حكومة عبد المهدي بين العنوان والمضمون – طالب سعدون

484

نبض القلم

حكومة عبد المهدي بين العنوان والمضمون – طالب سعدون

كانت التوقعات والتحليلات ، وكذلك ردود الفعل السياسية على ترشيح الدكتور عادل عبد المهـــــدي لرئاسة مجلس الوزراء في العراق إيجابية في البداية ، ومتفائلة كثيرا بشكل غير مسبوق في الحكومات السابقة ..

وعد الكثير ممن إستمعنا الى تصريحاتهم وتحليلاتهم ، وما نشر من تقارير إعلامية أيضا بان الترشيح بالتوافق ، ومن خارج الكتل الفائزة في الانتخابات يُعد (قفزة نوعية في العملية السياسية) ، وإنتقالة كبيرة فيها ، من حال الى نقيضها تماما ، فاطلق البعض على إختيار عبد المهدي بأنه (الفرصة الاخيرة) ، وبمثابة عودة الى السياقات الصحيحة (في العملية الديمقراطية) ، لأنه استطاع أن يخرجها من أزمة (الكتلة الاكبر) وتعقيداتها اللاحقة بعد ظهور نتائج الانتخابات والانقسامات في الكتل ما بين خروج من هذه ودخول في أخرى ..

كما قوبل هذا الترشيح ايضا باشادة وإطراء كبير ين من قبل السياسيين ، فكان هناك إعلان بالاجماع على الدعم الكامل والمطلق له ، وشبه إجماع أيضا على أن هذه (السلاسة) في الترشيح ستجعل الحكومة بحكم ما جرى الحديث فيه عن مواصفات وزرائها من حيث (استقلاليتهم) وكفاءتهم العالية بأنها قادرة على تعويض العراق ما فاته في السنوات العجاف الماضية على مختلف المستويات ، وفي المقدمة الخدمات والبنية التحتية ، وتخليص البلاد من آفة الفساد وهدر المال العام ..

وهناك من المواطنين من ذهب في تفاؤله أبعد عندما فتح عبد المهدي نافذة الكترونية للترشيح الشعبي الى مناصب الوزراء في سابقة غير معروفة على هذا المستوى من الترشيح لمناصب قيادية – سيادية ، ولكنه مع ذلك لم يُعلن عن ترشيح إسم من بين تلك الالاف التي تفاعلت مع تلك المبادرة الى وزارة .

ولكن ماذا كانت النتيجة لحد الأن ..؟.. هل كانت مطابقة لحالة التفاؤل ام العكس ..؟..

هناك من يرى أن عبد المهدي وضع نفسه منذ البداية في خطوة الترشيح الالكتروني غير المسبوقة والغريبة عن بيئتها السياسية (أمام خيارين يفضيان الى نتيجة واحدة يكون فيها هو غير رابح في كل الاحوال .. أما أن يذهب بمبادرته الى نهايتها ويختار حكومته بنفسه من المستقلين من بين تلك الالاف وعندها يكون أمام احتمال عدم الحصول على ثقة الكتل والبرلمان أو يواجه صعوبات لاحقة ستضعه أمام خيار الاقالة وليس الاستقالة التي كان يلوح بها أو الخضوع الى ارادة الكتل والاختيار من بين مرشحيها) ..

وكانت نتيجة هذا المخاض العسير الذي استمرعدة أشهر بعد إجرا ء الانتخابات ومدة ليست بالقليلة من التكليف أن استمرت الامور على ما سارت عليه العملية السياسية على مدى السنوات الماضية ، حيث (استمر العمل بالمحاصصة رغم الاعتراض عليها حتى من المستفيدين منها ، ولكن بشكل جديد قد يبدو مبررا أمام الشارع للتدخل من خلال المطالبة بحصص من الوزارات حسب الاستحقاق الانتخابي وتوزيعها على المكونات التي انقسمت بين التحالفات ) .. فهذه الوزارة حصة هذا المكون في هذا التحالف ، وتلك لذاك في التحالف الاخر …

ان عملية تشكيل حكومة عبد المهدي التي لم تكتمل الى لحظة كتابة هذه الاسطر لم تثمر عن شيء

يعزز ذلك التفاؤل الذي اشرنا اليه في البداية إذ لا زالت الكتل تتحكم بعملية الاختيار سواء بشكل مباشر أو من خلال البرلمان ، واستمرت الخلافات التي انعكست على عملية تشكيل الحكومة وتأخر اكتمالها ، فهي وأن أعلنت عدم تمسكها بالحصول على حقائب وزارية ، لكنها تستطيع أن تتحكم باختيار المرشحين ، أوتعطل تشكيل الحكومة أو تأخرها ، كما حصل في جلسة الثلاثاء التي تأجلت الى اليوم الخميس بعد أن سادتها الفوضى التي حالت دون اكتمال التشكيلة الوزارية على حد قول عبد المهدي نفسه ..

