حوار الأيام الأخيرة مع الفنان سامي عبد الحميد: وظائف المسرح توعوية توجيهية تحفيزية

695

حوار الأيام الأخيرة مع الفنان سامي عبد الحميد: وظائف المسرح توعوية توجيهية تحفيزية

 ثائـر عبد علي حسين

بعد معاناة مريرة مع مرض الفشل الكلوي الذي اكتشفت أعراضه في مستشفيات عمان، قرر المعلم (سامي عبد الحميد) العودة مع اسرته الى احضان الوطن (العراق) ليعالج في مستشفيات بغداد بين الاهل والاصدقاء وتلامذته وجمهوره الكبير. كنت احد المسارعين بالوصول اليه والاطمئنان على حالته الصحية وتقديم الجهد المشرِّف لي برعايته والاهتمام بوضعه الصحي عن قرب وفاءً لمعلمي ومعلم الاجيال المسرحية. مرافقتي لمراحل العلاج في المستشفيات الاهلية والحكومية وفي المنزل جعلتني اكتشف عن قرب بأنني أمام هرم كبير شامخ وراسخ بالعلم والمعرفة وطيب الخلق والتواضع الأبوي الفريد من نوعه، معلم معطاء متحدي لكل صعوبات المرض بالاستمرار بعطائه المعرفي والمواظبة على القراءة لكل ما يكتب عن الفن، وبمتابعة طلبته الذي يشرف على بحوثهم في الدراسات العليا، ومواصلة اتصاله بالكاتب المسرحي اللامع (علي عبد النبي الزيدي) بخصوص كتابة نص مسرحي مفعم بالرومانسية ليكون من اخراجه، بعد ان استكمل اخراج مسرحية (الارامل) التي لم تعرض لأسباب انتاجية، وأوصاني بالاتصال بالمعنيين عن صدور العدد الثالث من مجلة (مسرحنا) التي اكمل إعدادها، فضلاً عن انتظاره بشغف لرؤية صدور كتابه (الانتقائية والخصوصية في فن المسرح ..سيرة ذاتية) والذي كان معترضاً على العنوان بعد التلاعب به من اللجنة او الجهة المعنية بالصدور ومنزعج من كلمة السيرة الذاتية، وكان يطمح لعنونته بـ (المعالجات الاخراجية في تجربة سامي عبد الحميد المسرحية)، اضافةً لقراءته اليومية للصحف المحلية التي توقف عن قراءتها قبل يوم واحد من رحيله المؤلم بسبب سوء حالته الصحية جداً أثر عمليات الغسل الكلوي المتكررة بواقع ثلاث (غسلات)  بالمصطلح الطبي في الاسبوع والتي أدّت الى حدوث التهاب في الرئة اليمنى ثم حصول ارتفاع السائل بها مما ادّى الى ضيق في عملية التنفس والدخول بشبه عملية اللاوعي. في ظل مزامنتي لمراحل الألم تلك وجدت نفسي مسؤولاً أمام الفن والعلم المعرفي المسرحي أن أفتح نافذة حوارية اعتقدت بانها ستكون الأخيرة مع معلم الاجيال (سامي عبد الحميد) للبوح بما يدور بداخله من وجهات نظر ورسائل علمية وفنية. والان يحتم عليَّ واجبي الاخلاقي والعلمي بنشر هذا اللقاء ليأخذ مكانة كوثيقة تاريخية مهمة أمامكم وأمام الأجيال المسرحية القادمة.

