حمدي العطار وأدب السياحة – طالب سعدون

نبض القلم

حمدي العطار وأدب السياحة – طالب سعدون

الصحفي حمدي العطار واحد من كتاب الرحلات  وله مؤلفات في هذا النوع من الادب ، ولتميزه فيه  حصل على الجائزة الاولى في مسابقة الساعاتي عام 2016 عن كتابه مسافر زاده الخيال ..

وبعد التطورالكبير في التكنلوجيا ووسائل المواصلات والاتصالات والتواصل  بمختلف اشكاله  اُختصرت المسافات ولم تعد هناك مساحة مجهولة أو غير مكتشفة جغرافيا ، وإزدهرت السياحة  وتولت مهمة تنظيم الرحلات وحققت إكتشافات  من نوع أخر يتعلق بالانسان نفسه ..

أدب السياحة يجمع بين المتعة والفائدة ، والتعرف على الاخر ومستوى تقدمه أوتاخره وتجاربه وتاريخه وحضارته ونظمه السياسية والحياتية ،  وطبائعه وعاداته ،  وفعل الطبيعة وتأثيرها عليه  تقدما أو تخلفا ..

 السياحة اليوم تولت مهمة لا تقتصر على الترفيه والراحة  والمشاهدة بل  أضافت لها مهمة بناء علاقات انسانية  عامة ، تنشد التواصل وتبادل التجارب والمنافع بين شعوب العالم .

لذلك أرى أن مصطلح (أدب السياحة) هو الاقرب والأنسب  لهذا النوع من الكتابات ..

ومن هنا أميل الى تصنف  كتابات   حمدي العطار وغيره  ضمن هذا النوع الادبي ، ومنها كتابه (اسطنــبول في عيون صحفي عراقي)  موضوع مقالي اليوم ..

مدن تصنع تاريخها

ليس الانسان وحده من يصنع تاريخه ، بل المدن ايضا تصنع تاريخها وتحـــرص عليه وتضيف اليه ما يناســب العصر والزمان .. وهـــكذا هو الانسان ..

واسطنبول واحدة من هذه المدن .. هي مدينة عريقة ، عميقة ، جميلة تستهوي السائح والباحث … الاثنان يجدان ضالتهما فيها .. متعة النظر  والراحة وثراء  العقل .

والكاتب الرحالة حمدي العطار كان (واحدا في إثنين) في كتاباته السياحية  .. فقد جمع الصفتين في كتاباته عن المدن التي زارها ، وخرج باصدارات فيها فائدة للسائح واغناء للمكتبة المتخصصة بهذا النوع من الادب ..

الاسلوب الرشيق والكلمة المناسبة والمعلومة الدقيقة  وخيال  خصب ينقله الى ماضي المكان الذي شد الرحال اليه ، يعيش في أجوائه ، ويبدع ليس في وصفه فقط وانما في تأثيره على الحاضر والآخر .. كل تلك الميزات تجمعت في كتابات الصحفي  السياحي حمدي العطار ..

(الكتابة السياحية) عند حمدي العطار ممتعة للكاتب نفسه والقارىء معا .. ووجدت في قراءاتي لما كتب في هذا الفن عملا ادبيا ابداعيا يأخذ القارىء معه على بساط الكلمة والصورة في رحلة سياحة ترفيهة تاريخية سياسية اجتماعية بمنطق الباحث واسلوب الاديب الروائي وسرده والشاعر وصوره والصحفي وصبره ودقة المؤرخ ونباهة الدليل المرشد وسعة ثقافته واطلاعه باختصاصه ، يغطي المكان بما يناسبه ويأخذ منه استحقاقه الطبيعي ، وكأنه يرسم صورة فوتوغرافية ملونة بالكلمات للمكان .

(اسطنبول في عيون صحفي عراقي ) كتاب جديد في أدب السياحة للكاتب الصحفي حمدي العطار هو الرابع  له في هذا الفن الجميل ،   جمع بفصوله الاربعة رحلاته الى اسطنبول في فصل الشتاء ، فهي مدينة لها طبيعتها السياحية الخاصة فيه ، وقد  تظافرت عوامل بشرية وطبيعية  لتجعلها بهذا المستوى  السياحي في فصل الشتاء فالسياحة (ليست مرافق سياحية فقط بل يلعب الطقس دورا مهما وحيويا ويسهم  في الاقبال او الهروب من البلد الى دول اخرى تتوفر فيها مميزات السياحة) وهذا ما تمتاز به تركيا على مدار الفصول  وفي مدن عديدة ومنها بورصة ايضا  التي خصص لها فصلا من  هذا الكتاب ..

لكل مدينة طابعها الخاص لكن اسطنبول جمعت طابعين معا هما الاوربي والشرقي .. فتلك (الثنائية الاوربية – الاسيوية)  كانت   مصدر قوة وازدواجية في الانــتماء معا .. فكانت  حلم الغرب كما هي معشوقة الشرق ..

