حوار الألوان والإيقاع في لوحات عامر العبيدي

755

حوار الألوان والإيقاع في لوحات عامر العبيدي

صناعة الإبداع والجمال ونبذ الحروب

رياض ابراهيم

تتشكل اللوحة الفنية وتبنى وفق عدة عناصر فنية وذوقية ووحدات هندسية لتؤدي الغرض الجمالي الجاذب والمستفز للبصر والفكر والعاطفة وكيفية ايجاد علاقات ما بين الكتل اللونية والمساحات وملئها على السطح التصويري وما مدى انسجام الألوان وترابطها واتساقها مع تيمة العمل وبواعثه الفكرية والجمالية ، والفنان ( عامر العبيدي ) لا يخرج عن منظومة المفاهيم  هذه حيث تتسم رسومه باحترافية وأكاديمية وأدرك ماهية اللون والتشكيل و وتبنى فلسفة شخصية وفق منظوره وخبراته ، واتخذ لخطابه خصوصية تمثل أفكاره وقناعاته وثقافته وثقافة بيئته ، وكما يقول الرائد ( فائق حسن) ( في اللون وابداعه تتحدد فلسفة التشكيل ) .

تجربة تشكيلية

وهنا ما يستوقفني حين أقرأ تجربة التشكيلي ( عامر العبيدي ) أجد له فلسفته بالتعاطي مع الموتيفيا الشعبية والتراثية التي أستمد منها أغلب أعماله ليصل للفعل الجمالي كما يسميه ( باختين ) . يعد توظيف الموروث والبيئة وما يحملانه من مدلولات حضارية ووجودية وكيانية وجمالية يتمخض عنهما انتاج الخطاب الجمالي ( لعامر العبيدي ) فترسخت لديه مفاهيم وقيم فنية تشكيلية تناظرت في مفاهيمها بين الحداثي وما بعد الحداثي وبين الحداثي والمعاصر بأسلوبه هو وفق رؤية فنية وفكرية صيرت وأنتجت اسلوبه وفلسفته الخاصة المغايرة والمختلفة عن الآخر ، فيحيل قصص التاريخ أو اليومية الى أساطير لونية تجسد العذابات والألم العراقي وقسوة الواقع على الفرد العربي الذي تتشابه عذاباته دون تمييز وهذه العذابات بانوراما لا تنتهي فهي مرافقة له  وتتجذر فيه ولن يستطيع الافلات منها مهما جمحت خيوله وحلقت طيوره ولن يبلغ الفجر مها علت أصوات ديوكه . اللوحة لديه مجسدة في تكرار الشكل التصويري الذي يخلق حوارا مع المتلقي ، والتكرار هنا يضيف ايقاعا موسيقيا يشده وليصبح كنغمات وسلالم موسيقية متكررة فتبدو موسيقاها صاخبة من فعل التكرار هذا من جهة ومن جهة أخرى يزيدها انفعالا حين يوظف الألوان الحارة لتستفز عواطفه بشدتها وحدتها على البصر فتجعله لصيقا لها وبنظرات حادة متسلطة ومهيمنه على نظره، فيكرر مشهد خيوله برقابها الفراعة الممتدة الى أعنان السماء وملتوية مرة أخرى ليعبر عن مدى الغضب والانكسار جراء ضغوط الواقع عليها فيحاصرها بدوائر وأسوار تعبيرا عن الحصار الذي أخضعها وهبط من جماحها وعزيمتها من الافلات من قدرها فيهتم بالمساحة المتاحة وليس بالفراغ لذا تراه يؤطر طيوره بدوائر لتوحي للأقفاص والقيود فيضع زوايا ونقوش وتطريزات ( مونتيفات ) داخلية وخارجية لتدع المتلقي اسير دواخل لوحاته أي يمارس العبيدي ذات اللعبة من الاسر والقيد لتنتقل من شخوصه ومجسماته الى المتلقي لكن هذا الأسر المؤقت هو آسر ومدهش وجاذب لا نافر . يقول العبيدي (   . الحصان لدي ليس حيواناً فحسب ؛ انه رمز للثورة والحركة والتمرد .. اما المهرة فهي المرأة ؛ ودائماً ما ارسمها جميلة ورشيقة وكحيلة .. واما الديك فهو من وجهة نظري : الزمن والرشاقة والفتوة والشهامة والغيرة والفجر الجديد وهو مرافق للإنسان منذ فجر التاريخ .. ولا توجد حضارة انسانية الا وكان الحصان والديك في مقدمة اعمالها الابداعية .. انهما رمز للحياة المتدفقة بالعطاء .)  لوحات ( عامر العبيدي)  تخلو من الفراغات فألوانها وجسومها التصويرية تشغل السطح التصويري بأكمله فليس هناك فسحة للفضاء ولا يوجد متنفس لوني على السطح ، فنجده يضيف اليها اطارا دائريا أو بيضويا مقيدا لحركة اللوحة وشخوصها وجسومها وهي اشارات سيمائية مكثفة لفعل هول الضغوط الواقعة على نفسية المنتج لها ولتكويناته الناطق باسمها والمعبر عن آلامها وشكواها .