{ بماذا تنصح العاملين في الحقل المسرحي؟

– قبل كل شيء أنصح كل العاملين في الحقل المسرحي في بلدنا العزيز ان يهتموا بثقافتهم المسرحية، اعتقد في هذه المرحلة اكتشفت ان هناك فقراً واضحاً في هذه الثقافة سواء على النطاق المحلي او النطاق العربي او النطاق العالمي. يجب ان يتعرفوا على جميع الاساليب والتيارات المسرحية في هذا العالم، ابتداءً من الكلاسيكية وصولاً الى ما بعد الحداثة فأنصحهم بعدم الادعاء، هناك الكثير من الشباب المسرحي يدعون بأنهم مجددون وتكتشف بأن أعمالهم لا ترقى الى مستوى التجديد، وإنما هي مجرد ارهاصات لا تستند الى تبرير فني وتبرير حياتي، واقولها بصراحة انني عندما اشاهد عرضاً مسرحياً لا يقنعني ولا اجد مبرراً في حركة معينة او في مفردة ديكورية معينة او في اسلوب معين في الاداء، فأنني اقول ان هذا العمل ليس جيداً وصراحتي هذه يبدو انها تزعج الكثيرين، ولكن الحقيقة يجب ان تقال. يجب ان يكون لكل فعل وقول في العمل المسرحي مبرر منطقي وفني او مبرر حياتي، المبرر هو الذي يقنع الجمهور، واقول اننا فقدنا الجمهور المسرحي المتذوق عبر سنوات طوال من قبل (2003) بسنوات الى الان. اتذكر اننا في فرقة المسرح الفني الحديث قد بلورنا جمهوراً مسرحياً متذوقاً يقبل على مشاهدة المسرحيات ويناقش هذه المسرحيات بعقلية نقدية موضوعية جيدة، وينتظر اعمال الفرقة السنوية. اما اليوم – للاسف – فهذه الفرقة قد توقفت عن العمل. الان اكرر قولي ان  (المسرح العراقي يمشي على ساق واحدة)!

* ماذا تقصد بعبارة المسرح العراقي يمشي على ساق واحدة؟

-اقصد بأنه يعتمد على الفرقة الوطنية للتمثيل وما ينضوي تحت هذه الفرقة من العروض المسرحية، وغياب الفرق الاهلية، اي ساق يمثل الفرقة الوطنية والساق الثانية تمثل الفرق الاهلية. وحتى الفرقة الوطنية هي ليست الفرقة الوطنية الحقيقية، بينما في السابق كان هنالك العديد من الفرق الخاصة الاهلية لا يقل مستوى اعمالها عن اعمال الفرقة الوطنية، اذ ما لم يكن يتفوق عليها، منها فرقة المسرح الفني الحديث والمسرح الشعبي واتحاد الفنانين مسرح اليوم.. وهكذا. هذه الفرق ليس لها وجود اليوم مع الاسف. واقول النشاط المسرحي لا يتم الا بإحياء الفرق الخاصة.

{ كيف تنظر للمسرح العراقي مستقبلاً  وهو الان يمشي على ساق واحدة بحسب قولك؟

– الان استذكر قول صديقنا (د. ميمون الخالدي).. يقول: ( المسرح العراقي الان هو ميت. والدراسات العليا التي تريد ان تعالج، ماذا تعالج.. الميت!) مع الاسف. صح انا اعترف لولا جهود شباب المسرح الطموحين فعلاً لمات المسرح العراقي، ولكن هؤلاء هم الذين يعطون دماء جديدة للمسرح  ولكن هذه اشعر بها تحتاج الى تنقية.

{ كيف تنظر الى دور الدولة والحكومة اذا تدخلت في الفن والمسرح؟

– واضح جداً ان الحكومة غير مهتمة بالفن كما يبدو، صحيح ان هناك معاهد.. هناك كليات للفن وهناك خريجين بالمئات بل الاف مع الاسف، ولكن ليس هناك احتواء لهم، احتواء لإبداعاتهم.. يعني مثلا الفرقة الوطنية للتمثيل المفروض سنوياً تختار اعضاء جدد من خريجي معاهد وكليات الفنون الجميلة البارزين منهم، هذا لا يحدث، ولكن الغريب بل الاغرب من هذا ان الاعضاء الاصليين للفرقة الوطنية للتمثيل لا يعملون في الفرقة، كل الذين يستخدمون اسم الفرقة هم من خارج الفرقة، وهذه واحدة من الاشياء الغريبة. مثلاً يقولون الفرقة الوطنية للتمثيل تقدم، مثلما فعل المخرج (انس عبد الصمد) وانا اعتقد بانه ليس عضو في الفرقة الوطنية بل لديه فرقة خاصة اسمها (المستحيل)، ولكن يقولون الفرقة الوطنية تقدم مسرحية (توبيخ).. كيف ذلك !

