حولان وعوران –  محمد علي شاحوذ

حولان وعوران –  محمد علي شاحوذ

ورثت اثنين من الامراض التي انتقلت لي عبر الجينات ولله الحمد على كل حال, اولهما  هشاشة في عظامي, وثانيهما الحول المستتر الذي اصاب عينيَ, وبمرور الزمن صرت اتأقلم مع هذه العلل واتجنب كل ما من شأنه تفاقم حالة المرضين عندي, فصرت اتجنب ممارسة أي رياضة عنيفة قد تؤدي الى تعرض عظامي الى الكسر خاصة واني عانيت من كسور سابقة في الصغر, ولكن معاناتي الكبيرة والحقيقية التي حاولت جاهدا ان اخفيها هي معاناتي مع الحول المستتر او الخفي ( Heterophoria), وسبحان الله العظيم ما ان يبدأ أحدهم بالكذب عليَ حتى يتغير الحول المستتر الى حول مفضوح إذ  تروح عَيْنَاي تَنْظُرَانِ فِي اتِّجَاهَيْنِ مختلفين فِي آنٍ وَاحِد!!. وبالتأكيد صار من الضروري جدا ان اتجنب اللقاء مع  كل كَذَّابٌ أَشِر, من الذين أحفظ اسمائهم عن ظهر قلب, ورحت اسلك أي طريق لا يجمعني بأي منهم حفاظا على سلامة عيوني وسرية مرضي, ولكن في كثير من المرات اتعرض للإحراج وافشل في التملص من لقاءهم, وأجد نفسي مضطرا لسماع كذبهم الرخيص وهنا تحدث الكارثة فما هي الا لحظات حتى أجد عيني وقد اِحْوَلَّتِا مع ازدواجية في الرؤية (Double vision),مصحوبا بصداع قوي في الرأس, وكلما كانت الكذبة التي تسقط على رأسي كبيرة ومركزة كلما تأخرت قدرتي في استعادة الوضع الطبيعي لعيوني!!.   ومع تكرار هذه الحالة اصاب الاجهاد كلتا عيني وصرت أخاف أن تتعقد حالتي, ولذلك عزلت نفسي تماما في البيت فلا اخرج للشارع الا للضرورة القصوى, , وبسبب عزلتي صار التلفزيون متعتي الوحيدة, ورحت اتابع كل ما يعرض من برامج, ولم اكن اتوقع ان الاسوأ كان بانتظاري!!, فما ان اتفرج في شاشة التلفاز على برنامج يظهر فيه أحد المسؤولين حتى أحس باضطراب وتشوش في بصري, وحرقة في عيوني, عندها اذهب مهرولا الى المرآة لأتفقدهما فأجد احدى عيني وقد اِعْوَرَّت,  وصرت رجلا أعورا, وهنا تهزني المفاجأة فأعود مسرعا  كالبرق لإطفاء التلفاز فتعود عيني الى طبيعتها الاولى بعد برهة من الوقت!!.عندها قررت التوجه الى اقرب عيادة لطبيب العيون خوفا من ان يذهب بصري دون رجعة, وفورا دلفت لغرفة الفحص المزدحمة بالمرضى بعدما عانيت مع سكرتيرة الطبيب التي كانت تخفي عينيها خلف نظارات سود, وقد اجبرتني على البقاء طويلا في قائمة الانتظار حتى ادخلتني, ورحت ألوم  نفسي كوني لم اتعرف اليها من قبل حتى اضمن دخولي مبكرا دونما تأخير!!, ولكن هناك ما لفت انتباهي وهوان كل الموجودين من المراجعين في صالة انتظار الطبيب كانوا  أما حولان او عوران وهم يحدقون بأنظارهم صوب شاشة التلفاز الكبيرة التي يظهر فيها وجه ضخم لأحد المسؤولين وهو يتحدث عن منجزاته الكبيرة في البلاد, ولا اخفي سرا انني شعرت بالراحة لما رأيت الجميع مصاب بنفس علتي, غير ان ما اصابني بالذهول وانا تحت يدي الطبيب الذي انشغل بتفحص عينيً أنه هو نفسه كان أعورا !!.

فيا ترى متى سيدرك الكاذبون أنهم تسببوا بكل هذا الخراب في البلاد والعباد؟, الخراب الذي جعل افراد الشعب  بين أحول وأعور؟؟.

مشاركة