حوار صريح مع القيادي البارز في الإتحاد الوطني الكردستاني ملا بختيار:

1375

حوار صريح مع القيادي البارز في الإتحاد الوطني الكردستاني ملا بختيار:

 أنا بلورت مفهوم اليسارية الديمقراطية في كردستان

أرفض كل قيادة توارثية وما تمخض عن المؤتمر الإنتخابي يمهّد لحوار أخوي ثقافي

{  لا تشاركية في قيادة الحزب ونتّجه لتحديد صلاحيات اللجنتين القياديتين

{ ما يحدث في ساحة الاعتصام والتظاهر هو انتفاضة ثورية حقيقية لكن فلسفتها غير واضحة

{ اذا لم يتفق رئيس الوزراء المكلف معنا فان الامور ستتعقد

{ لا واقعية في مغادرة القوات الامريكية البلاد ولكل مرحلة قراراتها

{ نحن المسؤولون اذا وجدنا فاسدين في كردستان والانتفاضة تستهدف فاسدي بغداد ومحافظات الجنوب والوسط

{ مظهرنا ديمقراطي وجوهرنا يعيش اجواء القرون الوسطى

احمد عبد المجيد

يعد حكمت محمد كريم المعروف بالاسم الحركي (ملا بختيار) شخصية خلافية داخل تنظيمات الاتحاد الوطني الكردستاني، ففيما ورث تركة ثقافية ماركسية، فانه خاض تحولات فكرية استوقفت الاوساط السياسية الكردية منذ عقدين من الزمان، واسهمت في بلورتها الطبيعة المنفتحة لزعامة حزبه التاريخية التي يمثلها مام جلال الطالباني. وفي وقت يسود اعتقاد ان هذا القيادي الستيني يتجه لبناء اصطفاف شبابي داخل الحزب، فانه يتبنى نهجاً يسارياً يصفه بالديمقراطي لتصحيح بعض الانحرافات واحتواء ثورة كتلة بشرية صامتة داخل الاقليم.

ومنذ سنوات كنت احد متابعي طروحات ملا بختيار، وقد وقفت من خلال تقويمات بعض رفاقه ومريديه، على التحولات الفكرية الحيوية، التي خاض غمارها فأوصلته الى ما هو عليه الان. وفضلاً عن سجايا شخصية ايجابية يتمتع بها كالتواضع والقدرة على فك طلاسم الواقع وتداعيات محركاته، فانه يتحلى بامكانية ثقافية فذة على التحدي الحر الايجابي ايضاً، ومقارعة الخصوم بالحجة ولغة العقل والتدبر. وقبل ان ألتقيه، في هذا الحوار الصحفي، وصفه يساري عراقي بارز بأنه احد صقور الاتحاد الوطني الكردستاني وحذرني من استفزازه، لكني خلصت بعد الحوار، الى ان هذا التقويم مبالغ فيه او ربما يظلم الرجل.

هنا نص الحوار، مع ملا بختيار، الذي اجريناه في ظل تطورات صاخبة يشهدها العراق ويلتقط منها ملا بختيار تداعيات التظاهرات الاحتجاجية التي يراها مقدمة لعنوان كبير سيكتب في تاريخ العراق والمنطقة والعالم، بدءاً من هونغ كونغ الى شيلي، مروراً ببؤر الاهتزاز الاجتماعي، وانتهاء بالشرق الاوسط.

{ الى اي تيار تنتمي داخل حزبك؟

– أنا يساري ديمقراطي.

{ يعني انك لست اسلامياً؟

– أنا يساري ديمقراطي.

{ تناهى الى اسماعنا انك تتبنى تياراً شبابياً حداثوياً داخل الاتحاد الوطني الكردستاني؟

– لا .. يوجد تيار شبابي داخل مؤسسة الحزب، لكني من الداعين الى التغيير داخل الحزب، وأعد الاشتراكية الديمقراطية التي هي ايديولوجية الحزب، ورأيت التيار اليساري في الشرق الازسط واقعياً، واتصور ان اليساريين الديمقراطيين في هذه المنطقة اكثر قرباً مما هم عليه اليساريون الاشتراكيون في أوربا، لان في اوربا تحققت مهمات كثيرة من الديمقراطية، في وقت لم يتحقق الكثير من مهمات الديمقراطية في الشرق الاوسط، وهذه الديمقراطية لا تحقق شيئاً اذا لم ترتبط بحركة يسارية تغييرية في الشرق الاوسط. وارى ان من المستحيل تحقيق شيء في هذا الاتجاه اذا لم تتلاحم اليسارية مع الديمقراطية الحقيقية.