زوايا حادة

وقد تجد لوحاته مجسدة بطريقة التكعيب من خلال تجسيمه لمكوناته بخطوط وزوايا حادة ومساحات مستوية . اللون وتدرجاته الذي يسبغ مكونات لوحاته قد يغدو جسدا واحدا وموضوعا واحدا ونجد وحدة قياس وتتقارب الابعاد اللونية في كتل لتضيء شخوصه فالخيل تتخذ ذات اللون لفارسها وهو في رحلته أو تحليقه ،   بمعنى أن المدلولات اللونية في لوحاته لها مرموزات شكلية واشارية تدل على قسوة الجغرافيا والتاريخ على شخوصه وبيئته وهي تدور في فلكها الزمني دون تغيير ،  أي أن الزمن هنا والمكان يتشابهان  في حركتهما وأحداثهما ، ومهما علا صوتها وصهيلها وهديلها لن تبغي ما ترمي اليه من تحرر وعاجزة عن كسر قيودها مهما توالت العصور والأزمان ، والبيئة تشابهت في قسوتها من صحراء ومدينة وأحلام فتندمج  معاني الأحلام مع الواقع فتنتج ألوانا فيروزية حالمة وأخرى حارة ساخنة ، ويبقى المصير واحدا هو الألم والكبت والقيود ، فيتحول صراعا وجوديا بين مكونات لوحاته  كالخيول والطيور والديكة والانسان للبقاء في هذه الفسحة الضيقة من سطوحه التصويرية فتضيق بها الأماكن ، فتبح أصواتها وتشيخ قوائمها بعد أن كانت مفتولة رشيقة ناعمة مدللة حالمة ورومانسية من جراء الواقع الصادم لها ،  خيول ( العبيدي )  منضبطة في حركتها ونسقها  ، خيول تأخذ دور الانسان في تأدية وظائف انسانية .

يشاهد المتلقي في لوحاته صوراً لــ (ألفة الحيوانات والطبيعة ، خيول تئن وطيور مترفة ، عناق الخيول والحمام ) (في اللون وابداعه تتحدد فلسفة التشكيلي) بل تقوم اللوحة الرائدة علي طبيعة الالوان وترابطها وانسجامها، فإذا أتقن الفنان لعبة توزيع الكتل اللونية أتقن الحركة في اللوحة، لأن في اللون عمقاً وامتداداً وتموجاً وهذه كلها تفتح ألغاز ابداع الرسم.

ونجد في لوحته تتقارب الابعاد اللونية في كتل مضاءة بحسب قياسات موحية، ونجد أيضاً وحدة قياسية بين شخوص لوحته ،

لوحات  ( الفنان العبيدي ) حلقات حوارية مفادها :

 الشمس لم يعطها وهجها وألوانها المشعة بل جسدها دائرة بيضاء كحدقة عين  ، وقد تجدها بألوان مغايرة أي لم تؤد الشمس في لوحاته الضياء والنور لان المشهد الواقعي كما يدركه  لم يوح الى فجر يمكن رؤيته وحدسه . في اغلب لوحاته يبث رسائلا قائلا :  نحن لسنا دعاة حروب بل صناع ابداع وجمال . يرد على الاستشراقيين  نحن  الشرقيون  لسنا فسحة سياحية وملذات وحروب وأثر وألف ليلة وليلة وغناء وحمامات نساء وسلاطين وشعوب تعبدهم وشعوب متحررة جنسيا وغير مقيدة بأعراف وأخلاقيات ، بل نحن صناع جمال لم نأخذ فرصتنا بعد .

مشاركة