال‭ ‬الفنية‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬ومخرجين‭ ‬وممثلين‭ ‬ومنتجين‭ ‬هم‭ ‬من‭ ‬الملائكة‭ ‬والرسل‭ ‬المنزهين‭ ‬والمعصومين‭!‬

نعم،‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الجميل‭ ‬أن‭ ‬نستمع‭ ‬الى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬وما‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬إثارة‭ ‬الفتن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التطرق‭ ‬الى‭ ‬قضايا‭ ‬وشخصيات‭ ‬جدلية‭. ‬بيد‭ ‬أننا‭ ‬عند‭ ‬نتحرى‭ ‬عن‭ ‬من‭ ‬يقف‭ ‬وراء‭ ‬هذه‭ ‬الدعوات‭ ‬هم،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬ممن‭ ‬لا‭ ‬تميل‭ ‬كفة‭ ‬الأعمال‭ ‬الدرامية‭ ‬الى‭ ‬صفه،‭ ‬انتماءً‭ ‬أو‭ ‬موقفاً‭.‬

اننا‭ ‬ازاء‭ ‬عقد‭ ‬تاريخية‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬فعلت‭ ‬فعلها‭ ‬في‭ ‬حفر‭ ‬خنادق‭ ‬متناحرة‭ ‬في‭ ‬صفوفنا،‭ ‬وباتت‭ ‬تشكل‭ ‬تقيحات‭ ‬في‭ ‬عقولنا‭ ‬ونفوسنا،‭ ‬يخزها‭ ‬من‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬طفحها‭ ‬بين‭ ‬الفينة‭ ‬والأخرى،‭ ‬ومن‭ ‬يتبناها‭ ‬من‭ ‬قيادات‭ ‬ومرجعيات‭ ‬سياسية‭ ‬وروحية‭ ‬وقومية‭.‬

انه‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الصحيح‭ ‬أننا‭ ‬نبقى‭ ‬نتستر‭ ‬على‭ ‬أخطاء‭ ‬وتجهيل‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬خنادق‭ ‬خلافاتنا‭. ‬بيد‭ ‬أننا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نمتلك‭ ‬مهارة‭ ‬الطبيب‭ ‬الجراح‭ ‬وطهارة‭ ‬مبضعه‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭!‬

برلين،‭ ‬08‭.‬03‭.‬2025