{ من اي جهة استوحيت هذه الافكار؟ وبمن تأثرت من اجلها؟

– الحقيقة ان اليسار الديمقراطي برز كاتجاه في اوربا، ولا سيما في ايطاليا ولكن الخصوصية اليسارية الديمقراطية في كردستان انا الذي بلورتها.

{ اذن .. ما الفرق بين منهج حركة تغيير والجيل الجديد عن هذه الطروحات التي بلورتها انت؟

– اعتقد ان حركة تغيير لم تكن حالتها موضوعية. يعني لا يوجد لها في الواقع الاجتماعي ارضية اجتماعية وسياسية وفلسفية، بل كانت حالة من الحالات السياسية التي برزت داخل الوضع القائم في كردستان في مرحلة من المراحل.

كان هناك أزمة اقتصادية ومشاكل سياسية واستياء سايكولوجي بين الجماهيراستخدمتها حركة تغيير الى حد ما، ونوشيروان كقائد لها، كان له تأثير واضح على الساحة السياسية، فيما أرى الحركة اليسارية الديمقراطية التغييرية بشكل استراتيجي متكامل، وليست المسألة سياسية بحتة، اراها حركة يسارية تنويرية، اراها حركة يسارية لتحرير العقل ومنحها الحرية تجاه العقل السلفي، أراها حرية المرأة ومساواتها مع الرجل، اراها في العدالة الاجتماعية وكيفية محاربة الفساد. وكل هذه الامور مجتمعة اراها تشكل ستراتيجية اليسارية الديمقراطية التي انادي بها.

{  نعود.. وقاطعني ثم استطرد ملا بختيار:

– انا لا افصل الحركة السياسية والايديولوجية السياسية والخطاب السياسي، لا افصلها وليس هناك اي انفصام بين الحركة اليسارية والحركة الاجتماعية التنويرية، بالعكس احدهما تتمم الآخرى. ليس هناك في نظري يساري حقيقي ولا ديمقراطي حقيقي ان لم يكن تنويرياً حقيقياً.

{  لكن اليسار في اوربا انحسر تقريباً؟

– لا.. اليسار شيء آخر في اوربا. والديمقراطيون شيء آخر أيضاً. الديمقراطية واليسار وتأسيس الدولة القومية اتت بعد مراحل من حركة النهضة وحركة الاصلاح الديني والحركة التنويرية والثورة الصناعية، ومن ثم النظام الديمقراطي. لدينا الارضية او (الباك راون) عندنا ما زالت بكر وغير محروثة، فكرياً او سياسياً او عقلياً. نحن الان مظهرنا ديمقراطي فيما جوهرنا يعيش اجواء القرون الوسطى.

{ نعود الى الحزب (الاتحاد الوطني الكردستاني)، ما هو تعليقك على المفهموم الجديد في القيادة؟ التشاركية التي تمخصت عن انتخابات الحزب قبل ايام؟

– لا يوجد شيء اسمه تشاركية لكن اللجنة القيادية للحزب توسعت، والمؤتمر الانتخابي كان ذا خصوصية في تاريخ الاتحاد الوطني الكردستاني، فمداخل الاتحاد ومشاكله السياسية والفكرية والتموينية والاقتصادية والتراكمات صنعت القيادة باسم اللجنة العليا، واللجنة الاخرى باسم اللجنة القيادية للاتحاد. والان نحن نخوض حواراً اخوياً وثقافياً يدور حول كيفية التمكن من تحديد صلاحية اللجنتين من اجل ان يتمم الواحد مهمات الاخر، من هذه المرحلة الانتقالية من تاريخ الاتحاد الى مرحلة كيفية انعقاد المؤتمر الخامس للاتحاد بشكل افضل.