{ هل تعتقد هذه الطريقة تعبر عن عجز من دائرة السينما والمسرح بحيث تتكئ على الفرق الاخرى وتجير جهودها للدائرة؟

– ربما ذلك.. فكيف تستوعب الآلاف المؤلّفة من الخريجين، تستوعبهم عندما تكون هناك فرق مسرحية او تنظيمات لأنشطة مسرحية، مثلاً في السابق هناك فروع للفرقة في المحافظات الرئيسية تستوعب الخريجين، والان لا أعتقد موجودة.

{ هنالك فكرة مستقبلية احتمالية لهيكلة دائرة السينما والمسرح بسبب عدم تعويض الدرجات الوظيفية للمتقاعدين.. فكيف سيؤثر ذلك مستقبلاً؟

– في كل العالم الدولة تدعم مالياً الفرقة الوطنية، اي فرقة المسرح الوطني. كل العالم فرق المسرح الوطني تشتغل على نظام الخزين المسرحي، نظام (الربتوار) ماعدا فرقنا في العراق وحتى في مصر وفي تونس لا يوجد نظام الربتوار. بصراحة عندما تحيي الفرق الاهلية الخاصة اكيد سينتمي لها الكثير من الخريجين، وستتطور اعمالهم وابداعاتهم وبذلك سيتوسع النشاط المسرحي.

{ الفرق الاهلية من اين تأتي بالمال ليمنحها الديمومة وهي لا تعمل مسرح شعبي يدر لها المال؟

– هذه هي المشكلة.. اذ لابد من وجود دعم من الدولة. كيف نحيي هذه الفرق.. نحييها بدعمها مبدئياً بمبلغ من المال يخصص في كل سنة لنشاط الفرق الخاصة، وكما يبدو بأن ميزانية دائرة السينما والمسرح وكما اسمع بأنها ميزانية ضعيفة جداً، فضلاً عن تحويل الدائرة الى التمويل الذاتي، في حين لا يوجد هكذا شيء دائما فرق المسرح الوطني تأخذ تمويلها من الدولة وليس اعتمادها على التمويل الذاتي، لان ايراداتها ضئيلة جداً وهذه هي المشكلة. واعتقد وجود قسم السينما في دائرة السينما والمسرح امر خاطئ. بصراحة الانتاج السينمائي صناعة وفن وتجارة، صناعة ونحن لا نمتلك بنية تحتية، وتجارة ولا يوجد لدينا سوق للسينما العراقية، فعلى اي شيء يوجد قسم سينما داخل الدائرة.. لا ادري. اقترحت سابقاً ان يحولوا قسم السينما الى شركة (بابل) كقطاع مختلط تساهم به الدولة، والافراد، حتى تنتج افلاما سينمائية. وعلى سبيل المثال نرى الفلم الايراني متطورا جداً لأنه مدعوم من الدولة وايضاً لوجود جهات خاصة استثمارية تتولى ذلك.

 * ما هي مسؤولية المعنيين بالمسرح بأقناع السياسيين واصحاب القرار بضرورة المسرح، كيف يتم اقناعهم؟

– والله لا ادري ..!” شيقنعهم” . يجب ان يكونوا هم بمستوى ثقافي يؤهلهم أن يؤمنوا بأن المسرح ضرورة.

