
أجرى الحوار:صلاح البزاز- روما
«انها ليست مجرد سرد لسيرة ذاتية وانما هي محاولة صادقة لعرض تجارب مهنية مع قدر كبير من المسؤولية الأخلاقية والقناعة الراسخة بأن التقدم الحقيقي للإنسان يتماشى مع صحوة الضمير «
بهذه الكلمات استهل الكاتب والاعلامي عبد المجيد الشعار حديثه الخاص لجريدة « الزمان الدولية « بمناسبة صدور كتابه الأخير (( واجب الذاكرة )) ليحدثنا عن تجربته على مدى اكثر من أربعة عقود من الزمن كاعلامي تونسي – اممي في عالم حافل بالتقلبات والتجاذبات والتطورات على مختلف الأصعدة السياسية والعلمية والاجتماعية والفكرية والبيئية وحتى الأخلاقية .

ان ذكريات هذا الرجل الذي أمضى أكثرمن نصف عمره بين مذيع ومحرر ومدير اعلامي ورئيس تحرير ومسؤول اممي ودبلوماسي، التي يرويها بأسهاب ، انما هي مدرسة بحد ذاتها يمكن استخلاص دروسا وقيما قد تستأثر باهتمام أي باحث جاد في العمل الإعلامي عن الشخصيات المعاصرة في عالمنا العربي الواسع .
ولعل دوره في الإذاعة والتلفزة التونسية هو الذي جعله يتألق في عالم الصحافة والاعلام في بلاده الاصلية تونس منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي وبالرغم من كل العقبات والمعوقات الفنية والمالية فقد أصرعلي «مواصلة المسيرة الصحفية برغبة جامحة وسط معادلة صعبة بين الرغبة في أداء الدور الإعلامي المرغوب فيه وحدود الحرية المتاحة «
وفي رأيه أنه تمكن من « كسر الروتين في صياغة مضامين تلفزيونية قادرة على التأثير» لقناعته الكبيرة بان هذا التحول سيسهم في ادخال داينماكية جديدة وهي « فكرة خارجة عن المألوف أو ثورة « ان صح التعبير على حد قوله .
ويمضي الكاتب عبدالمجيد بالقول ان الابتكار والتجديد هما من العناصرالأساسية في تطوير العمل السمعي والبصري في آن واحد حيث انه اكتسب كثيرا من عمله في تلفزيون تونس ابان حكم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة الذي تميز « بدلوماسية جريئة واستباقية مما اشاع المزيد من الضوء على صورة تونس الخارجية ومواقفها الرصينة والمعتدلة « وهذا بالتأكيد قد أسهم كثيرا في دوري الإعلامي في الفترة المقبلة من مسيرتي الطويلة «.
ويوضح بعبارات ادق انه كان « حريصا على إقامة علاقات متوازنة وهادئة وبناءه على نفس خطى سياسة الاعلام ابان عهد بورقيبة وربما هذا الامر يكمن وراء سر نجاحي في عملي لاحقا»

وعن دوره كصحفي حر في مواجهة ما أسماه بالرداءة « في السنين اللاحقة ، قال انه « مقتنع وبصورة تامة ان الاعلام البديل هو الذي يرتقي بالوعي العام والذوق السليم والترفيه الهادف ، على ان يكون الانحياز فقط للامتياز المهني في تناول قضايا الشأن العام دون حسابات ، للأخذ بيد الوطن الجريح بدون بطولات» .
ولكن كيف يمكن العمل على تغيير الصورة النمطية السائدة؟
على أي حال ، ففي رأيه ان مشروع الإصلاح الإعلامي لا يتم ولن يتم الا من خلال الإعلاميين انفسهم « فأهل مكة ادرى بشعابها « كما يقول المثل العربي المعروف .لذلك لابد من الدفاع عن المنافع العامة والمسؤوليات الخطيرة للاعلام ودعمها في ظل الأسوأ والأفضل حاليا على الساحة الإعلامية في قطاعيها العام والخاص .
ومن الناحية التاريخية ، يقول الكاتب عبد المجيد الشعار بشأن القضية الفلسطينية ،ان وجهة نظر الرئيس الأسبق بورقيبة، ان التجربة التونسية قائمة على سياسة المراحل ، لذلك وافقت تونس في حينه على إقامة سلطة وطنية على كل ارض فلسطينية تتحرر، فاننا نكون بذلك قد تبنينا سياسة المراحل، وفي رايه ان ما يُحسب لبورقيبة في هذه الحالة بانه محاولة لاحراج إسرائيل وكشف نياتها الحقيقية لان النظام الاسرائيلي لم يكن قادرا تماما على التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين لان القيادات الإسرائيلية الصهيونية تعتقد أن « الصراع اليهودي العربي هو صراع غير قابل للحل في المدى الطويل لذلك فان هدف تلك القيادات هو غدر ذلك الصراع وليس حله «
ويبدو ان حقبة السبعينات التي عاشها السيد الشعار تمثل بداية مسيرته الاعلامية بين الاذاعة والتلفزة والصحافة وهي التي حددت أو رسمت له خارطة الطريق في ظل تجاذبات القوى السياسية والفكرية والثقافية السائدة حينئذ في تونس وان كتابه « واجب الذاكرة» ماهو الا شاهد على العصر في كل حدث سياسي وثقافي وفني في بلده الاصلي تونس لحين توليه مسؤولية اعلامية دولية جديدة خارج نطاق وطنه الام في العام 1978اي لدى منظمة الاغذية والزراعة للأمم المتحدة ال « فاو» في العاصمة الايطالية ، روما .
