حل مجلس النواب .. بطريقتين ليس إلا – مقداد هادي محمد

281

 

 

 

 

حل مجلس النواب .. بطريقتين ليس إلا – مقداد هادي محمد

أساء كثير من القانونيين، وغير القانونيين، تفسير مسألة حل مجلس النواب ” البرلمان “، في النظام البرلماني. وقد ذهب البعض بالتمادي في التفسير، حتى أبتعد عن النص، الذي بين يديه. والمبدأ القانوني؛ ينص على أن؛ ” لا إجتهاد في مورد النص “.

وبعض من هؤلاء المفسرين من يتبؤ منصباً كبيراً، ومسؤولاً، في الدولة، أو يدعي منهم الخبرة القانونية. وبعض من هؤلاء، من تمركز في موقع قانوني، وكأن هذا المركز ضامن، يصون، رأيه الفاسد.

وأخرون؛ الهب الحماس مخيلتهم، بعيداً، وتهيأ له أن المسألة القانونية تجيز له المناكفة فيها، كحال المسائل السياسية، التي تجيز التبحر، وأعطاء الأراء المتباينة، وإن حُصر مبدي الرأي في زاوية محرجة، تنفس الصعداء، وأردف منسحباً عن رأيه، متقولاً؛ بأن ” إختلاف الرأي لا يفسد للود قضية “. في حين أن القضايا القانونية، على الأغلب، لا تقّسم، ولا تجزأ، وعلم القانون، قد يتماها، كعلم الرياضيات، أما أن تكون النتيجة صحيحة، أو أن تكون خاطئة، وليس هناك شيء آخر، بين بين، سوى التدليس، والفساد، في الرأي. إذن؛ الإحتكام الى قضية حل مجلس النواب ” البرلمان “، تكون في كيفية واحدة، ليس إلا؛ وهي مرجعية هذه الحالة.

فراغ دستوري

وكما يعلم الجميع، ليس هناك فراغ دستوري، لهذه الحالة. ومن حيث معالجة حل مجلس النواب، في النظم البرلمانية، تختلف دول العالم، فيما بينها، تجاه هذه المسألة.

ويعود ذلك، إلى جملة أسباب، أهمها، فلسفة الدستور، وطبيعة النظام السياسي، ومدى قوة التوازن بين سلطات الدولة. والمرجعية هنا؛ في العراق، هو ما نصت عليه المادة “64” من الدستور العراقي النافذ. وهذه المادة الدستورية؛ تتألف من جزأين؛ أولاً، وثانياً. وقد عالجت الفقرة “أولاً ” من المادة “64 ” ذلك، ونصت على؛ “يحل مجلس النواب بالاغلبية المطلقة لعدد اعضائه، بناءًا على طلبٍ من ثلث اعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس في اثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء”. أيّ، أن مجلس النواب يمكن حله، وفقاً لهذا النص، بناءاً على طلب من ثلث أعضاءه، و”بأغلبية مطلقة لأعضائه”، والأغلبية المطلقة في مجمل تفسير المختصين المعتبرين في القانون، هي؛ (50 بالمئة + 1) من مجموع الحاضرين، في جلسة رسمية لمجلس النواب، متحقق فيها النصاب القانوني.