* ماهي رؤيتك لكلية الفنون الجميلة مستقبلاً؟

-كما اعرف ليس هناك مستقبل زاهر لهذه الكلية، لا اعرف كيف تنتشل. عندما تقارن الكادر التدريسي السابق والكادر التدريسي الحالي لا اقول عن المعرفة لكن من حيث الخبرة. الخبرة الميدانية للكادر التدريسي ليس فقط في قسم المسرح بل بكل اقسام الكلية كانوا فنانين وليس مدرسين، ما يوجد الان مدرسون. مثلاً نأخذ قسم الفنون التشكيلية كان اساتذته (فائق حسن) أهم رسام في العراق، (جواد سليم) اهم نحات في العراق، (كاظم حيدر) اهم رسام في العراق… وهكذا.

{ هل يعني ذلك بان كلية الفنون الجميلة وانت من الرعيل الثاني بها، قد حققت الاهداف والطموحات التي كنتم ترسمونها في تلك الفترة؟

– حققت لأنها انتجت.. انتجت جيلا متعلماً فعلاً، جيل كفوء في الميدان الفني ولكن هذه الاجيال بدأت تتناقص في اهميتها وفي خبرتها. دعني اقول بصراحة هل هناك مدرس مثل (بدري حسون فريد) يدرس مادة الالقاء.. مستحيل! . (بدري) كان مدرس للألقاء بحق وحقيقة.. يعلم فعلاً.

{ اذا كانوا فعلاً يعلمون لماذا لم ينتجوا اساتذة اخرين كتلاميذ بعدهم لقيادة المرحلة؟

– هذا راجع للطلاب وليس لهم. نعم يوجد كم واحد لكن لا يوجد طلاب قالوا ان نستفيد من (بدري حسون) حتى نصبح بمكانته مستقبلاً، لا اتصور يوجد هكذا. اقول بصراحة يوجد لدى الطلبة اعتداد بالنفس.

{ كيف تنظر للدراسات العليا حالياً في كلية الفنون الجميلة؟

– الدراسات لا فائدة منها.

{ لماذا؟!

– لأنها لا تصب في الميدان، كل البحوث منذ ان تأسست الدراسات العليا الى حد اليوم لا تدخل في الميدان، لا تعالج مشاكل موجودة في الحقل الفني، وانما تؤخذ تلك الدراسات وتوضع على الرفوف.. اذن ما فائدتها!

{ ما هي المشاكل التي لا تعالجها البحوث؟

– مثلاً عزوف الجمهور عن المسرح.. هل توجد دراسة من هذا النوع؟ لا. كم مرة نقول للباحثين اكتبوا موضوع عن تطوير الفرقة الوطنية للتمثيل. الفرقة الوطنية ميتة.. كيف اطورها.. كيف اعمل لها كيان له قيمة عليا…

{ ما هو السبب الرئيسي في نجاح نوع من انواع المسرح بما يسمى بـ (المسرح التجاري) عن  (المسرح الاكاديمي) ؟ هل هي الذائقة العامة ام نحن كسالى بالترويج لهذا النوع من المسرح؟

– نعم اكيد الذائقة العامة.. الذائقة العامة تريد ما هو سهل، ما هو سريع . منذ 2003 الى اليوم لم نر يوما مسرحية بها مستوى عالي وطويلة كأن تكون ساعتان، كل المسرحيات تتراوح بين الـ 45 – 50 دقيقة.

{ لماذا يعزف المخرجون عن تناول النص العالمي؟

– نعم.. لأنه يحتوي على صعوبة من كل النواحي، وبالأخص صعوبة تحليلية وتفسيرية، ليس كل مخرج يعرف كيف يحلل مسرحية، يعني مثلاً (جاسم العبودي) كان محللاً ممتازاً والاحسن بجيله في تلك الفترة.

{ التكنلوجيا الحديثة التي ظهرت بشكل واسع في سينوغرافيا العرض المسرحي بدات أخذ مساحات كبيرة على حساب اداء الممثل و العرض المسرحي ككل؟

– نعود الى (غروتوفسكي) الذي يعد كل ذلك دخيلاً على العرض المسرحي، اي دخيلة على فن الممثل والفن المسرحي هو فن الممثل، والسينما هي فن الصورة.

