حمدي العطار .. مسافر زاده الخيال – طالب سعدون

527

نبض القلم

حمدي العطار .. مسافر زاده الخيال – طالب سعدون

رحلة ممتعة أن ترافق كاتب في رحلته على بساط كلماته الأثير ..  ففي ذلك فوائد كثيرة تغنمها من تجارب أسفاره ورحلاته ، فهو يعرف من خبابا الاماكن وأسرارها وكنوزها وذاكرتها ويومها وإنسانها ربما ما لا تعرفها، أو مررت بها عابرا ، ولم تتوقف أمامها في تفاصيلها ، ويختصرلك المسافات ، والزمن والنفقات والجهد ، ويوفر لك المتعة والتمتع بها ، وتعرف منه أيضا سر جاذبيتها ، وأسرارها وتميزها في الاختيار من بين الكثير لشد الرحال اليها .. كانت تلك هي رحلتي لساعات طويلة أمضيتها كانت حصيلتها معلومات وفيرة وغنية عن أماكن متعددة صحبني الكاتب الصحفي حمدي العطارمعه اليها عبر كتبه التي صدرت له عن رحلاته  الكثيرة دون ملل لخص فيها مشاهداته باسلوبه السهل البسيط غير المتكلف ، وغير المعقد المفهوم للجميع ..

وهكذا ترى حمدي العطار أيضا في علاقاته الانسانية مع الأخر، بسيطا متواضعا ، لطيف الصحبة والمعشر ، وبهذه الصورة تعرف عليه القارىء في كتاباته –  كان يكتب  باسلوب قريب من ( عامة الناس ) ، والنخبة معا ، وبالاسلوب الساخر على مقتضى الحال وقدر الفائدة ، أي عندما يجد فيه ضرورة لتوصيل فكرة ما ، فيكون عنده ( للعلاج ، وليس للابتذال والتهريج ) .. ( فخفة الكلمة )  ووقع تأثيرها على المتلقي أداة الكاتب في توصيل ما يريد  مباشرة دون وسيط … ( فابتسامة على وجه القارىء تعني أنه فهم الزبدة ووصلت اليه الفكرة ) –  أليست الفــــائدة هي هدف الاثنــين – الكاتب والقارىء ..؟ ..

كان هناك من يتصور بأن أدب الرحلات  قد إنتهى  دوره ، ولم تعد له ضرورة ، أو قلت فائدته في عصر العولمة ، ووسائل التواصل  المختلفة وتطور التكنلوجيا ، ووسائل المواصلات التي  قللت التكاليف ، وإختصرت المسافات ،  وخففت المعاناة ، وقربت الثقافات ، وحولت العالم الى شارع ، وليس الى قرية ، كما كان يقال ، لكنني أرى العكس أن الحاجة  تبقى قائمة اليه للتعرف على الأخر وتجاربه في مجالات عديدة ، وتحقيق التواصل الانساني معه ، وتبادل  المصالح ، بما يحقق الفائدة للطرفين والانسانية عموما .. فإذا كان هذا الادب يقوم في  الماضي على الاكتشافات الجغرافية والتاريخية ، فهو يعتمد اليوم على ما هو أعمق ..  يقوم على معرفة جوهرالانسان في علاقاته ..وتقدمه وتأخره ..وحضارته وتراجعه .. ونظمه السياسية والحياتية.. وطبائعه وعاداته .. وفعل الطبيعة وتأثيرها عليه ، وتشاهده باقصر الطرق كيف وصل الى هذا المستوى ، وتشاركه بما وصل اليه من تقدم ونعيم ..

فالانسان هو محور الواقع ، وبينهما ترابط  ، أحدهما يؤثر في الأخر .. وهو إذا كان يختلف مع غيره في الطبائع والعادات ومستوى التقدم والثقافة يتفق مع غيره في الانسانية ، وفي الخلق –  وهي جوهره وتدفعه الى تعزيز الرابطة مع الأخر من خلال التواصل ..وهذا الادب  هو أحد وسائله في تحقيق  تلك الرابطة الانسانية ..

