حوار مع التشكيلي السوري خالد الحجار: أغوار الروح في غرائبية لافتة

 

 


 

خالد الحجار

 

الفنان التشكيلي السوري خالد الحجار ل(الزمان):

 

اللوحة الحقيقية لا تحتاج إلى تفسير

 أجرى الحوار:

– سليمان فارس الشوفي

دمشق

 

عندما تقف أمام لوحات التشكيلي السوري خالد الحجار ترى شخوصا غرائبية تحدق بك، عندها تستطيع أن تقرأ اللوحة دون أن تجهد نفسك بالتأويلات، لأن اللوحة الحقيقية ليست المعلقة على الجدار بل هي مساحة الحوار بينك وبين هذه الشخوص، فالفنان التشكيلي خالد الحجار يخاطب في لوحاته روح الإنسان ومشاعره المتناقضة من حزن وفرح.

وخالد يوسف الحجار من مواليد السويداء 1973 خريج كلية الفنون الجميلة من قسم الاتصالات البصرية عام 1995 وشارك في عدة معارض مشتركة في سوريا وفرنسا وألمانيا وفنزويلا وأول معرض فردي له كان “مع الروح” عام 2019 كما يعمل كمصمم جرافيك حيث حقق عددا من الإنجازات في هذا المجال منها تصاميمه المعتمدة  في سوريا للطوابع البريدية.

 

(الزمان) حاورت التشكيلي خالد الحجار وفيما يأتي نص الحوار:

 

{ معرضك الفردي “مع الروح” ضم أغلب لوحاتك التي كانت بمجملها شخوص غرائبية.. ماهي نقطة الالتقاء بين “مع الروح” وهذه الشخوص الغرائبية؟

 

الروح هي الجوهر والمجرد الوحيد في الانسان، الجسد له قوانين وشروط لكن الروح متحررة من هذا الشيء، وهذه الشخصيات هي إزالة الأقنعة الجسدية عن الأرواح وتوحيد كل الناس، الناس تخلق سواسية من ناحية الروح والاختلاف يكون مكتسب، وهذه المكتسبات ألغيت بهذا المعرض، ورجعنا للجوهر وهو خطاب الروح والمشاعر، وبالتالي خلق حوار بين اللوحة والمتلقي، وتكون اللوحة الحقيقية هي مساحة الحوار وليست اللوحة المعلقة على الجدار، لذلك “مع الروح” هي مع إزالة الأقنعة وسبر أغوار الإنسان وخطاب مشاعره وقلبه قبل خطاب عينه وعقله.

كان خطابا روحيا وليس بصريا

 

{ لديك رؤية وفلسفة خاصة في رسم الملامح متمثلة بالوجوه المستطيلة والعيون الجاحظة.. مهي الدلالات وراء ذلك؟

 

الدلالات هي إعادة صهر الانسان بمختلف حالاته وإعادة التشكيل من جديد، ونتيجة الضغوط الكبيرة يتطلب هذا الموضوع استطالة الوجه وجحوظ العينين، وإزالة الأقنعة كانت أقرب إلى توحيد الشكل الذي هو رسم الروح، ولكن التعبير يختلف من شخصية إلى أخرى حسب الموضوع الذي تحمله هذه الشخصية، وهذا كان عبارة عن الحامل لكل المواضيع التي اقوم بطرحها للمتلقي من خلال نافذة هي نافذة القلب لمخاطبة قلب المتلقي، فكانت الاستطالة وكانت الوجوه الغرائبية هي ليست غرائبية هي موحدة شكلا مختلفة مضمونا تخاطب حالات معينة لها علاقة بالإنسانية بشكل عام.

 

{ أغلب لوحاتك تحمل طابع الغموض، غالبا يعجز المرء عن تفسيرها.. لماذا لا تقوم بشرح لوحاتك؟

 

اللوحة الحقيقية لا تحتاج إلى تفسير، وهذه اللوحات قادرة على مخاطبة روح الشخص، ومخاطبة تجاربه وذاكرته وأماله وأحلامه، وهذه تكون مختلفة من شخص لآخر، وعندما تقوم بتفسير اللوحة توجه تفكير المتلقي لتفسيرك أنت، وهذا الكلام يظلم اللوحة ويظلم المتلقي، لذلك أفضل عدم شرح اللوحة لأترك مساحة للمتلقي ليشعر بها ويتفاعل معها.

 

{ عادة الفنان التشكيلي يؤطر نفسه بمدرسة تشكيلية فأنت إلى أي مدرسة تنتمي؟

 

أنا برأيي أن الفن يشمل جميع المدارس التشكيلية مع بعضها البعض ويحاول خلق شيء جديد، لوحاتي أقرب للشيء التعبيري، الذي له علاقة بالمشاعر واللاوعي، هذا لا ينتمي لمدرسة معينة لكنه أقرب إلى التعبيرية الفلسفية الوجودية.

