حكاية هذا الزمان – سعد البزاز

حكاية هذا الزمان – سعد البزاز

لعلّي من بين أولئك الذين ظنوا أن الورق هو حافظةُ ذاكرة الفرد والناس معاً، لذلك حيثما حلقتُ متحدثاً في الاثير، كنت اشعر على الفور، أن حزمةً من الضوء تلاشت في حزم أكبر تملأ هذا الفضاء بالريح، مثلما تملأه بالصوت والضوء، أما الورقة، فكانت وما تزال موطناً آمناً، تلتقي فيه روحي بروحي، وقلبي بعقلي، في إيقاع نادر لفن رفيع، هو فن نقل الافكار من معتملها في العقل والروح الى رموز مدوّنة هي الكلمات، وهو فن يبرع فيه اثنان، الاول كاتب والثاني قارئ، يكمل أحدهما الآخر في علاقة شخصية مباشرة، تختلف عن تلك العلاقة العمومية بين متحدث في التلفاز او المذياع يخاطب عموم الجموع ولا يعطي انساناً وحده ذلك الشعور الفذ بأنه المقصود لفرديته وذاته، فتنتفي في الفضاء تلك العلاقة الخاصة بين كاتب وقارئ كلاهما يعرف اسرار الكلمات، احدهما يدوّن رموزه والآخر يفك طلاسم هذه الرموز.  وطالما ظلت العلاقة الخاصة بين فرد وآخر اعمق وأدفأ من العلاقة العمومية بين فرد ومجموع، فان الحاجة الى الصحيفة والكتاب ستظل حيوية ويقّظة هنا لا يعُوض عنها اتصال عبر الانترنت او خطاب من علو عبر التلفزيون او المذياع. ويوم ولدت فكرة اصدار جريدة الزمان في نيسان من عام 1997 كان من الحماقة ان يغامر بإصدار صحيفة كبرى فرد هو مجرد شخص واحد أيقظ الغضب ما كان يحلم به طويلاً ويخطط له مراراً ولم يفعله، فإذا به يختار منافسة صحف كبرى تقف وراءها دول ومشايخ ومخابرات جاءت الى لندن حيث مربط العرب الهاربين من اوطانهم بحثاً عن الحرية او بحثاً عن الوجاهة.. الحرية لمن خسرها في وطنه تحت قمع او استلاب او تهميش.. والوجاهة لمن مَلكَ كل شيء مادي، من ثروة وبنيان، لكنه افتقر الى القيمة المعنوية.. مما يعرف عند العرب بالوجاهة، فجاء الى اوربا للتحلل من عقد نقص مركبة كأنه يقول لأترابه من مالكي الثروة وفاقدي المكانة، ان تملّكه مشروعاً يؤثر في الرأي العام وينطلق من لندن سيعوضّه عن شعور عميق بالنقص الروحي والثقافي بعد أن ظنّ أن تغيير المكان هو تغيير للمكانة.

وسيخطر في البال، ان رجالاً من مالكي الثروة ظلوا يتحسسون على الدوام من نظرة ازدراء من شاعر مفلس.. وتجاهل من كاتب متعفف امام ثرواتهم والقابهم، فقرروا ان أقصر طريق لرد الازدراء والتجاهل هو ان ينشئوا صحفاً يضطر هؤلاء (الصعاليك) من الكتّاب والشعراء للكتابة فيها والعمل مأجورين لديهم والظن يغلبهم بأن هؤلاء سيكونون اتباعاً مستأجرين. اخترنا ان نصنع صحيفة يملكها الصعاليك، ويكتب فيها الكبار من الصحفيين والكتّاب.. ليحل الخادم بدل المخدوم.. وتتغير قواعد الاغتراب الصـــحفي عند عـــــــرب الهــــــجرة. لقد حدث انني كنت اكتب في جريدة عربية مقالين كل اسبوع، باشتراط ان لا تحذف كلمة او تضاف أخرى، حتى حصل ان حدثني رئيس تحريرها عن صعوبة نشر مقال فهم انه يتضمن نقداً للرئيس السوري الراحل حافظ الاسد، وتمنى ان احذف عبارات او استبدلها، بدعوى ان لديه طبعة تصدر من بيروت حيث توجد تهديدات سورية لمطابعه ومكاتبه، فقلت له: لن احذف حرفاً ولن استبدل كلمة بسواها، هذا ما لديّ.. اما ان تنشروه كما هو او استودعكم الله واتوقف عن النشر لديكم..  وظن الرجل انني لا اقصد كل كلمة قلتها، او ان الدنيا ستضيق علي ولن اجد مكاناً انشر فيه مقالاتي، والتقينا في الليلة التالية وسألني ماذا سأفعل بعد ان توقفت عن النشر في صحيفته، فقلت له: سأصدر جريدة يومية جديدة من لندن حتى لا اكون رهينة لدى احد.. ولا افقد حريتي وهي اعز ما املك. اغلب الظن ان صديقي اشفق عليّ وهو يراني مجرد حالم، ولم يمض شهران حتى صدرت (الزمان) لتكون واحدة من اربع صحف عربية كبيرة تصدر من العاصمة البريطانية تتنافس مع من سبقها في الصدور.