{ وكيف ننظر للتطور الحاصل في مسرح الحداثة وما بعد الحداثة وغيرها من التسميات الحديثة؟

– دعني اخبرك عن (صلاح القصب)، في سفرة من السفرات كنت اصوّر فلماً سينمائياً في انكلترا، ومن هناك ذهبت الى المسرح الوطني الانكليزي.. شاهدت مسرحية (طائر البحر) لـ (تشيخوف) لا تحتوي على فذلكات الديكور، وكل شيء بها واضح، فنرى بستان وبحيرة وممثلين بأزياء قديمة توحي بالأجواء الروسية. قررت الرجوع الى النص الاصلي لكي اعرف الديكور كيف كان، فأكتشفت ان الديكور الذي نفذ على المسرح هو صورة طبق الاصل عن ما موجود في النص، والذي قام بتنفيذه الانكليز، فقلت في نفسي هل نحن نفهم احسن منهم؟! ماذا يعني (صلاح القصب) بكتلة الديكور الحديدية الاشبه بجمجمة كبيرة في خلفية المسرح.. لم ار لها اي علاقة بما طرح في العرض لكن (القصب) يريد ان يخالف. اذكر في معهد الفنون المسرحية كان للمخرج (صلاح القصب) مشروعه المسرحي مسرحية اسماها (محاكمة لوكولس) لـ (بريشت ) ، يوجد تابوت في اصل النص لكن (القصب) استخدم في العرض (شخاطة) علبة كبريت بدلاً عن التابوت، الاساتذة في حينها كلهم ضحكوا جميعاً على ما فعل، لكنني دافعت عنه بقوة.

{ الجيل المسرحي الذي يعمل مسرح بعيداً عن ما يسمى بالمسرح الكلاسيكي او التقليدي او الواقعي او الطبيعي، يقولون بأن (سامي عبد الحميد) هو مخرج تقليدي كلاسيكي وهو يحب هذا النوع من المسرح ويشجع لهذا المسرح لان  نظرته تنحصر بهذا النوع  المسرحي فقط وليس لديه منظار آخر للتطور الحاصل بالمسرح او الاساليب الاخرى؟

– لو انا مثلما يدعون هل كنت عملت مسرحية (عطيل في المطبخ)، لو انا كما ادعوا هل اعمل مسرحية (ايام الجنون والعسل) لـ (خضير ميري)، التي حولت بها حياته في مستشفى الشماعية عندما ادعى الجنون واودع بها بسبب محاولته الهرب خارج العراق، فجعلت من تلك الحكاية عرضاً مسرحياً.

{ كيف تنظر الى مسرح الجسد (الكيروغراف) الذي انتشر بعد ظهور(فرقة مردوخ) في حركة المسرح العراقي؟

– هذا هو نوع من انواع المسرح وليس كل المسرح.

{ هل تريد من كلية الفنون الجميلة تدرس فقط المسرح الكلاسيكي؟

– انا لا اقول تدرس فقط مسرح كلاسيكي، بل تدرس كل الاساليب وتعرض نماذج تطبيقية لتلك الاساليب، تقدم مثلاً نموذج من المسرح الكلاسيكي ونموذج من المسرح الواقعي ونموذج من المسرح التعبيري ضمن فترة الدراسة وضمن مهرجان التخرج ايضاً. لا يجوز ان يأتي الطالب ويقدم باختياره مسرحية من تأليف شخص غير معروف، ولهذا السبب لا يتناولون  النص العالمي لأنه عملية غير سهلة، لذلك حتى لو تناولوه فيقومون بتغييره. مثلاً (جبار جودي) مسرحية (مكبث) سماها (حصان الدم)..استغربت لذلك لماذا (حصان الدم) ! لا اعرف.