ففي رحاب الامم المتحدة دخل السيد عبدالمجيد الشعارأُفقا جديدا في العمل الانساني في منظمة ال «فاو» حيث أسهم في بلورة العديد من الافكار والرؤى ليتابع صور الفقر والجوع والمجاعة ولاسيما في قارة افريقيا كمسؤول اعلامي اذاعي أول، بثلاث لغات هي العربية والفرنسية والانكليزية
ويوضح هنا ضيفنا الكريم بانه وجد نفسه وكأنه قد نزل فوق كوكب منكوب كل شيء فيه يُصنف ضمن الحالات العاجلة والطارئة. فالأمر هنا بطبيعة الحال يتعلق بجزء كبير من سكان المعمورة لا يتمتعون بحقهم الاساسي في الغذاء
ويردف قائلا « انها تجربة انسانية هائلة تبلورت فيها خطتي الاعلامية للتركيزعلى مبادرات وسياسات منظمتي من ناحية ، وعلى التنسيق مع ممثلي البلدان الاعضاء في المنظمة من الناحية الأخرى ، من اجل ابراز ما يمكن ابرازه بشأن الازمات الغذائية المتفاقمة وخاصة في افريقيا التي تزخر بالموارد الطبيعية رغم الجفاف الذي ابتلاها وحرمها من فرص استثمارية كبيرة
وفي رأيه أن « للاعلام الاممي دورحتمي في تجسيم الامل لمساعدة الآلاف لابل الملايين من المحتاجين وخرق حائط الصمت واللامبالاة لتبليغ الرسالة الى الرأي العام العالمي وصانعي القرارحيثما يكونوا … انها فعلا معادلة صعبة كانت تؤرقني دائما ، وهي الرغبة في الفعل وعدم القدره عليه أحيانا»
ففي المبادرة العالمية المعروفة لمنظمة ال «فاو» في حينه باسم « تيلفود» « قطعنا أشواطا طويلة من خلال هذا البرنامج الاعلامي الانساني مؤكدين على أرض الواقع، الفكرة المتوخاه من وراء هذا البرنامج، وهي الايمان الراسخ بأن الرأي العام له ثقله ، فقد نجحنا فعلا في التأثير في حكومات العديد من البلدان الاعضاء لاسناد الاولوية في استئصال الجوع من العالم ، حيث اننا حرصنا على تخصيص كل التبرعات الواردة من خلال هذا البرنامج ، لمشروعات انمائية صغيرة يتم تنفيذها على مستوى القاعدة في البلدان المعنية «
ويفخرالسيد عبدالمجيد الشعار أنه شهد في ذروة عمله في منظمة ال «فاو» انشاء أكبر مركز اعلامي داخل المقر الرئيسي للمنظمة ويعرف باسم « مركزالشيخ زايد للاعلام والمعارف» في العاصمة الايطالية ، روما
وعن البُعد الانساني في العمل الاعلامي الاممي ، يقول الشعار اننا « استطعنا ان نكرس مفهوم الاعلام التضامني من خلال حملة « تيلفود» العالمية للقضاء على الجوع مؤكدين بذلك ان مسؤولية مكافحة الجوع والقضاء عليه يتحملها .ايضا الافراد والقطاع الخاص جنبا الى جنب مع حكومات الدول الاعضاء ، وبذلك تم كسر جدار اللامبالاة واخراج منظمة ال «فاو « من « صومعتها « الى نقاشات عامة ومفتوحة على مستوى الجماهير العريضة.
وفيما يتعلق بفن التواصل الاعلامي الهادف يقول « اننا كنا نحاول اقناع صانعي القرارات سواء في المنظمة أو من خلال اجهزتها الرئيسية بان العملية الاعلامية ، عملية متحركة ومتطورة جغرافيا وثقافيا ، لذلك من الضروري مراجعة الاستراتيجيات الاعلامية القائمة باستمرار في سياق عالمي يفرض مقاييس ومبادرات جديدة لعمل المنظمة ، رغم ان العجلة الاعلامية بحد ذاتها في غاية التعقيد نظرا لطبيعة المصالح الدولية المتباينة وعدم القدرة موضوعيا على الاستجابة الى مختلف المطالب . ولكن الأمرالمهم هنا يبقى أن المنظمة تحافظ على مصداقيتها امام الدول الأعضاء»
ويختتم الأستاذ عبدالمجيد الشعار كتابه الموسوم ( واجب الذاكرة) بفصل جدير جدا بالاهتمام تحت عنوان « منظمة الأمم (غير المتحدة ) التي يصفها بانها باتت ميدانا لكل الصراعات والخلافات التي يعُج بها العالم في يومنا الحاضر . ويمضي قائلا « ان النظام العالمي الجديد الذي يبشر بانتهاء الحرب الباردة قد مهد الطريق لحالة من التصادم والاضطراب بحيث أصبحت ميزة العلاقات الدولية الراهنة حتى باتت مقترحات الأمم المتحدة من اجل التنمية المستدامة في ظل التغيرات المناخية عرضة للانتقاد من جانب المجتمع المدني الذي يتخذ مواقف مؤثرة إزاء تلك الأهداف الى حد كبير.
والى جانب التحديات الكبيرة والكثيرة التي تواجهها الأمم المتحدة في عصرنا الحاضر، يخلص الى القول ان هناك «مخاطر داخلية تتجلى غالبا في استعمال الثقافة التفاعلية مقابل ثقافة استباقية وان من أخطر تلك الثقافات هي ثقافة» الصوامع» المستقلة بدلا من القيادة المتكاملة بين مختلف المنظمات التابعة للأمم المتحدة. لذا وجب الوقوف الى جانب هذه المنظومة على أمل أن تتحمل الدول الأعضاء في هذه المنظومة نفسها، المسؤولية الكبرى عن ديمومة هذه المنظومة التي هي اليوم أبعد من أن تكون متحدة
روما – مارس / اذار 2025




