 وبقي السؤال كيف غامر مهاجر مطارد بالخوض في بحر يبتلع الحالمين والطامحين الذين لا يستطيعون المقاربة بين احلامهم وقدراتهم.. وبين طموحهم وطاقتهم على تحمل المخاطر وتحرير العقل من ارتهانه للمال، وكان ما كان، اخترت الاسم لحياديته واستذكاراً لاسم جريدة عراقية شجاعة غرّدت منذ اربعينات القرن العشرين بفارسها ومؤسسها الصحفي الرائد المرحوم توفيق السمعاني، واليوم بعد عشرين عاماً، صارت (الزمان) حقيقة في تاريخ الصحافة العربية الحديثة، طبعت في لندن وبيروت والمنامة وبغداد والبصرة ونشرت مكاتبها في انحاء العالم وباتت موضوعاً للبحث في العديد من الاطروحات الاكاديمية ووقفت امام القضاة في كل مرة اشتكى عليها سياسيون وطامحون بعضهم ما زال حاكماً متحكماً في مراكز السلطة والقوة والمال وآخرون حكموا ثم تساقطوا بارادة محكوميهم..  واستمرت حكاية (الزمان) في الوطن والمهجر، تستقطب قوافل الصحفيين المحترفين من الروّاد والشباب ومئات الكتاب البارزين من العالم العربي الذين يتحدّون الكوابح ويتجاوزون الموانع وينأون بأنفسهم عن تمزيق الاوطان والعبث بالسلم الاهلي ومس الكرامات الشخصية واهانة الاديان والمذاهب واعابة المنابت القومية والاجتماعية مما يندرج في اطار ميثاق معنوي واخلاقي مفهوم لكنه غير مدوّن او ممهور، وهو نوع من انماط التعاقد المعنوي لدى الشعوب المتحضرة، و عندئذٍ لايعدو رئيس التحرير والقيّمون على الصحيفة سوى حراس على الذائقة المعنوية لا يعبثون بمقال أو رأي بل ينتظرون الصباح ليقرأوا ما نشرته الصحيفة حالهم حال قرائها في اي مكان.

 مرةً وجدها بعض القراء شديدة الصبر والتهذيب فعابوا عليها نقصان حيويتها ومرةً وجدها قراء آخرون مُغاليةً في المشاكسة فعابوا عليها سرعة الغضب وقصر النفس.. وفي الحالتين لم تكن(الزمان)، كتّاباً وصحفيين، لا شديدة الغضب ولا عالية التهذيب، لكن الذي كان، وما يزال، هو ان زمانها كان يُقلبُها على صفيح ساخن فتشتاط ناراً ثم يلقيها في بحر متجمد فيصيبها الذهول مما يظنه الناس تهذيباً وصبراً وهو ما لا تملكه مهنة الصحافة مهما تعقلّت.. ومهما تجملّت !

 وصارت (الزمان) مُلكاً لمن يكتب فيها ومن يقرؤها، ووثيقة عقد بينهما.. كاتباً وقارئاً، يحدو من اسسها ثم من ادارها وتولى امرها، الأمل في ان تكون سجلاً للازمنة الصعبة التي دوّنت وقائعها، فلا يقرؤها حاضر هذا الزمان وحسب، بل يعود اليها قارئ المستقبل ايضا يوم يسعى الى وثيقة عادلة عن وقائع زمن مضى وافكار رجال ونساء دونوا معلقاتهم على صفحاتها.