 فادب الرحلات  قديم قدم الانسان ، يجعل العالم مفتوحا على بعضه ، والشعوب متصلة مع بعضها ، وليس بامكان دولة أن تنغلق على نفسها أو لا يعرفها الأخر .. وتلك قيمة جديدة لهذا الادب تناسب العصر وروحه .. ولا نعرف ماذا يضيف  المستقبل  من تطور في هذا المجال أو غيره …

 جهد متميز ، ومفيد إستحق به أن يحصل  الكاتب حمدي العطار على جائزة الساعاتي لأدب الرحلات لسنة 2016  ويؤكد  في كتاباته حضوره  الواضح  في هذا الادب ، ويشكل إضافة جديدة  في الابداع  الادبي والصحفي معا ، نقل  فيه مشاهداته عن الدول والاماكن التي زارها  وانطباعاته ، وما صادفه في رحلاته الى حد التفاصيل ، وهي  حسب تسلسل فصولها في الكتاب  (جزيرة سريلانكا ، أرمينيا ، لبنان بضمنه جنوبه ، الامارات ، انطاليا ، اقليم البحر الاسود واسطنبول) ليكون هذا الكتاب من ضمن الوثائق والمصادر المهمة ، السياسية والتاريخية والاجتماعية والجغرافية عنها ، للمتخصصين في مختلف المجالات ولغيرهم ممن ينشدون في سفراتهم المتعة والفائدة ، لأنه يوفر معلومات  غنية  قد لا يجدها عند الدليل السياحي ، ، أو شركات السفر والسياحة ، أو (الفولدرات الاعلامية)، التي قد يتعامل معها  البعض بلغة الاعلان والدعاية والتجارة ، فتضيع الحقائق بينها ، أو الكتابة  القصيرة التي تتضمن انطباعات عامة سريعة  تناسب أداتها ، لا تشبع رغبته ، ولا تسد حاجته الحقيقية ، وهذاما يعطي كـــــتابات الرحلات أهمية وعمقا وتميزا ومتابعة ..

لقد صدرت للكاتب حمدي العطار كتب ومقالات عديدة  سجل فيها  انطباعاته بشكل واقعي  عن الاماكن  التي زارها ، وهو لا يخفي إعجابه ببعضها ، ونقده لأخرى ، أو يرى مثلها في بلاده ، أو غيرها .. أي أنه  يخضعها للنقد والمقارنة مع غيرها ، واستطلاع أراء مواطنين فيها ومعرفة وجهات نظرهم في مختلف الأمور التي تثير إهتمامه ، وتستوجب تناولها ..

وكثيرا ما يحضر في ذهن الكاتب واقع  بلاده ويقارنه بحال البلدان التي يزورها ، وتلك الانتقالة  من حالة الى نقيضها ..  فغالبا ما تنتاب  العراقي حالة من الكأبة عند عودته ، ليس لأنه يكره العراق ، لكنه يتوقع  أنه سوف  تواجهه كل تلك المنغصات أول ما يدخل الى البيت ، ومن  ثم الى الشارع ، وفي مجال العمل وغيرها ، وهو قادم من بلد تتوفر فيك كل وسائل الراحة والخدمات على حد تعبير الكاتب ..

الخيال عنصر أساسي في الابداع ..

والخيال يوسع عوالم الانسان ، وينطلق به الى الفضاء الرحب ، ويدفعه الى التفكير ويساعده في ولادة اشياء جديدة جميلة .. وقد إقتبس العطار عنوان كتابه الذي فاز بالجائزة المذكوره (مسافر زاده الخيال) من أغنية لمحمد عبد الوهاب .. لأنه كان يرى أنه لا فائدة من السفر إن لم يصاحبه الخيال .. وطالما يوجد الخيال يحضر الابداع في  الكتابة .. ذلك الخيال الذي يجعل الاشياء أجمل وأمتع ، وكم من افكار كانت خيالا ثم أصبحت حقيقة ..

وفي كتاب أخر من أدب الرحلات  تناول فيه العطار زياراته المتكررة الى ايران برؤية صحفية ثاقبة وكان بعنوان (ايران بعيون صحفي عربي) ..