{ هل اعطى مبررات منطقية لماذا تحولت من (مكبث) الى (حصان الدم)؟

– لا. فقط حصان جعله واقفاً في خلفية المسرح، ولا ادري لماذا! بينما عندما اخرجتها انا اسميت مسرحية (مكبث) (طقوس النوم والدم) اقتباساً من الكاتب (رولان بارت) فهو الذي اشار بكتابه (شكسبير معاصرنا) الى عبارة (طقوس النوم والدم) وانا ادخلت على المسرحية العديد من المشاهد المأخوذة من مسرحيات عالمية من مختلف العصور ولكنها تحمل نفس الثيمة، ثيمة الطموح غير المشروع. قدمت العمل المسرحي داخل ستوديو سينما، وقمت بتحويله الى اشبه بالكاتدرائية.

{ في اي سنة قدمت هذه المسرحية (طقوس النوم والدم)؟

– نهاية التسعينيات، في داخل الستوديو الموجود في مسرح الرشيد. وبدأت المسرحية بتشييع جثمان (الليدي مكبث) الذي وضع داخل الكاتدرائية، محيطين بها ويأنون ويصلون لها، ويأتي (مكبث) يحيها ويستذكر الاحداث الدرامية. وقمت باستبدال الساحرات بأفكار (الليدي مكبث)، اي حذفت الساحرات من المسرحية. ومنحت دور (الليدي) للممثل (مازن محمد مصطفى).

*كيف بررت ذلك؟

-بررته لان (الليدي مكبث) تقول في احد حواراتها (فقدت انوثتي). وكان الفنان (مازن محمد مصطفى) غير مقتنع بذلك، ولو كان مقتنع لأدى الدور بشكل مختلف.

{ ما هو سر عطائك المتواصل؟ نراك اما مخرجاً او ممثلاً او كاتباً او مترجماً.. الخ عطاء مستمر لا ينضب؟

– ارتبطت بالمسرح ارتباطاً وثيقاً سواء عن طريق الدراسة او عن طريق النشاط في العروض المسرحية لعدد من الفرق المختلفة، مثل عروض كلية الفنون الجميلة وعروض الفرقة القومية للتمثيل وعروض فرقة المسرح الفني الحديث.

{ لماذا بعض مخرجي الاعمال يشعرون بالإحباط؟

– يبدو لي بأنهم لا يشعرون بالإحباط.

{ كيف؟

– لانهم يتصورون بأن اعمالهم متقدمة تمثل مرحلة تاريخية معينة، ولذلك يعتدون بأعمالهم  على الرغم من ان هذه الاعمال تفتقر الى الكثير من عناصر التكامل الفني في العرض المسرحي.

{ بماذا توصي بعض الفنانين اللذين تعكزوا على اعمال سابقة حققت نجاح والان هم شحيحي الانتاج؟

– هذه نجاحات وقتية.

{ ولكنها مازالت تذكر!

-عندما نأخذ احد المخرجين ونضعه بمصافي المخرجين المتقدمين يجب ان يكون لديه رصيد وليس عملاً او عملين ناجحة بل رصيد مستمر.

{ ما هو المناخ المناسب للفنان لكي ينتج و يكون لديه رصيد مستمر؟

-المناخ المناسب هو وضع خطة سنوية وخطة للأعمال المسرحية، يشارك بها مخرجون من الشباب. والفرقة الوطنية تستضيف مخرجين من الرواد وتقوم ايضاً بإنتاج اعمال مسرحية متكاملة. من 2003) الى حد الان كل المسرحيات غير متكاملة بل مبتسرة مختزلة اي لا تقدم مسرحية متكاملة بل فصل او فصلين من مسرحية معينة. في حين المسرح يحتاج الى مسرحية كاملة. بكل العالم وجود للابتسار بل يقدموا مسرحيات كاملة.

{ هل العمل الاداري للفنان يقلل من عطائه الفني؟

-لا، بل يستطيع الفنان ان يجمع بين القدرة الادارية والقدرة الابداعية… يستطيع طبعاً.

{ كيف تنظر الى تقاعد الفنانين؟

– ل . لا يجوز ان يتقاعد الفنان بل يبقى معطاءً طيلة حيات .