كانت اسطنبول عاصمة للعديد من الامبراطوريات في مراحل تاريخية متعاقبة (الرومانية والبيزنطية واللاتينية والعثمانية) .. وتلك الميزة جعلتها مدينة سياحية بامتياز حيث تستقبل نحو خمسة ملايين سائح أهلتها بجدارة لتكون (مرجعية تاريخية لتركيا ونموذج حاضرها المعاصر) ..

مدينة  جمعت بين الاصالة والمعاصرة ..  تحاكي التاريخ  وتغازل الحضارة   وتعيش الحاضر بكل ابعاده ، وتحقق التواصل بين عالمين  ..

مدينة قال عنها نابليون (لو كان العالم دولة واحدة لاخترت اسطنبول عاصمة لها) ..

وفي الفصل الثالث تناول الباحث  بورصة (مدينة السلاطين) التي تعد رابع مدينة تركية من حيث عدد السكان ويطلق عليها مدينة الاضرحة لانها تضم رفات أربعة سلاطين عثمانين هم (عثمان غازي مؤسس الدولة العثمانية والسلطان اورخان ثاني السلاطين والسلطان العثماني الخامس جلبي محمد والسلطان العثماني السادس مراد الثاني) ..

من المصادفات أن يودع الكاتب عاما ويستقبل اخر في تركيا  وهو على ظهر سفينة تبحر على انغام الموسيقى الشعبية والرقصات الفلكلورية التركية والعربية  بالمناسبة تحت جسر البسفور والالعاب النارية  التي كانت تملا سماء اسطنبول ، فافرد لاعياد  راس السنة الفصـــل الاخير  من كتابه .

شخصيا ..أنا زرت اسطنبول مرة واحدة  وكتبت عنها  وعن (برج الفتاة)  بالذات فقد  اثار انتباهي مبناه  بطوابقه الستة وموقعه  في المدخل الجنوبي لمضيق البسفور من الجانب الاسيوي والمراكب التي تمر حواليه ، وقصة انشائه من قبل أحد السلاطين وكانت أقرب الى الاسطورة والخيال ، وتتلخص أن أحد السلاطين رأى في المنام  ان افعى ستلدغ ابنته التي يحبها كثيرا في عيد ميلادها الثامن عشر وتموت فقرر ان يبني لها برجا وسط مضيق  البسفور لحـــمايتها من أي افـــعى لكن ثعبانا  تســــلل  اليها مختفيا في سلة فاكهة اهــديت اليها  ولدغها فماتت … فاصبح البرج عظة وعبرة للقدر والايمان بانه لا مـــفر من قضاء الله ..

رحلة جميلة  الى اسطنبول يصحبك الكاتب حمدي العطار معه  في كتابه عنها ، تتجول معه من خلال الكلمة والصــورة  بين المعالم والكنوز الاثرية والتاريخية والترفيهية ومعالمها الحديثة والقديمة من جسور ومبان واسواق  ومطاعم وشوارع  ومساجد ومكتبات  والعاب  وغيرها من الوسائل التي تجلب الناظروتسر الزائر ..

مدينة لا تمل من زيارتها ولا تستطيع الادعاء انك قد رأيت كل ما  فيها  من كنوز ومعالم ، لانها من المدن المتجددة تاريخيا واثريا وتراثيا ..

في اسطنبول هناك دائما  في كل زيارة ترى ما يستحق المشاهدة ويخلق الدهشة والفرحة .. لذلك تعود اليها مرة ومرات  وربما تكون ضمن برامج زياراتك  بين حين واخر ..

اسطنبول  مدينة تقرأ فيها التاريخ وتعيــــش الحاضر بكل مفرداته الجميلة ..

جهد متميز وعمل كبير للكاتب ولصحيفة الزمان ورئيس تحريرها الدكتور احمد عبد المجيد في تشجيع ودعم هذا النوع من الادب سواء مع الكاتب حمدي العطار او غيره من الكتاب والصحفيين  ونشر نتاجاتهم في هذا المجال .. وكانت للدكتور عبد المجيد اسهامة متميزة واضافة نوعية في هذا الادب بمؤلفات كثيرة ..

00000000000000000000000000000000

 كلام مفيد :

رب سكوت خير من كلام ..

وضمن هذا المعنى قال الامام الشافعي :

يخاطبني السفيه بكل قبح

فأكره أن كون له مجيبا

يزيد سفاهة واُزيد حلما

كعود زاده الاحراق طيبا

وبالمضمون نفسه قال الشافعي ايضا  :

قالوا سكت وقد خوصمت قلت لهم :

 إن الجواب لباب الشر مفتاح

والصمت عن جاهل أو أحمق شرف

وفيه أيضا لصون العرض إصلاح

ألم تر الاُسد تُخشى وهي صامتة

والكلب يُخزى لعمري وهو نباح

مشاركة