 ومنذ الخطوة الاولى اختارت(الزمان) مسلكاً وعراً وسط التيارات السائدة في الإعلام العربي آنذاك الذي كانت هيمنة الحكومات عليه شبه مطلقة عدا استثناءات محدودة ضعيفة الاداء عملت من خارج الوطن العربي، وتحول الاعلام العربي الى ساحة صراعات بين الانظمة المتخاصمة، وكانت ابرز تلك المعارك ما خاضته حكومات العلن، وحكومات الظل المتمثلة باجهزة الاستخبارات في كل من ليبيا والعراق والسعودية الى جانب ايران التي نشطت بعد الثورة عام 1979 وكان القاسم المشترك بين ذلك الرباعي هو غنى الدول وثراؤها وقدرتها على تشغيل صناعة الاعلام، اما الدول العربية الاخرى الاقل غنىً فلم تكن غائبة عن حلبة الصراع لكنها اعتمدت على قدرات أقل ومهارات اكبر لتتحاشى الهجمات المضادة وتعمل في السر بهدف الاحتواء ورد الفعل، وكان العالم العربي بعد حرب الكويت قد انقسم على ذاته على نحو لم يعرفه منذ قيام دوله الحديثة بداية القرن العشرين، وهو امر لم يحصل في أدق مراحل اختبار الوجود العربي ابان هزيمة الخامس من حزيران(يونيو) 1967، وبدا أن الانقسام العربي في حاجة لأدلجة نفسه والاحتماء بأغطية فكرية، بعد تصدع المشروع القومي العربي، وعدم وجود بديل ايديولوجي جاهز، وكان الارجح ان يكون البديل هو الاسلام السياسي بوجوهه المتعددة ومستويات عمله المختلفة وتدرّج إيقاعه من الوعظ الى الجهاد. في حين ان اليسار العربي كان قد تقهقر في وقت مبكر ولم تبقَ منه غير منارات فكرية متبعثرة، لكنها ظلت حيوية ونشطة وخاصة في ما كانت تمثله من طاقة نقد وتحدٍ للنظام العربي التقليدي السائد، ووسط تلك الحيرة واضطراب الرؤى كان الأمر الذي يعتمل في البيئة الثقافية هو محاولة الولوج في مسار آمن مع بدء تساقط المنظومة العربية، ولم تجد (الزمان) ممثلة بشخوصها وكتّابها غير اللوذ في خيار تشجيع قيام الدولة المدنية وتعبيراتها الاجتماعية بحيث يستمر التدفق القومي العروبي في حدوده الرسالية المدنية السلمية وقوة زخمه الثقافية، وينفتح الطريق امام الاسلام المنبعث بقوة من مكامن كبته، لتكون الصحيفة منبراً لدعاة الاعتدال والمدنّية الذين يديمون التدفق الروحي الهائل للرسالة المحمدية ويحافظون على قيم التعايش في مجتمعات عربية متنوعة الاعراق والمنابت وينأون عن تكفير الآخر من المسلمين وغير المسلمين، ويقبلون بقواعد اللعبة الديمقراطية (التي كانت حتى أواخر تسعينات القرن الماضي) محدودة في بلدين أو ثلاثة بلدان عربية فقط، وكان على صحيفة تسعى للسير في الاشواك – تطبع داخل العالم العربي وخارجه، وتوزع نسخها في اكبر عدد من الدول التي تسمح اجهزتها الرقابية بالمرور – أن تحتمي بقواعد مهنية تتحاشى الشخصّنة والمس بكرامات الافراد والعقائد، وكان كثير من كتّابها، ومازالوا، يتدثرون بلغة غزيرة في القيمة ورفيعة في الاسلوب لكي يحتملها المتخاصمون على أمل ان يلتقي فرقاء العقائد على مشروع بناء دول مدنّية وهو الخيار الذي بدا قبل خمسة عشر عاماً خياراً جذاباً وسط الفوضى.. وها هو اليوم يبدو اكثر جاذبية وسط بحيرات الدم التي تخلفها حروب القبائل والطوائف والمِلل والنِحَل.. اذ لا حياة إلا بقبول الآخر وادامة الاستعداد للتعايش معه، وكنا وما نزال نظن ان أية معركة لا تنتج رابحاً وخاسراً، بل تتمخض عن خاسرين فقط يهيمون في خراب مجتمعاتهم واوطانهم.  تلك هي رسالة (الزمان) ما تزال.. وستبقى، لاسيما في العراق الذي تناوبت عليه الاختبارات لقياس قدرته على التحمل والبقاء في مكانه وحجمه شعباً وارضاً. كان الهاجس، وما يزال، هو كيف يحتوى الفكر العربي عبر مناراته ومنها (الزمان) اوهام التفوق المستمدة من (نقاء السلالات) او (استيراث الاصالة) أو الإنتساب الموهوم لأدوار قدريّة فوق طاقة البشر، مثل الزّعم بأن افراداً حق لهم ما لا يحق لسواهم لاعتقادهم انهم (منتدبون ومكلفون من السماء)، لكي يحل بديلاً عنها مفهوم الدور الخلاّق للفرد المُصانةُ حقوقه، الذي يأخذ من المجتمع على قدر ما يعطيه، وتعلو منزلته باحتساب ما يبدعه وينجزه، لا بحساب أوهام من انتسب اليه من (نقاء) السلالة والعائلة والقبيلة والطائفة. إن عناوين كبيرة من هذه المهمات التي أدرجها هنا هي اكبر مما تستطيع صحيفة ان تقوم به، لكن مهمة حراسة نظام القيم والدفاع عنه كانت وستظل من مهمات الفكر ووسائله وأدواته وساحات عمله.. ومنها الاعلام، تضيء حيث يحل الظلام وتوقظ الضمير حين تموت الذِمة وتشهد على الظلم يوم يبحث المظلـــــوم عن منبـــــر لصوته وحـــــامل لآلامه.

هل استطاعت (الزمان) ان تقوم بذلك كله..؟ سيكون الجواب من غير تردد: كلا.. لكنها حاولت وستحاول الى جانب أترابها ومن يتشابه معها، لان سكوت صحيفة هو موت ضمير.. وحين تموت الضمائر يتسيّد الظلم والفساد والقسوة في كينونة تعطّش فيها الانسان منذ ساعة الخليقــــــــــة الى العدل والحرية والاستمتاع بما اغدقه الله على الخلق والكون من روح وجمال..  الا يكفي أن نحاول..؟ ونظل نحاول.. مثلما حاول من سبقنا.. وسيحاول من يأتــــــي من بــــعدنا حتــــــى لا يحل الطـــــوفان.

مشاركة