 

ولادة اللوحة

 

{ هل ترسم اللوحات من خلال التراكم الزمني أم تولد اللوحة فجأة تحت تأثير حدث ما؟

 

اللوحة هي حدث، وهي توثيق لحالة شعورية معينة في زمن معين، لا يتطلب التكلف العقلي كثيرا لخلق هذه الحالة، كل ما كان عفوي أكثر كان صادق أكثر وكان وصوله للمتلقي أقرب وأسرع.

فاللوحة هي حدث يوثق في لحظته، بعد أيام على مرور الحدث لا تستطيع توثيقه بلوحة، تكون اللوحة غير صحيحة.

 

{ الكثير من لوحاتك تعكس حالة من الحزن.. لماذا؟

 

ذلك نتاج الوضع العام الذي نعيشه والذي غالبا ما تسيطر فيه مشاعر الحزن على كل الناس، لا يوجد بيت لم يمر بمرحلة كبيرة من الألم والحزن، وكل لوحة رسمتها لها قصتها وحدثها، وأنا مررت بحزن عميق منذ سنوات تم فيها ولادة العديد من اللوحات مثل حالة أي فنان، لكن هذا لا يعني عدم وجود مساحة من الفرح في لوحاتي، لأن الفرح والحزن هما وجهان لعملة واحدة، بكل لوحة هناك مساحة صغيرة للفرح لابد منها، لأن الحياة لا تستمر بدون تناقضات.

{ كانت لديك مشاركة منذ أيام في معرض “غاليري ثولير” في باريس بلوحة تحمل اسم الخبز الاسود.. كيف ولدت هذه اللوحة؟

 

هذه اللوحة ولدت في وقت قامت فيه عملية حرق القمح في سوريا، وهذه محاربة للناس في لقمة العيش، ولكن في الوقت نفسه نعلم أن كل سنبلة قمح قادرة على ولادة مئات السنابل الأخرى، وأنت تلاحظ أنه بنفس اللوحة هناك سنابل تعيش ضمن النار، وكل واحدة منهن هي روح قادرة على ولادة مئات السنابل الأخرى، فكانت هذه اللوحة وكان اسمها الخبز الاسود. كانت تحكي عن استمرار الحياة ومقاومة الموت.

 

{ أنت عملت بالبداية كمصمم جرافيك ولك انجازات كثيرة في هذا المجال.. كيف انتقلت من عالم الجرافيك والاتصال البصري إلى فن التشكيل؟

الجرافيك هو اختصاصي الذي درسته وهو الاتصال البصري، كما نعلم موضوع التصميم هو عمل عقلي بحت يخضع لشروط وقوانين لها علاقة بالصح والخطأ وبالكتلة والنسبة والتناسب، وهذا العمل العقلي له حدود معينة، لكن الحالة التي نعيشها في بلدنا أو بمعظم البلدان في العالم تطلبت الخروج بمساحة أكبر من المساحة العقلية وهي مساحة الشعور، هذا الكلام لا يخدمه الجرافيك بقدر ما تخدمه اللوحة العفوية، فتم ولادة اللوحة وكان لها خطها ومسارها العقلي الذي يتزاوج من بعيد مع موضوع التصميم وخبرة التصميم من خلال توازن اللوحة، لكن دون الخضوع المجرد والمباشر للعقل وترك مساحة كبيرة للعفوية والقلب والمشاعر.

طوابع بريدية من تصميم خالد الحجار

الحصة الأكبر من المعانة

 

{ الكثير من لوحاتك حصيلة عمل لعدة سنوات خلال ظروف الحرب في سوريا.. كيف انعكست معاناة الوطن في لوحاتك؟

 

المعاناة شملت الجميع بكل المدن السورية، ولكن الحصة الأكبر من المعاناة كانت من نصيب المرأة التي فقدت ابنها وفقدت زوجها الذي كان يحمل عنها أعباء الحياة، فكانت كعنوان للتعبير عن كل هذه المدن هي لوحة دمشق، وهي المرأة المتكئة التي تحمي أبنائها وحاراتها الضيقة من خلال امتداد الشعر كمظلة فوقهن لجلب الأمان لهؤلاء الأشخاص.

لوحة دمشق هي المرأة التي عبرت عن سوريا كاملة

{ المرأة حاضرة في كثير من لوحاتك.. لماذا؟

 

المرأة هي حجر الزاوية في استمرار الحياة، ولكنها تعرضت عبر الزمن لضغوطات وظلم كبير بمختلف المجتمعات، سبب هذه الضغوط هو الضعف الجسدي واستغلال المجتمعات الذكورية لهذا الضعف، نحن كجهة مناصرة للمرأة نزيل القشور الواهمة للذكورة المسلطة لإبراز دور المرأة الأقوى والأهم، فكانت هي الأساس للوحات في البداية، وبعد فترة تم توحيد المرأة والرجل بروح واحدة تحمل كلا الجنسين وأصبحت اللوحات تخاطب الإنسانية ككل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مشاركة