وهذا الجهد في التأليف ، وعشق السفر يجعله دائم الترحال متأبطا  حقيبة السفرباستمرار، (ويجعلك تتوقع المزيد منه ) كما يرى الدكتور أحمد عبد المجيد في مقدمته للكتاب ، و (يعزز دوره في رسم معالم طريق بدأه بعض الصحفيين المثابرين الذين يعيش معهم هاجس المهنة في الصحو والمنام ، وفي الليل والنهار ، وفي كل وقت كما يصاحب شخص زوجته الثانية ..مشيدا بما قدمه العطار في هذا الشأن بكتابة ما يرافق رحلاته من مصادفات ومفارقات والاجتهاد الذي أظهره في كثرة السفر والاستعداد لبذل المال من اجل تاكيد الحضور في حقل ظل الى وقت طويل حكرا على أسماء عراقية على الصعيد المحلي ، وعلى رموز معروفة على الصعيد العربي والاسلامي ، ولاسيما ما يتصل بالتراث والجغرافيا) ..

وللدكتور احمد عبد المجيد إسهامته أيضا في هذا الادب سجل فيه رحلته الى جورجيا أو أرض الينابيع الحاره .. وقد كتبت عنه مقالا في الزمان في حينه بعنوان  (غرام جورجيا واحمد عبد المجيد) وتمكن عبد المجيد ببراعة قلمه المعروفة ، ودقةعدسته ، أن يغوص مع تلك اللؤلوة ، وكان صائغا بارعا و(جواهرجيا)  حاذقا، جذبه بريقها وسحرها الأخاذ ، وخرج من بحرها بذلك الصيد الذي تضمنه كتابه  (جورجيا .. لؤلؤة القوقاز) وصدر حديثاً كتاب مماثل يوثق رحلته الى أرمينيا بعنوان يوميات بلد الكنائس والمتاحف والمشاهير.

وكان لصحيفة الزمان  ولا يزال دورواضح تشكر عليه في دعم وتشجيع الكتابة في أدب الرحلات ، سواء مع الكاتب حمدي العطار أو غيره  من الكتاب والصحفيين .. وسبق  (للزمان) أن نشرت لي سلسلة مقالات كتبتها عن زياراتي الى  تركيا ولبنان وبضمنها بعبلك التي يوجد فيها مقام السيدة خولة بنت الحسين (ع) ، والعتبة الرضوية المقدسة في إيران التي تعد مدينة كاملة ،قائمة بذاتها ، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ودلالة ، وليس مكانا مقدسا فقط ، وذلك لسعتها مكانيا ، وبما تضمه من أبواب كثيرة ، من جهات متعددة ،ومبان واسعة متكاملة ، ومن صحون عديدة تحيط بضريح الامام علي إبن موسى الرضا (ع).. فالمزارات والمراقد الدينية تشكل  اليوم ثروة روحية يتبارك بها الزائرون ، وينعم بها العاملون ، وثروة اقتصادية كبيرة للبلاد ، وتجد من بينها نماذج فريدة  في فنون الادارة والاقتصاد والعمارة والنظام والنظافة والتطور، وهكذا هي مقامات أهل البيت والاولياء الصالحين  ..

رحلة طويلة تنقلت فيها مع الكاتب حمدي العطار بين الدول التي زارها، وبعدها الى عالم السياسة مع كتابه (إعترافات سياسي أممي) تناول فيه سيرة الحزب الشيوعي وتجربته معه ، وتاريخه ومواقفه برؤية تحليلية ، عرض من خلالها وجهة نظره معتمدا  فيها على المصادر والكتب والمذكرات واللقاءات الي أجراها مع كوادر الحزب وقيادته ، وخلاصة ندوات وحوارات  صحفية وشخصية عززت رؤيته ، وأغنت بحثه في هذا المجال  …

جهد كبير ومكلف ماديا بالتأكيد للكاتب حمدي العطار .. أفادنا وأمتعنا برحلته وكتاباته ،  التي كانت تستحق منا ومنه ذلك الوقت الذي كرسناه لها  ..

 وتلك هي مهمة الكاتب أن يحقق هدفه في أن يسعى ليكون لكتاباته صدى مؤثر عند المتلقي ، بغض النظر عن مستواه الثقافي والتعليمي ، خاصة في أدب الرحلات الذي يهم الجميع .. فالسفر للجميع ، والفائدة ينبغي أن تعم الجميع أيضا  ..

         { { { {

كلام مفيد :

الانسان يعشق من يغيب .. في الصيف يحب المطر أكثر من الشمس .. وفي الشتاء يحب الشمس أكثر من المطر ..

كلام جميل  قرأته وأعجبني ..

مشاركة