والنصاب، هو الفيصل لشرعية الجلسة إبتداء. بمعنىأن أعضاء مجلس النواب إذا ما تقدموا بطلب من ثلث الأعضاء الى رئيس المجلس، يطلبون فيه حل المجلس، وعقدت لذلك جلسة رسمية، متحقق فيها النصاب القانوني، وصوت الحاضرين، بالأغلبية المطلقة، على حل المجلس، فيكون قد جرى الحل، بموافقة الدستور. هذه الكيفية الأولى في مسألة حل مجلس النواب.  أما الكيفية الثانية، فهي أن يتقدم رئيس مجلس الوزراء بطلب إلى حل مجلس النواب، مشفوع بموافقة رئيس الجمهورية، ويشترط هنا، أن لا يقوم هذا الحل في فترة إستجواب رئيس مجلس الوزراء. وقد وضع المشرع هذا النص، حتى لا يتهرب رئيس مجلس الوزراء من المسائلة أمام مجلس النواب، والتهرب من ذلك نحو حل المجلس. لذا؛ أعطى المشرّع العراقي عند وضعه الدستور طريقتان، واضحتان، لحل مجلس النواب، أما أن يحل المجلس نفسه، أو؛ أن يقوم رئيس مجلس الوزراء، بموافقة رئيس الجمهورية، على الحل. وفي طرق أخرى،” تختلف واحدة عن الأخرى”، في دول برلمانية في العالم، كانت تسلك غير ذلك. كل حسب إشتراطاته. ففي أنظمة برلمانية، مثل إسرائيل”، التي تتمتع فيها الحكومة بالصلاحيات التنفيذية “شبه المطلقة،” ويعتبر رئيس الدولة منصباً فخرياً، لا يستطيع أحد حل البرلمان إلاّ البرلمان بذاته، من خلال إصدار قانون خاص، يحل به نفسه. وفي الأنظمة الرئاسية؛ كالولايات المتحدة الامريكية، لا يملك أحد سلطة حل البرلمان، حتى رئيس الجمهورية. وفي الانظمة شبه الرئاسية، مثل فرنسا، يستطيع رئيس الجمهورية حل البرلمان، غير إن الدستور إشترط عليه، التشاور مع رئيس الحكومة. هناك شكل آخر من أشكال حل البرلمان، يشترط إجراء استفتاء شعبي. ففي بعض الدساتير، مثل الدستور المصري، لا يملك رئيس الجمهورية حل البرلمان  إلا عند الضرورة، وبإشتراط إجراء إستفتاء شعبي، على أن يتحصل موافقة أغلبية المشاركين في الاستفتاء.

بمعنى إن الدساتير البرلمانية لم تكن على شاكلة واحدة في تناول مسألة حل البرلمان، ونصت على طرق يجب سلوكها لتلك المسألة، نصت عليها الدساتير، ولم يغفلها المشرّع. فيما عالجت الفقرة “ثانيًا” من المادة “64” من الدستور مسألة ما بعد حل مجلس النواب، فنصت على؛ “يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخابات عامة في البلاد خلال مدة اقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مستقيلاً، ويواصل تصريف الامور اليومية”.

منشورات المحكمة

ويصف الدكتور علي مهدي في منشورات المحكمة الإتحادية العراقية حكومة تصريف الأمور اليومية بالآتي؛ ” إن وزارة تصريف الأعمال هي وزارة مؤقتة، ناقصة الصلاحية، لأغراض تصريف الأمور لمدة محددة من الوقت، لفترة ما بعد سحب الثقة من الوزارة، او بعد انتهاء الوجود القانوني للبرلمان، والقيام بالانتخابات، أو ظرف طارئ، حال دون عدم تشكيل الوزارة الجديدة، أو تأخرها، ولا يحق لهذه الوزارة البت في الأمور ذات الطبيعة المستقبلية والمصيرية، ويقتصر عملها في العاجل من شؤون الوزارة ، واختصاصاتها محدودة، فلا يحق لها القيام بمبادرات وأعمال ذات نتائج سياســـية، وأبرز مهامها تصريف امور الوزارات المختلفة، بالحد الأدنى من الاستمرارية الإدارية، ولتسيير مصالح المواطنين.”

 ورأيه هذا، مســــــــــــتأنساً بما جاء  بقـــرار مجلس شورى الدولة الفرنسي بقراره المؤرخ في 1966/4/22 ، بشأن نطاق صلاحيات حكومة تصريف الاعمال، وقد اطلق عليها بالأعمال العادية، أو الجارية، والتي اعتبرها تلك الاعمال التي لا تُعرض مسؤولية الوزارة مجتمعة او الوزير المعني الى نتائج سياسية – لان الحكومة أو الوزارة تحكم باسم الشعب الممثل بالبرلمان –  والحكومة المستقيلة تكون فاقدة لثقة البرلمان، مما يجعلها غير قادرة وغير ذات صلاحية دستورية لتتخذ قرارات سياسية. وخلاصة الأمر، إن مجلس النواب يحل بطريقتين، كما مر ذكره، هما؛ أما أن يحل نفسه بنفسه، وأما بناءاً على طلب من رئيس الوزراء، معززاً بموافقة رئيس الجمهورية. وأما بقاء الحكومة ، فهي حكومة تصريف أمور يومية، مرهونة بإجراء إنتخابات برلمانية، لغرض تشكيل حكومة جديدة بكامل صلاحياتها الدستورية، والرسمية.

مشاركة