والتفويض المفتوح الذي منح لعبد المهدي بأن يختار ما يشاء من الكفاءات ومن المستقلين بدا (مشروطا ومقيدا) بارادة الكتل ومحددا باسماء عليه أن يختار من بينها دون أن يخرج عنها ، أو في إلاصرار من هنا او هناك على هذا او ذاك من المرشحين ..؟.. و (الذهاب الى البرلمان بمرشحين عليهم اعتراض من البداية) ، وبالتالي جعل حكومته تولد غير مكتملة على أمل أن يعافى الوليد وينمو فيما بعد ويجتاز العقبة بسلام .؟..

فهل يمكن لمولود لم تكتمل بنيته أن يعيش معتمدا على نفسه ، دون مشاكل صحية قد تؤدي به الى الوفاة أو الشلل وعدم القدرة على الحركة أو بصعوبة إن لم تتوفر له (حاضنة) الى ان يكتــــــمل ويقوى عوده ويعيش بصورة طبيعية .؟..

هكذا كان حال حكومة عادل عبد المهدي في ولادتها ، فهي قد عمقت من التعثر في العملية السياسية وفشلها على حد تعبير اعلاميين ومراقبين وليس اصلاحها ، وربما تستمر بعد الولادة ، لانه جاء بعنوان مستقل عن طريق التوافق ، وليس له كتلة قوية تقف وراءه وتساعده في البرلمان .. ومن طبيعة التوافق (أنه غير ثابت ويقوم على المصالح .. والاتفاق السهل اليسير في موقف وظرف معين قد يغدو صعبا ومستحيلا في ظرف اخر) ..

والاتفاق الذي حصل على عبد المهدي سرعان ما تفكك ودبت الخلافات داخل جلسة البرلمان التي كانت تعكس الانقسام السياسي بصورة صارخة ، وتحولت الجلسة الى صراع ارادات وتحديات على حد تعبير أحد النواب فيما عد سياسي ما حصل نكسة ، لكن نائبا أخر أكد أن ما حصل كان انتصارا للارادة الشعبية العراقية وغضب عراقي من هذا الاداء والفشل المتكرر …

فهل سيكون يوم الخميس حدا فـــــاصلا بين مرحلتين في العملية السياسية – كما بنى المتفائلون على ترشيح عبد المهدي في البداية – بين استمرارالفشل ، أو حصول تغيير جوهري وان كانت هذه التجربة الجديدة متعثرة في بداياتها وزادت من حدة الخلافات اكثر كما ظهر في عملية تشكيل الوزارة ..؟.. والى أين تسير الامور إذا لم يتم الاتفاق على إستكمال الكابينة الوزارية ؟.. وهل ستبقى الازمة محصورة بين الاحزاب في حالة عدم التوصل الى حل لأكمال تشكيلة الحكومة ، أم سيكون للشارع المحبط من الاداء السياسي رأيه المؤثر هذه المرة ، وسيتجاوز في مطالبه القضايا الخاصة بهذه المحافظة او تلك او بخدمات او البطالة او بتشكيل الحكومة الى ما هو أبعد وذلك باصلاح حال البلاد كلها على حد ما يرى بعض المراقبين …؟؟

تساؤلات كثيرة ستجيب عليها جلسة اليوم – الخميس ، ولم يبق مجال لتوقعات يمكن ان يستفيد منها من يطالع هذا المقال لهذه المصادفة في الموعد بين الجلسة والمقال ..

{ { { {

كلام مفيد :

تسلمت رسالة عبر الوتس أب وهي فيديو جميل تضمن كلاما رائعا بصوت الفنان الكبير محمد صبحي أنقل بعضا مما جاء فيه ((عندما أراد الصينيون القدماء أن يحصنوا بلدهم ويعيشوا بأمان بنوا سور الصين العظيم .. واعتقدوا أنه لم يكن باستطاعة أحد تسلقه ، لكن للاسف خلال المائة سنة الاولى بعد بناء السور تعرضت الصين الى ثلاث غزوات ، وفي كل مرة لم يكن الاعداء بحاجة الى تسلق السور، أو اقتحامه ، لانهم كانوا يدفعون رشوة للحارس ، ويدخلون من الباب ، لان الصينيين انشغلوا ببناء السور ونسوا الانشغال ببناء الانسان .. ان بناء البشر أهم من بناء الحجر .. ))..

مشاركة