حمودي ضاغطهم – علي الجنابي

681

حمودي ضاغطهم – علي الجنابي

أرسلَ ليَ “حمودي” ضاغطهم، ومعلومٌ أن ضاغطهم: أي كائدٌ لمنافسيه، طلبَ صداقةٍ  لتُرفَعَ بيننا الحُجُب. قبلتُ فوراً على إنشراحِ صدرٍ، وسعةٍ وغزيرٍ من الرحب. رغم أنّ “حمودي” شقيٌّ غيرُ تقيٍّ، كائدٌ لمن حوله، وقائدُ للصخب وللشغب، لكنّهُ إختارني صاحباً فوق ركامِ ماعندهِ من كتلٍ لجيفِ من الرفاقِ والصحب.

ومادامَ “حمودي” إنتقاني فهو ضالتي ولأسكبَنَّ في وجدانهِ الكتب، فإمّا أن تضغطَ كلماتي أذانَهُ حين إختلائهِ مُعتكِفاً متصفحاً بلا نططٍ ولا وثب، فيسترخيَ بخطاهُ ليرميَها هوناً على التُرب، وإما أن تضغطَ ثُلماتُهُ لسانيَ حين إعتلائي مُناكِفاً متنفِّحاً بلا شططٍ ولا طنب، فأستلقي ك”بهلولَ”بغداد في مقهىً على ضَحِكٍ وعلى طرب.

قد جُبِلَتِ النفسُ على تفاخرِ بأنها الذروةُ، أو أنها من عالي الرتبِ، وأنها من عليةِ القومِ أو من حليةِ “النُخَبِ”. حقٌّ لها ذاك، حتى ولو كانَ شأنُها دفينَ جُبٍّ أو ذِكرُها رهينَ تابوتٍ من خشب. فترى ذوي “النُخَب” ما إنفكوا مستنكفين من العوامِ، يُسَمُّونهم أولي اللغو و”الصَخب”، وقد بنى ” ذووالنُخَب” برزخاً يحجرُ عنهمُ هوامَ ذوي “الصخب”، رغم أنّ العوامَ في سَبَقٍ لنيلِ تصاهرٍ أو تعارفٍ، أو حتى تلاطفٍ مع عينةٍ من أولئك المُدعَونَ: “أولوالنُخَب”. غير أنَّ برزخَ “أولي النُخَب” مابرحَ زاجراً لكلِّ إِمْتِزَاجٍ، وهاجراً لكلِّ إِنْدِمَاجٍ، وفاجراً بمن سَوَلَّت له نفسُهُ تناوشَ طرفَ حديثٍ مع لسانٍ من ألسنةِ “النُخَب”.

أهل”النُخَب” هؤلاء، تراهمُ يَتَمَطَوْنَ فرحينَ بما يَتَجَمَّلُ قلمُهُمُ وما كَتَب، أوبما يَتَزَمَّلُ فهمُهُمُ وما ذَهَب، أو بما يَتَكَمَّلُ سهمُهُمُ من درهمٍ ومن ذهب، وتناسى القومُ أنهم كيسٌ من الأنباءِ تَلَمَّعَت من أولي الحُقب. أنباءٌ سيطمرها الطمى، والفناء بشهورها موصول. ثمَّ إنّ هناك..

أهلُ “الصخَب” يَتَخَطَوْنَ ترحينَ بما يَتَرَمَّلُ سقمُهُمُ وما جَلَب، أو بما يَتَحَمَّلُ همُّهُمُ وما كسب، أوبما يَتَقَمَّلُ وهمُهُمُ من جهلٍ ومن كرب، وتواسى القومُ أنهم عيسٌ في البيداء تَجَمَّعَت من مقيمٍ ومُغتَرب، عيسٌ سيقتلها الظما، والماء على ظهورها محمول.

فلا ذو “نخبٍ” دنا فحنا على ذي “صخبٍ”، ولا ذو”صخبٍ” رنا فسنا بذي “نخب”.

كلٌّ مُصَنَّعٌ من سرابِهِ،

وكلٌّ مُقَنَّعٌ بجلبابِهِ،

وكلٌّ مُمَنَّعٌ بخطابِهِ.

أنا..

 ما كنتُ ولن أكونَ من ذوي “نخبٍ”، و ما كنتُ ولن أكونَ من ذوي “صخبٍ”، بيد أنّيَ مُغرَمٌ وهيمانٌ ببعض ما تحتَ اللغوِ والصخبِ، من حكمةٍ ومن فطرةٍ نبذت عبادة المسبباتِ والسبب.

مرحباً  بك “حمودي” في رَهَطِ ربطاتِ عنقٍ وأقلامِ، ووَسَطِ نظراتِ تملّقٍ وأحلامِ، ونَمَطِ عبراتِ تخندقٍ وأعلامِ ، وذاكَ هو رهطُ و وسط و نمطُ “أولي النُخَب”.

مشاركة