{ البعض من عناصر الاتحاد الوطني الكردستاني، يؤاخذ على القيادة في الجناح الكردي الآخر بانه توارثي او عائلي؟

– انا شخصياً ارفض كل قيادة توارثية ولا اؤمن بها ابداً، لا داخل الحزب ولا خارجه.

{ لكن جرى تفسير النتائج التي تمخضت عن انتخابات حزبكم بانها شبيهة لواقع التوارث السياسي.

– دع هذا القائل يفسر، لكن الاتحاد انتخب الان 24 عضواً قيادياً في اللجنة القيادية وتسعة من القياديين البارزين في اللجنة العليا للاتحاد الوطني، وفقط داخل هذه اللجنة موجود بعض من الذين ينتمون الى عائلة مام جلال وعددهم لا يتجاوز الستة.

{ ويضحك ملا بختيار، لكني قاطعته بسؤالي عن موضوع الحلم الكردي وقلت: هل بالامكان دمج الحزبين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني في حزب واحد او ايجاد شراكة ما تحت هيكلية من هذا النوع؟ وقال:

– ارى ان ذلك لا يصب في مصلحة الحركة الديمقراطية في كردستان، لا من الناحية المبدئية ولا من الناحية الاستراتيجية. هذا اولاً، أما ثانياً فان عهد الحزب الأوحد او الواحد انتهى في تاريخنا وفي تاريخ الأمة العربية وتاريخ شعوب الشرق الاوسط. بالعكس نحن نعيش في زمن العولمة والتواصل الاجتماعي، أي نعيش في زمن التعددية الفكرية والايديولوجية المتعددة. هذا قاتل ان نتصور حزباً واحداً يسيطر على الوضع القائم، ويخنق التنافس الديمقراطي للاحزاب والاتجاهات الاخرى داخل المجتمع.

{ لكن ثمة مشتركات بامكان اعتبارها منطلقاً لهذا الخيار؟

– ان اكثرية الاحزاب في العالم عندها مشتركات، واكثرية الاحزاب الديمقراطية في العالم لديها مشتركات، وكذلك الاحزاب القومية في العالم تملك مشتركات، وكهذا بالنسبة للاحزاب الاسلامية، ربهم واحد ونبيهم واحد وقرآنهم واحد، ومع ذلك فانها متعددة.

{ وضحك ملا بختيار، وكأنه يريد القول ما معناه: هذا كلام خيالي أو طوباوي ربما. ولكني قاطعته بالسؤال عن تعليقه على الوضع السياسي السائد حالياً في بغداد؟ وقبل ان يبادر بالجواب، سألت هل انكم ستشتركون في حكومة محمد توفيق علاوي؟ وقال:

– قبل كل شيء انا اعد ما يحدث في ساحة الاعتصام والتظاهر في بغداد والنجف وكربلاء وذي قار والديوانية والبصرة، انتفاضة ثورية حقيقية، برغم ان ستراتيجية المتظاهرين غير متبلورة ولا تملك ايديولوجية واضحة ولا فلسفة ثورية واضحة، لكن كبداية انتفاضية في العراق والمنطقة والعالم اراها حركة جديدة برزت في زمن العولمة اي بعد نحو عشرين عاماً من انبثاق العولمة، ونحتاج الى وقت من خلال مخاض هذه الحركة الثورية، لبلورة الاستراتيجية والايديولوجية والفلسفة التي تنسجم مع التغييرات الحاصلة في المنطقة والعالم. نحتاج الى وقت لكن البداية تعد مجيدة، واراها مهمة جداً. كل حركة تغييرية وانتفاضية في التاريخ يواكبها اخطـــاء قاتلة، في البداية، لكن مع مرور الــــــزمن، يتم حل المشاكل وفرز القادة والافكار والتطلعات والاستراتيجية، وكيف يأتي البديل الديمقراطي الحقيقي. اي اننا نحتاج الى وقت ولكن بدون هذه الحركة لا يمكن ان يولد البديل الديمقراطي في المستقبل.

لكن التظاهرات الاحتجاجية ترفض كل الارث الذي جاء به الوضع السياسي بعد نيسان 2003 من محاصصة وفساد وانهيار قيمي واقتصادي؟

– هم يريدون انهاء الطبقة الفاسدة. وهذا حق لهم،  لكن انهاء الاحزاب هذا صعب جدا، ولكن كطبقة فاسدة واي فاسد في الحزب او السلطة، سواء كان مختفياً ام معلناً فان من الحــــق محاكمتــــه. هـــذا حــق.