{ من خلال مسيرتك هل وجدت من تاجر بالفن على حساب الف ؟

– لا استطيع ان اقرر ذلك لكن يجب ان نفرق بين عروض ما يسمى بالمسرح التجاري، التي هي في الواقع عروض هابطة تستجدي الجمهور وفقاً لمقولة (الجمهور عاوز كدا) .

{ كيف نحل هذه المعادلة بين الفنان الاكاديمي شحيح المال والفنان الذي يعمل الاعمال التجارية الهابطة ولكنه كثير المال؟

-المسرح التجاري لا يحتاج الى تمويل لأنه يمول ذاته ، في حين المسرح يحتاج الى دعم مالي من الدولة حتى يمكن له ان ينهض وهكذا.

{ هل تعتقد بأن المسرح بحاجة للخروج من مسرح العلبة ليكون اكثر تشاركية مع الجمهور؟

-ليس له علاقة. اقول لكل مسرحية طبيعة معالجتها، ولكل مسرحية مكانها المناسب، كأن يكون مسرح علبة او مسرح دائري او مسرح مفتوح وهكذا يحدد ذلك من خلال المعالجة.

{ هنالك عروض مسرحية هدفها الاساسي الايفاد الى المهرجانات الخارجية وليس الجمهور المحلي.. كيف تنظر لهذه الظاهرة؟

-انا دائماً اكرر مقولتي (ان المسرح لم يؤسس تقاليد مسرحية راسخة كما هو الحال في انكلترا وفرنسا وروسيا والى آخره).

{ ماهي تقاليد تلك الدول المسرحية؟

-اول شيء مسرح دائم، وخصوصاً فرق المسرح الوطني التي تعتمد نظام (الربتوار ) طوال ايام السنة. هناك عروض مسرحية متغيرة قديمة وجديدة والمتفرج يستطيع ان يختار ما بينها، بحيث لا يصبح وجود فراغ، اي لا يجوز ان تذهب للمسرح القومي في الصين ولم تجد مسرحية، زائداً النقطة الثانية التي اكررها بأن (مسرحنا العربي لم يعتز بتراث المسرح).

*هل تقصد بالاعتزاز بالتراث المسرحي كما اعتز المسرح في انكلترا بـ (شكسبير) والمسرح الروسي بـ (تشيخوف).. الخ؟

– نعم.

{ لماذا يتم الاعتزاز غالباً بكتاب المسرح؟

-النص هو الاساس.. النص هو الاساس.. بدون اي اشكال.

{ هل تعتقد بعدم وجود هوية للمسرح العراقي او المسرحي العربي ؟

-هي ليست قضية هوية، انا اقول لم يعد هناك ضرورة ان تثبت لكل مسرح هوية، ولكن يجب ان يكون لكل مسرح تراث سواء عن طرق النص المسرحي او عن طريق العرض المسرحي الذي يخرجه مخرجون كبار ويبقى طوال سنوات يعرض كما هو.

{ ما هو هدف المسرح؟ وهل المسرح قادر على تحقيق هدفه الاجتماعي ضروراته؟

– هدف المسرح هو توعية، توجيه، تثقيف، تحفيز.

{ هل يستطيع تحقيق ذلك؟

– يستطيع اذا كان هنالك مسرح دائم وليس فقط في المناسبات.

{ كيف تنظر الى ما يسمى بجمهور النخبة؟

-انا اقول ان المسرح يجب ان يوجه الى الجمهور وليس الى الجماهير، والفرق الجمهور متذوق يقدر، يتفهم، ينقد، يتلقى ما يرفع ذائقته الفنية ، بعكس المسرح الواطي مسرح الجماهير الذي ينحدر بذائقة الجمهور الى ادنى المستويات.

{ كلمة اخيرة الى كل معجبيك والى الناس وما تتمناه للعراق؟

-ما اتمناه للعراق الا الخير لان العراق لاقى انواع الويلات للأسف، الشعب العراقي لا يستحق مثل هذه الويلات، الشعب العراقي يستحق الرخاء، التقدم، الرقي.

مشاركة