{ تتصاعد الان نذر الخلافات بين المكونات السياسية، بشأن قرارات البرلمان الاتحادي، ولاسيما ما يتعلق بمستقبل القواعد الامريكية في البلاد.. كيف سيتم التوافق؟ انتم في كردستان لديكم رؤية اخرى؟

– نحن ككرد لم نصدر قرارا بأخراج الامريكان من كردستان، لكن بعض الاحزاب الشيعية لديها هكذا قرار، وهذا يعود لهم.

{ لكنه برلمان اتحادي بأغلبية توافقية؟

– او كي او كي.. اتخذ القرار في البرلمان ونحن لم نشارك به وبعض الاحزاب السنية لم يشارك في اتخاذه. اتصور ان هذا الخطأ يجب الا يتكرر كما حدث في حكومة المالكي، عندما اتخذ قرار مغادرة القوات الامريكية وحدث فراغ امني مخيف انتج سيطرة تنظيم داعش وملء الفراغ الأمني. اتصور اننا يجب ان نتفاوض مع الامريكان عبر مراحل، وكل مرحلة يتم اتخاذ ما نراه مناسبا بشأن انسحاب جزء من القوات الامريكية، اي اذا تمت تقوية الجيش العراقي والقوات الامنية العراقية والوضع الاقتصادي العراقي والمخاوف تراجعت شيئا فشيئا ونكون مطمئنين ان الانسحاب لن يتسبب بعودة داعش او من هم على شاكلتهم، انذاك يمكن القول ما الحاجة لوجود الامريكان في بلدنا؟

{ يوم الخميس تعقد جلسة مرتقبة للبرلمان في بغداد.. هل ستشاركون في تمرير وزارة محمد توفيق علاوي؟

– اذا لا يتم الاتفاق مع علاوي بدءا، فاني ارى ان الامور ستتعقد. هناك بعض العقد لم تحل معه، واخر وفد من كردستان ذهب الى بغداد عاد دون اي اتفاق، وهذا يؤلمنا جدا. وبحسب تجربتي واستقرائي للوضع السياسي فان اي رئيس وزراء مكلف لا يستطيع التعامل مع القضية الكردية كما يتعامل مع الاحزاب العراقية.

{ هناك خصوصية…

– لماذا الدستور العراقي يعترف بفدرالية كردستان.. لماذا؟ يعني رئيس الوزراء يعد نفسه اعلى الدستور، يهمل الدستور العراقي. نحن معترف بنا بالدستور، اننا نملك فدرالية ونتمتع بخصوصية ولدينا قضية ولدينا صلاحيات قانونية ضمن الدستور، ويجب ان يراعي دولة الرئيس الجديد هذه المسائل.

{ مطالب الشارع العراقي الان تتمثل بانهاء مظاهر التشظي الوطني.. ولم يتح ملا بختيار لي، اكمال سؤالي، فاستطرد مقاطعا:

– الشارع العراقي لم اسمع منه شمول كردستان بهذه المطالب. ان قصد المتظاهرين الاساسي هو بغداد والجنوب ووسط العراق.

{ وضحك ايضا ضحكة طويلة، هذه المرة ثم قال:

– نحن غير مسؤولين عن الفساد في بغداد.. بغداد ليست هنا لكي نكون نحن المفسدين، واذا كان ثمة فساد بيننا في الاقليم فنحن مسؤولين عنه، والفساد هناك هو المسؤول عن اندلاع الانتفاضة.

{ وقلت: انتم ايضا لديكم ممثلين عن المكون في الحكومة الاتحادية. ورد:

– فلتتشكل محمكة وتحاكم الوزراء الكرد قبل العرب اذا كانوا فاسدين.

{ وضحك ضحكة طويلة من جديد، فلملمت اوراقي وشكرته على اجراء هذا الحوار على هامش ملتقى لتكريم الشاعر مظفر النواب اقيم، برعاية مركز كلاويز في السليمانية، وكان ملا بختيار من ابرز المشاركين فيه والداعمين لاقامته تحت عنوان (مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا).

مشاركة